يسعى المفكر اللبناني أحمد زين الدين، في كتابه "الحداثة ويقظة المقدس: أنماط وسلوكيات وأفكار" (الصادر في 2015م)، إلى إجراء بحث معمق في سوسيولوجيا الدين والتحولات الثقافية التي يشهدها العالم الإسلامي؛ وذلك عبر الرصد الدقيق للتجليات المختلفة لـ"المقدس" في سياق "الحداثة"، ما يؤدي إلى تفكيك العلاقة بين "الحداثة" و"المقدس" في الوعي والسلوك الإسلامي المعاصر.
وبينما يوضح وجود تخوف معرفي من العولمة وسعيها إلى الهيمنة، ما يؤدي إلى رد فعل مقاوم بإحياء أبعاد رمزية ودينية تقليدية تواجه الحداثة؛ فهو، في الوقت نفسه، يؤكد أن الحداثة لا تسعى إلى مواجهة الدين والسيطرة عليه، وإنما تهدف إلى إعادة تركيب المقدس، بما يتماشى مع التطورات الاجتماعية والتاريخية والمفاهيم التي تفرضها الحداثة.
مواجهة الاغتراب
يُعلن زين الدين توجسه من "عولمة أخطبوطية وحداثة طاغية"، ومن عواقب الإحباطات التي تواجه العالم الإسلامي، ويجتهد في الكشف عن "الأساليب المختلفة في مقاومة الذوبان في وجه هذه التحديات"؛ كما يلفت النظر إلى أن "الحداثة" لم تؤدِّ إلى اضمحلال الأشكال الدينية، ولكنها أدت إلى "إعادة تركيب المقدّس في سياق معاصر"، ويتناول كيفية تحول الجسد إلى أداة للتعبير عن المقدس ومقاومة الحداثة، فالجسد "حقل للاستثمار الديني". ويوضح مفهوم "الجسد الإسلامي"، بأنه "جسد يخضع لتعاويذ الشريعة، يلتزم الحدود ويحمل الرمز"، ويربط بين ظواهر مثل اللباس المحتشم وتغطية الرأس، بتحولات في المعنى، ويرى أنها سلوكيات تُعد "تحصينات في وجه الاغتراب"، الذي فرضته الحداثة.
وينتقد العلاقة بين الدين والشفاء، أو ما يُطلق عليه "المداواة القدسية"، التي تتمثل في الاعتقاد بوجود قوة خارقة يمكن استدعاؤها أو التوسل إليها لرفع الضرر أو الشفاء، مثل الرقية الشرعية والأحجبة، التي يعتبرها "آليات للتدخل الغيبي في المادي"، ويرفض زيادة اللجوء إليها باعتبارها ملجأ روحياً في عصر العقلانية.
طقوس العبور
يتناول الكاتب العلاقة بين اللفظ والاعتقاد والقداسة، فالفم في السياق الإسلامي، على سبيل المثال، "مصدر القداسة والنجاسة، يتجاوز كونه عضواً مسؤولاً عن النطق، ويؤدي دوراً رئيساً في الظواهر التي تتعلق باللغة والقول، مثل الحلف بالطلاق واليمين والتعاويذ اللفظية"؛ التي تُمارس كعقود، وتترتب عليها آثار شرعية قاطعة، ويعتبرها جزءاً من "الكلمة المقدسة" التي "تؤسس رابطاً بين الفرد والعالم الغيبي".
ويبحث زين الدين في ما يُطلق عليه مفهوم "طقوس العبور"، التي يعرفها تعريفاً سوسيولوجياً اجتماعياً بأنها "المراسم التي تصاحب انتقال الفرد من حالة اجتماعية أو مرحلة عمرية إلى أخرى"؛ ويرى أن الطقوس الإسلامية، مثل الختان والزواج والوفاة، تمثل "إجراءات مقدسة تُحوّل الفرد من وضعه القديم إلى وضعه الجديد تحت رعاية الشريعة"؛ وهي سياج ديني يحمي الهوية الدينية للفرد في تحولاته. كما يشتق مفهوم "تحطيم التماثيل" كفعل ديني تطهيري، من حيث إنه سلوك يتجاوز "تدمير العمل الفني للإعلان عن تطهير المكان أو الزمان من شرك مفترض أو قداسة زائفة". كذلك، يصف "رحلة الحج" بأنها ظاهرة "إناسية" أو "أنثروبولوجية"، تمثل إعادة تشكيل للبنية الاجتماعية والزمنية، يتمكن خلالها الفرد من "إلغاء التفاوتات الطبقية والاجتماعية مؤقتاً"؛ فالإحرام "تطهير رمزي"، والطواف "إعادة تموضع في المركز المقدس".
ثنائية ميتافيزيقية
يرفض زين الدين، توظيف الدين واستخدامه لأغراض أيديولوجية، ويدعو إلى فكرة "اللاهوت المنفصل"، التي يُعرفها بأنها "اتجاه فكري يحاول فصل العقيدة عن السياسة أو المجتمع بشكل حاد"، للتركيز على البعد الروحي والأخلاقي الفردي، ما يمثل محاولة لتفكيك العلاقة العضوية بين الدين والدولة، لتفعيل مبدأ المواطنة.
ويرحب المؤلف بمن يصفهم بـ"المتكلمين الجدد"، ويقصد بهم المفكرين الذين يحاولون تحديث علم الكلام الإسلامي لمواجهة تحديات العصر، ويجتهدون في "صياغة العقائد والمفاهيم الدينية بلغة العقل والحياة المعاصرة، متجاوزين الإطار الأصولي الجامد"، ويركزون على "التجربة الذاتية" باعتبارها مصدراً للمعرفة الدينية بالإضافة إلى النص. كما يحاول تمهيد الطريق أمامهم عبر فتح باب الاجتهاد في الفكر الإسلامي الحديث، الذي يراه ضرورة للعمل على تكييف النص مع الواقع المتطور والمتغير.
ومن ثم، يدعو إلى تجاوز "الثنائية الميتافيزيقية" التي تميز الفكر الديني، مثل الروح والجسد، الدنيا والآخرة، الحق والباطل، كنوع من أنواع الاجتهاد الديني، لأن هذه الثنائية تمثل عائقاً حداثياً لأنها أساس البناء المعرفي الذي يواجه وحدة التصور الحداثي، ويؤدي إلى توتر فكري. ومن تجليات هذه الثنائية، وضع الفرد في "اختيارات صعبة" بين الالتزام الديني المطلق ومقتضيات الحياة الحديثة، ما يمثل صراعاً بين الهوية الثابتة والمتطلبات المتغيرة.
السلطة المعرفية
ثمة أزمة بين الحرية المطلقة كمطلب إنساني، والمقدس وقيوده، الأمر الذي يراه زين الدين يمثل صراعاً جوهرياً يعاني منه الفرد والمجتمع؛ فالحرية في المفهوم الحداثي "تنطلق من الذات"، بينما المقدس "ينطلق من المطلق"، ما يمثل إشكالية يمكن حلها عبر "إعادة تعريف حدود المقدس"، ليصبح متسامحاً مع حرية الاختيار الإنساني.
ويرصد الكاتب صراعاً معرفياً اجتماعياً على "السلطة المعرفية" بين فئتين في المجتمع، هما: "المثقف" كـ"منتج للمعرفة العقلانية"، و"الشيخ"، كـ"منتج للمعرفة الشرعية"؛ ويعزو هذا الصراع إلى أن محاولات "المثقف" لتحديث الفهم الديني عبر أدوات عقلانية، تؤدي إلى نزع "سلطة الشيخ المعرفية" وتمثل تهديداً للسلطة المعرفية الدينية التقليدية التي يمثلها "الشيخ". هذه السلطة، التي تستخدم "المتخيل الإسلامي" عبر مجموعة من رموزه وأساطيره المشتركة التي تبني وعي الجماعة بذاتها وتاريخها؛ وتستغلها السلطة المعرفية الدينية التقليدية، لتعزيز شرعيتها والتحكم في الوعي العام، عبر مفاهيم الشرع والحقيقة المطلقة.
وبالتالي، يشدد زين الدين على أهمية تفعيل "التفاضل الثقافي"، لإعطاء الأولوية للعناصر الثقافية القادرة على مواجهة استغلال المتخيل الإسلامي، وفرض السلطة المعرفية على الوعي الجمعي.
الهوية الإسلامية
ويرى المؤلف أن "الهوية الإسلامية"، في سياق الحداثة، أصبحت "منطوية على نقائضها"، وتحمل في طياتها التناقض بين الأصالة والمعاصرة، وبين النص والواقع؛ ولم تعد نقية أو أحادية، ما يعده مصدراً للتوتر والإبداع في آنٍ، الأمر الذي يراه خياراً إنسانياً تسعى التيارات الأصولية المعاصرة لحجبه والتضييق عليه، عبر التركيز المفرط على الواجبات والقيود، لإلغاء مساحة الحرية والمسؤولية الفردية التي تقتضيها الحداثة، ما يمثل "سلطة معرفية" تحد من قدرة الفرد على الاختيار.
في المقابل، ينتقد زين الدين ظاهرة "المحاكاة الفكرية الاجتماعية التي تحدث في العالم الإسلامي"؛ إذ تُستورد "المرجعيات والأطر الفكرية من الغرب" وتُطبق على الواقع الإسلامي، ما يعكس "أزمة ثقة بالذات الثقافية" ويؤدي إلى "فصل بين الأفكار المستوردة والواقع المحلي"، الأمر الذي يوجب إعادة النظر في المفاهيم الغربية نقدياً لانتقاء ما يناسب المجتمعات الإسلامية.
وختاماً، يرصد كتاب "الحداثة ويقظة المقدس: أنماط وسلوكيات وأفكار"، للمفكر اللبناني أحمد زين الدين، تفاعلات المقدس مع الحداثة، ويرى أن الحداثة لم تلغِ المقدس؛ بل أعادت إنتاجه وتشكيله في أنماط وسلوكيات وأفكار جديدة. لذا، ينتقد آليات استخدام الدين وأدلجته، ويطالب بمواجهتها، ويحذر من إشكالية تعاني منها الهوية الإسلامية الحديثة وهي الانطواء على نقائضها، ما يجعلها تدخل في صراع ثنائي بين الأصالة والمعاصرة. لذلك، يدعو إلى فتح باب الاجتهاد وإعادة تعريف حدود المقدس ليصبح متصالحاً مع حرية الاختيار الإنساني، ما يؤدي إلى حداثة حقيقية تعيد إنتاج المعنى والسلطة المعرفية.