هل قرأنا القرآن؟:

ضرورة وجود قراءة جديدة للقرآن

مركز حوار الثقافات

09-12-2024

 "الحدث القرآني هو القول الإلهي المُبلَّغ من محمد، وهو في الوقت نفسه انعكاس هذا القول داخل المخطوط المقدس في الإسلام، غير أن هذا الغِشاء الذي أُريدَ به أن يكون حامياً للوحي كوَحدة متفردة، وواقياً يجنِّبه تسرُّب الفكر البشري، قد استمر منذ زمن صحوة العقلانية المناضلة إلى أفولها، خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديَّيْن، في لجْم كل خطاب يدعي التجديد، وفي حشره داخل حدود رسمتها المؤسسة التفسيرية، وأحكمت من خلالها قبضتها على المسطور القرآني".. هكذا يقدم الدكتور يوسف الصديق، الفيلسوف التونسي، لكتابه "هل قرأنا القرآن.. أم على قلوب أقفالها؟"، الصادرة طبعته الأولى عام 2013، عن دار محمد علي للنشر.

 ابن المُقفَّع

يقول الكاتب إن رحى استراتيجية المؤسسة التقليدية الإسلامية قضت بأن ينحدر ابن المقفع اليوم، لدى عامة المثقفين، إلى محض مؤلف كتاب "كليلة ودمنة" ذي البُعد الفلسفي والسياسي، الذي يقال إن الرجل نقله عن أصله الفهلوي الذي لا يُعرف عنه شيء، فيما عمل هذا المفكر، بحسب الكاتب، منذ سقوط دولة الأمويين على تفكيك استراتيجية المؤسسة التفسيرية، التي تقوم على ركيزتين: الأولى، كونية النص القرآني المُضمَّن في المصحف؛ والثانية، عدم السماح لأي ترجيحات أو خيارات في تصحيح البناء الأوليِّ، الذي شيده صحابة الرسول محمد في نقلهم أحاديث النبي وسُنَّته.

ويشير المؤلف إلى أن المؤسسة التفسيرية للقرآن كانت حازمة في إنزال الصحابة، على حد سواء، منزلة القداسة نفسها التي تجعل من كل فرد منهم في منأى عن النقد والمساءلة، وإن اختلف مع نظير له في النقل أو الرأي إلى حد الاقتتال في ميادين الحرب، لافتاً إلى ما سماه "الانقلاب العباسي" الذي ساده التردد في التعامل مع هاتين الركيزتين المشار إليهما، ليفتح ثغرة ذليلة كالتي تشهدها عادة عصور التحول السياسي؛ إذ ظهرت محاولة ابن المقفع في فتح ذلك الملف المغلق، فكان من بين مؤلفاته في هذا الصدد، مثلاً، رسالته في الصحابة، ولم تُعرف هذه الرسالة في نسختها المكتملة، لكنها وردت إلينا عبر ردود نقدية، تماماً كحال كتابات المعتزلة وابن باجة، واختار بعض المؤلفين نهج ابن المقفع عارضين أفكارهم بكل جسارة وعزم على التفكير الحر المستقل.

ويشير الكاتب إلى رسالة ابن المقفع في الصحابة مرة أخرى، ويقول إنها أول مؤلَّف نثري بالمعنى المعاصر للفظ، وقد رأى فيه معاصروه "محاولة ساخرة لتقليد النص القرآني، أراد بها صاحبها زعزعة فكرة الإعجاز التي ميزت كتاب الله"؛ ويضيف المؤلف أنه إذا كان الحكم على هذا المؤلَّف لابن المقفع صادراً عن محض وهْم، أو عن اتهام مدبَّر، بهدف ضمِّه إلى مجموع كتابات الزندقة، فليس في الكتاب المذكور ما يدعم ذلك الاتهام على نحو جدّي.

 مشكلات جسيمة

يدعونا المؤلف إلى البُعد عما أسماه "خطيئة قارئ القرآن"، ويشدد على ضرورة درس قراءة جديدة للقرآن أسماها "قراءة كأنَّ شيئاً لم يكُن"؛ بما يعني، بحسب المؤلف، أن نقرأ كأنَّ الآلة الدوغمائية الجامدة التي رسّخت قراءة وتفسير القرآن بقواعدها فقط، ليست موجودة، نقرأه كأننا أول قارئ، ونفسِّره كأننا أول المفسرين؛ مضيفاً أنه يجب أن نقرأ القرآن كما لو أن صيغة الأمر "اقرأ"، التي نزلت وحياً على رجل مكيٍّ في الأربعين من عمره يقال له محمد، لم تُوجَّه إلى قارئ غيرنا.

ويشير الكاتب إلى ما اعتبره "مشكلات جسيمة" طرحها النص القرآني، وغالباً ما تكون "مآزق منطقية"، لم يتخطَّها الأقدمون إلا بالاعتماد على خيارات أمْلتها الحسابات والمناورات الأيديولوجية؛ فقد خط النص في مصحف، وهي عملية جمع القرآن، بعد 23 عاماً من وفاة المبلّغ، وهو المشروع الذي أمر به وأتمَّه الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وهو رجل من كبار أعيان قبيلة محمد، غير أنه في الوقت نفسه حليف عشيرة منافسة من قريش، وهي أسرة بني أميّة.

