ياسين الحافظ:

مشروع حضاري لتأسيس حداثة عربية

مركز حوار الثقافات

17-07-2025

يبدو التغلب على التحديات الماثلة أمام العالم العربي، التي تعوقه عن مشروعه الحداثي وتقدمه الحضاري، مرتكز مشروع المفكر السوري ياسين الحافظ (1930-1978م)، الذي يدعو إلى تجاوز التعصب الأيديولوجي والانكفاء على الهوية التراثية، رافضاً الاكتفاء بالتقليد واستحضار الماضي للعيش في كنفه، ويرى في شمولية الوعي الكوني وسيلة لتحقيق غايته الحضارية.

الحافظ، الذي تضمنت حياته ثلاث مراحل حياتية وفكرية، تمثلت في انتقاله من دمشق إلى بيروت ومنها إلى باريس، قدم مفهوماً جديداً للهوية يتضمن الانفتاح الحضاري على العالم، ما وسم مشروعه الفكري بالشمولية والتعدد؛ فنادى بالإصلاح الديني وبتحرير المرأة إنسانياً، ودعا إلى تحقيق الحداثة الجذرية وتجاوز عقدة الهوية، وأصدر عدداً من المؤلفات الفكرية والترجمات من الفرنسية، منها: "اللا عقلانية في السياسة العربية"، و"التجربة التاريخية الفيتنامية"، وغيرها.

الوعي الكوني

يدعو الحافظ إلى ما وصفه بـ"الوعي الكوني"، الذي يتمثل في النظر إلى الحداثة الغربية والحضارة والثقافة باعتبارها منجزات إنسانية عامة، يجب التعامل معها وفق نزعة إنسانية تهتم بمكونات الفكر دون الانتماءات، لأنه لا سبيل إلى العالم العربي، والمجتمعات المتأخرة عموماً، إلا بإعادة تبني المنجزات الحضارية والحداثة الغربية، حتى يمكن لهذه المجتمعات دخول المسار الحضاري والمشاركة في مسيرة التقدم الحضاري والحداثي.

ويؤكد الحافظ على أهمية تبني "الوعي الكوني" في المجتمعات العربية، حتى يُصبح ضمن مكونات "النسيج السوسيولوجي الداخلي للمجتمع"، وذلك في مواجهة الوعي الأيديولوجي ليمكن معارضة مفاهيم التقليد وتطبيقاته؛ إضافة إلى ما وصفه بـ"التقليدية الجديدة"، التي تعيد إحياء الماضي بتسميات مختلفة دون اختلاف جوهري، لا سيما وأن التقليد "سمة من سمات الثقافة العربية المحلية للمجتمعات"، حسب قوله. مشدداً على أهمية زحزحة الأيديولوجيا الدينية التقيلدية، وما تتسبب فيه من "قوقعة داخلية مركزية على الذات المتضخمة"، حتى يمكن التخلص من أوهام العنصرية والعرقية، ويعطي دفعة للتواصل مع الفضاء العالمي، ما يؤدي إلى كسر عزلة العالم العربي وتحقيق تقدمه الحضاري.

الوعي المطابق

يهتم الحافظ بـ"الوعي الكوني العربي"، كأحد أبعاد ما وصفه بـ"الوعي المطابق"، القادر على فهم الواقع العربي الفعلي، خاصة لدى النخب الفكرية والثقافية بشتى اتجاهاتها وتياراتها و"أيديولوجياتها"، حتى يمكن فهم الاحتياجات الفعلية، لا سيما الفكرية للعالم العربي، وعلى رأسها تجاوز ثنائية "الأصالة والمعاصرة"، لفهم المنجزات الكونية للحداثة وقيمها المعرفية والأخلاقية والثقافية فهماً "تاريخانياً"، يُمكّن من بناء وعي بالواقع المعيش، يكون قادراً على تغييره وتجاوز المرحلة التي يعيشها العالم العربي، الذي ما زال يعيش في مراحل "تجاوزتها الشعوب الأخرى التي فرضت نفسها على العصر"، بينما ما زال هو يعيش في "هامش الحاضر لارتكانه إلى عصر فات ومضى"، حسب قوله.

ويوضح الحافظ أن العالم العربي تعرض لهزيمة تاريخية، بسبب بُعده عن المركز الحضاري وفشله الحداثي، الأمر الذي تسبب في ما وصفه بـ"التأخر التاريخي"، الذي وقعت تحت ثقله المجتمعات العربية، وشمل كل النواحي والبنى المجتمعية والتشكيلات والفئات العربية والنخب الثقافية والفكرية، وهو تأخر -إضافة إلى شموله العناصر المجتمعية دون استثناء- تركز تأثيره في المجال الأيديولوجي، ما وضع "الذهنيات التاريخية" أسيرة للأوهام والأساطير والوعي غير الحقيقي، وجعل هذه الذهنيات تعيش في غير عصرها التاريخي، ما أحاط الذهنيات التاريخية بسلطة تقليدية من الماضي برزت بوصفها أحد مظاهر "التأخر التاريخي العربي"، حسب قوله.

البُعد الإنساني

يتميز الحافظ بوجهة نظر غير تقليدية عن مفهوم الهوية التقليدي، الذي يرتكز على "الذات" وامتدادها منذ الماضي حتى الحاضر، ما يُميزها من غيرها من هويات حضارية أخرى؛ فهو يرى أن الهوية ليست "خصوصية قومية أو محلية أو دينية أو طبقية، أو غير ذلك من التمايزات، بل هي رابطة مع الكون والعالم والإنسان والتاريخ، بحيث تكون "منفتحة على اللا نهائية"، وتُمثل توجهاً وتطلعاً إلى مستقبل واجب وضروري"، حسب قوله.

ويهتم الحافظ بقضية المرأة وتحررها، ويرى أن لها أبعاداً إنسانية في المقام الأول قبل أن تكون لها أبعاد ثقافية أو فكرية؛ فالمرأة في العالم العربي تُعاني من وضع إنساني متدنٍّ، يجب تجاوزه وإعادة إنسانيتها كاملة وانتزاع حقها من المجتمع التقليدي بأفكاره "الرثة" عن المرأة، لا سيما أن تحرر المرأة واستعادتها مكانتها الإنسانية الكاملة، يُعتبر رمزاً فعلياً وعملياً على تحرر المجتمعات بشكل عام، والمجتمعات العربية بشكل خاص، من الإرث الماضوي الثقيل وسلطويته المستمدة من الماضي على الواقع؛ فتحرر المرأة هو "أحد أهم مظاهر التقدم الحضاري في المجتمعات"، حسب قوله.

الحيز المُعاصر

الصدمة الاستعمارية التي عانى منها العالم العربي، لها مردود سريع في إعادة تشكيل المجتمعات العربية، من حيث الهيكلة الإدارية والمؤسساتية بشكل مستمد من الحضارة الغربية، وفقاً لـ"الحافظ" الذي يرى أنه رغم مظاهر الحداثة الإدارية في المجتمعات العربية، فإن هذه المجتمعات لم ترتقِ إلى الحداثة الفكرية، وظلت محكومة "بإرث ثقيل" من التقليد الموروث الذي انتقل من "التقليد العفوي" إلى مرحلة "الوعي"، الذي برزت أعلى مراحله في التيار السلفي الذي يعي أهدافه الماضوية التي تهدف إلى -وترتكز على- مغادرة الحاضر لا إلى التقدم نحو المستقبل، بل من أجل العودة إلى الماضي وإحيائه والحياة فيه.

وتفعيلاً للعقلانية وحماية لها وتطبيقاتها الفكرية والثقافية والمجتمعية، يرى الحافظ أن العلمانية "وعاء حامٍ" للعقلانية ومجالاتها المختلفة في المجتمعات العربية، إلى جوار منهجه في "الوعي النقدي"، الذي يتضمن منهجاً نقدياً عقلانياً يضعه في مقابل الإرث الرجعي الثقيل، الذي يكبل المجتمعات العربية ويُعيدها إلى الماضي، على عكس "الوعي النقدي" الذي يهدف إلى "استحضار المستقبل في الحاضر"، حسب قوله.

ويهتم الحافظ بتحقيق فكرة تقدم العالم العربي ودخوله حيز المعاصرة، وهو تقدم يجب أن يحدث عبر الدخول في الحيز الحضاري العالمي والفكر الكوني، ومراعاة التاريخ وتطوره وسيرورته المستمرة؛ ويرى أن بعض المشاريع الحضارية العربية، مثل مشروع الإمام محمد عبده، والمشروع الناصري، تأثرا سلبياً بعقدة الهوية، ما وقف حائلاً ضد التقدم، على عكس تجارب حضارية متعددة في بلاد أخرى نجحت في تجاوز عقدة الهوية وتمكنت عبر وعيها القومي من تحقيق التقدم والحداثة، مثل التجربة اليابانية والتجربة الفيتنامية التي تلتها، بينما النخب العربية ما زالت أسيرة التقليد والماضوية، ما وضع المجتمعات العربية على "هامش التاريخ الواقعي"، الأمر الذي يجب تجنبه وتجاوزه حتى يمكن تحقيق الحداثة العربية والدخول في مسيرة الحضارة.

وختاماً، يرفض الحافظ، في مشروعه الحضاري، الاكتفاء بالاستيعاب التكنولوجي للتقنيات الغربية الحديثة، واعتبار هذه التقنيات قادرة على تحقيق الحداثة العربية، ما قد يُسهم في تحقيق تنمية اقتصادية واعتبار هذه التنمية هي نهضة حضارية، دون تحقيق الحداثة الفكرية، لأن المنتجات التقنية هي نتاج الحداثة الفكرية ومفاهيمها التي لا غنى عنها لتحقيق نهضة حضارية حداثية للعالم العربي، التي لن تحدث إلا عبر إدراك مشكلة التأخر التاريخي الذي يعاني منه هذا العالم العربي، الذي لا بد أن يحقق وعياً حقيقياً بمشكلاته المجتمعية، مثل الإنسان والمرأة والطبيعة والكون، والأنماط الفكرية والثقافية الرجعية السائدة، وغير ذلك من المظاهر المناهضة للحضارة. وهي المشكلات التي تحتاج إلى إصلاح ديني حقيقي، يتغلب على الأيديولوجية الدينية التقليدية التي وصلت بسبب الفقه التقليدي إلى مرحلة عدوانية مع المجتمع والتقدم؛ فلا بد من "إصلاح ديني جذري"، لأن "الإصلاح الديني أصبح ضرورة عصرية"، وفقاً لقوله.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة