يدعو المفكر السوري محمد حبش (1962م)، في كتابه "نور يهدي لا قيد يأسر"، إلى إحياء التيار العقلاني في الإسلام، ويؤكد تكامل العقل والنقل ويرفض تعارضهما؛ ويرى أهمية إعادة تشكيل العلاقة مع النص الديني، حتى يتحول من نص مغلق إلى نص مفتوح عبر إعادة قراءته وتأويله، بما يغني العقل ويستجيب للتطورات العصرية، ويؤكد تغير الأحكام الشرعية عبر الزمان والمكان ووفقاً للتطورات التاريخية والبشرية، منتقداً التيارات السلفية التي تتمسك بظاهر النص الديني وترفض إعمال العقل، وموضحاً أن من العوامل التي تدعو إلى إعمال العقل هو المسكوت عنه في الشريعة الإسلامية.
العقل والنقل
يقتبس حبش مقولة ابن رشد الشهيرة "والوحي نور.. والعقل نور.. والنور لا يُطفئ النور"؛ موضحاً أنه لا تعارض بين الوحي وبين العقل باعتبارهما نوراً، والنور لا يطفئ النور بل يزيده نوراً، وهو الأمر الذي يؤكد تكامل الوحي والعقل أو "العقل والنقل" وعدم تعارضهما، فيستهدف الإشارة إلى هدفه في إحياء التيار العقلاني في الإسلام، لبناء نمط عقلاني استدلالي يتبع العقل ويحترم النص المقدس، ويستجيب لحاجات الحياة وتطوراتها والمتغيرات المستمرة.
ويؤكد الكاتب أهمية تصحيح العلاقة مع النص الديني، بهدف تجاوز إشكالية الغلو في اتباعه، ولرفض ما وصفه بـ"عبادة النص"، حتى يتحول النص الديني من "نص معبود" إلى "نص مشهود"، يستضيء بالعقل ولا يتسامى عليه، ويغني العقل ويثريه، فيعود النص الديني من نص مغلق إلى نص مفتوح يحتمل القراءات المتعددة، وقادراً على الاستجابة لمتطلبات العصر واحتياجات الحياة وتطوراتها.
يرى حبش أن القرآن نص مقدس محكوم بالزمان والمكان، ومقيد بأسباب النزول وظروف التنزيل، وله مقاصد عليا هي المقاصد العليا للإنسانية، وهي قيم مغروسة في الإنسان وتتناسب مع الفطرة الآدمية، ويمكن الوصول إلى الفضائل عبر القرآن الكريم بشكل علمي، لا سيما وأن القرآن ومقاصده لا يتناقضان مع القيم العليا.
ويحدد الكاتب عشر قيم يرى أن القرآن جعلها هدفاً لأي نشاط يمارسه المجتمع أو الفرد المسلم، وتمثل غايات الدين وأهدافه النبيلة وقيمه الأولى، وتتمثل في: العدل والشورى والسلم والمساواة والتكافل والطهارة والعفاف والحرية والنظام وحقوق الإنسان، وهي قيم محل احترام وتبجيل في جميع الديانات. ويرى أن في تحقيق هذه المبادئ القرآنية العشرة، التي تنطلق من الفطرة الإنسانية التي وضعها الله في جميع البشر دون استثناء، تحقيقاً لحقيقة الإسلام وجوهره القرآني الذي يتفق وباقي الأديان والحركات الإصلاحية، وما دعا إليه المصلحون عبر التاريخ.
ويذهب إلى أن تحقيق القيم القرآنية العشر، بشكل كامل، يحل جميع ما يواجهه المجتمع من إشكاليات، ويقترب به إلى المثالية والخير، ويتسبب في "حياة روحية ومادية سعيدة للفرد المسلم، الذي هو لبنة المجتمع، بل ويتجاوز المجتمع والفرد إلى العالم جميعه"، حسب قوله.
المقاصد الكبرى
يذهب حبش إلى أن العقل يمثل أحد أبرز مصادر التشريع، وهو ما ذهب إليه المعتزلة في التراث، ويرى أن ما ابتكره الفقهاء التقليديون من مصادر تشريعية هي "تجليات للعقل المنظم ودلالة عليه، كالاستحسان عند الحنفية، والاستصلاح عند المالكية، والاستصحاب عند الشافعية، والعرف عند الحنابلة"، وهي قوانين فقهية صدرت عن العقل الاستنباطي، وهي مصادر عقلية رفضها التيار السلفي، ما يمثل تراجعاً إلى ما أقره الخوارج من رفعهم شعار "إن الحكم إلا لله"، رافضين بذلك إعمال العقل والاجتهاد والمصادر الشرعية الأخرى.
ويشير الكاتب إلى أن القرآن وفقاً لـ"مقاصده الكبرى"، فإنه صالح لكل مكان وزمان لأنه محكوم بمصالح البشر، ويجب فهمه وتأويله بما يحقق هذه المصالح. أما في ما يخص ظاهر النص، فهو مرتبط بأسباب النزول والتنزيل والظروف الاجتماعية والتاريخية وقت نزول النص القرآني، فلا بد من اعتبار روح النص القرآني والعمل به، وهو ما التزمه تيار العقل والاجتهاد في الإسلام بداية من عهد الخلفاء الراشدين، وهو ما عبر عنه الإمام مالك صراحة حينما قال "النص صحيح وليس عليه العمل" ليترك العمل بظاهر النص.
ويوضح حبش أن روحاً علمية ميزت مذاهب فقهية إسلامية، وربطت هذه الروح بين الأحكام الفقهية وبين حاجات المجتمع، ووضعت في اعتبارها استمرار التطوير والتغير التاريخي والمجتمعي، وركزت على مراعاة مصالح الناس. وطورت هذه الروح عديداً من القواعد العقلية، التي استخدمت في صرف النص الديني عن ظاهره، أو فرض التخصيص أو التقييد على بعض هذه النصوص التي توحي بالعمومية والإطلاق، أو صرف هذه النصوص من الحقيقة إلى المجاز لإيجاد أحكام جديدة "تلائم مصالح العباد"، وهي روح علمية فقهية وقواعد عقلية تواجَه باستنكار ورفض من التيارات السلفية، رغم ما حققته من تطوير للشريعة وفق تطور التاريخ وتغير المجتمعات.
تغير الشريعة
يؤكد حبش أن أحكام الشريعة الإسلامية تتغير وفق الزمان والمكان والظروف والتطورات، ويستشهد بذلك بضرب أمثلة لأحكام شرعية تغيرت في زمن النبي، مثل تغير القِبلة إلى الكعبة أول الإسلام، ثم توجه النبي إلى بيت المقدس تمييزاً للإسلام من الوثنية، ثم تحولت القِبلة إلى الكعبة، وتحريم زيارة القبور ثم إتاحتها، وتغيُّر عدة المرأة على زوجها المتوفَّى من عام إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، وغيرها من الأحكام الشرعية التي تغيرت وتبدلت؛ وهو أمر استمر في عهد الخلفاء الراشدين، وهو ما جرى بعد ذلك بسبب تتابع التطورات التاريخية في العصور الإسلامية المتتالية حتى العصر الحالي، ما يؤكد مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على التجدد ومواكبة التطور وتلبية احتياجات الناس وتحقيق المصلحة العامة.
ويذهب الكاتب إلى أن أسباب تغير الأحكام الشرعية هو استخدام منهج "تقديم العقل على النقل"، وهو منهج جرى اتباعه خلال التاريخ الإسلامي، بينما اعترض عليه الفقهاء ورجال الدين في العصر الحالي، ويستشهد أيضاً بعديد من المواقف التاريخية والفقهية التي تؤكد تفضيل العقل مع احترام النقل، مثل ما ذهب إليه الإمام مالك من أن "النص صحيح وليس عليه العمل"، ما يؤكد احترام النص وقدسيته، مع "إعطاء الحرية للعقل في التدبر واستخراج الحكم الشرعي المناسب للزمان والمكان والتطورات التاريخية والاجتماعية"، حسب قوله.
وختاماً، وكما يرى حبش، فإن المسكوت عنه في الشريعة الإسلامية أمور كثيرة تزيد مع الأيام؛ فهو يرى أن الهدف من المسكوت عنه في الشريعة، إعمال العقل في ما يستجد من الدين لاستخراج ما يصلح للناس من أحكام، وهو الأمر الذي عبّر عنه عدد من الفقهاء حينما قالوا بأن "النصوص متناهية والحوادث غير متناهية"، الأمر الذي فتح المجال أمام الإنسان ليختار ما يناسبه دون أن يخالف ذلك الشريعة.
ويوضح حبش أن الإسلام "كائن حي يتفاعل ويتكامل ويتطور"، والإسلام الذي تأسس بالنبوة والوحي استفاد واغتنى تاريخياً من جهود علماء وتيارات تنويرية وإصلاحية ومدارس فقهية، وكمال الدين قبل وفاة الرسول هو "اكتمال استعداد الأمة للإبداع والاجتهاد والتطوير والتحديث".