ويقول الكاتب إن "أول من حاد عن النموذج النبوي في مهمة التبليغ المحض، كان أحد الساسة، وهو الخليفة الراشد الثالث، ومُذ ذاك لم ينقطع العامل السياسي في العالم العربي والإسلامي عن نشر التضليل، بإقصاء المفكر الذي حوّله السياسي إما إلى شاعر بلاط وإما إلى مهرج يضحك تارة ويبكي طوراً، فيضجر ويجلب النعاس لا محالة"؛ متسائلاً عن المائة سنة بين جمع القرآن في المصحف وسقوط دولة الأمويين، وهي حقبة لم ينتج خلالها الفكر العربي "وثيقة" مؤكدة واحدة في العلم والأدب والثقافة، في الوقت الذي حكم الإسلام فيه أرقى مواقع المعرفة والكتابة.

ثم يؤكد أن الموروث في مسألة حراسة نص القرآن المقدَّس إنما هي مؤسسة أنشأها الخليفة عثمان بن عفان؛ ويقارن الكاتب عن بُعد بين قصيدتي هوميروس الخالدتين، الإلياذة والأوديسا، وبين النص القرآني في مسألة القداسة التي تمتعت بها النصوص الثلاثة، فيقول إنه في حين أن الديمقراطية الإثنية أبقت على حراسة النصوص الهوميرية، وحفظت لها أصالتها، في مسعى يسد الطريق أمام نيَّات الطُّغاة الآخرين في استغلال تلك الأناشيد المحفورة في ذاكرة الشعب؛ إلا أننا نجد أن مشروع الخليفة عثمان بجمع القرآن، قد صادر سلطة أمناء الذاكرة الشفهية، أي القُراء، وهي جماعة محترفة، ليسلّمها إلى كَتَبة يمتلكون القدر نفسه من الاحترافية في "تفريغ الذاكرة"، حسب قوله، لافتاً إلى أن أولى تبعات ذلك كان محو عنصر وردت أحياناً الإشارة إليه، وهو ذكرى نمط التلقي الرؤيوي (المتعلق بالحُلم)، في الوحي المنزل على النبي، لتحل محله زيارات الملَك جبريل عليه السلام، الذي يأتي في كل مرة ليزود النبي محمد برسالة مفصلة، حرفية، جرى تدوينها سلفاً.

 سورة "النور"

ويمر الصدِّيق على بعض القضايا الشائكة في تاريخ النص القرآني، ومن أشهرها قضية "النسْخ"، بل وبناء بعض التشريعات عليها، رغم أنها قضية يراها الكاتب تسبح في فضاء الغموض بالنسبة للنص القرآني؛ فإنه يلفت النظر إلى أنه منذ نشأة علوم اللغة المتعلقة بدراسة المصحف، لم تعد المؤسسة التفسيرية تعبأ بلُغة الخطاب القرآني، إلا بغرض الدفاع عن مبدأ الإعجاز في قول أنزله الله على صورة مفصَّلة تناسب قدرة الإنسان على تلاوته. 

رغم ذلك، يعود الكاتب ليؤكد أنه "لا يمكن للقرآن أن يشكل سُلطة مرجعية تتقوَّم بها سيرورة اللغة، ولم يكن الله ليودع فيها قوله إلا لكونها ولَّادة بذاتها للكلم الطيِّب، أما الإعجاز المُشار إليه في الوحي المنزل، حيث لا قدرة لمخلوق، إنسياً كان أو من الجن، على أن يأتي بمثل القرآن، فقد حوَّله أهل التفسير إلى "لعبة معيبة" في ذاتها، أو إلى تحدٍّ شكليٍّ، باعتبار امتناع المرء عن خوضه دون الوقوع بذلك في الكفر"، حسب قوله.

ويتوقف الكاتب على محطة مهمة في كتابه عند سورة النور، التي احتوت وصف الله لنوره، فيقول إن ذلك المجاز اختاره الله ليكون أرفع المجازات في آية ﴿يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ﴾ [النور: 35]، وهي السورة -سورة النور- التي تخلو من أي اسم آخر غير اسم "الله" من بين الأسماء الثلاثة التي تضمنت أيضاً لفظة "رب" و"رحمان" المعتمدَيْن في لغة القرآن طبقاً لاستعمالهما في العهدين الموسوي والمسيحي، أو النصراني تحديداً، كما أنها الوحيدة التي استُهلَّت بتأكيد أنها "سورة" في قوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1].

 وختاماً، يلفت الكاتب إلى أن أهل التفسير لا يولون لهذا النص، نص سورة النور، قيمة إلا قيمة شعائرية وتربوية، بل إن بعضاً من كبار المفسرين يرى في نص سورة النور "حُزمة من الآيات المدنية" المتأخرة، أُلحقَت بالآيات الخمس عشرة التي قيل إنها تناولت قصة حديث الإفك، وقد أبطلته هذه الشهادة الإلهية؛ لكن كبار مفسري القرآن يختزلون السورة في "أحكام الستْر والعفاف"، كما يقول القرطبي، فيما يفتقدون أو يفقدون من السورة بلاغتها وقدرتها اللغوية، بل وأحكام إحكام العقل من خلالها، انتصاراً لأحكام شرعية فقط. 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة