نقد الفكر الديني:

إعادة النظر في منعطفات التاريخ

مركز حوار الثقافات

10-12-2024

"يجب إعادة النظر في بعض المنعطفات التاريخية التي مر بها التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم، التي أثَّرت في الجنس البشري قاطبة".

هكذا يدعونا الكاتب والمفكر السوري الدكتور خالص جلبي، في كتابه "في نقد الفكر الديني.. النقد التاريخي"، الصادرة طبعته الأولى عام 2014، عن دار المركز الثقافي العربي بالرباط. 

التحول الحضاري

يقول جلبي إن الخلق لا يتم من لا شيء، ولا يخلق الخلق نفسه، ولا يأتي الخلق من مصدر غير موجود، متسائلاً: "كيف يوجد أو كيف ينبثق ولا وجود قبله؟!".

ويوضح جلبي أن العلَّامة ابن خلدون، عالم الاجتماع العربي الأشهر، قد انتبه إلى فكرة القانون الاجتماعي الذي ينظم حركة نهوض الدول وانبثاقها، ثم تطورها وقوتها، ثم شيخوختها، لتكمل دورة الحياة والموت، ووصل في اكتشافه إلى أن عمر الدولة في المتوسط هو 120 سنة، وإذا بقيت دولة تحكم بعد هذا العمر فليس لأنها خرقت القانون، بل لعدم وجود الطالب.

ويحاول الكاتب، عبر مؤلَّفه، الإمساك بالخيوط التاريخية، خصوصاً منعطف منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، الموافق منتصف القرن السابع الهجري؛ إذ يشكل هذا التاريخ انعطافاً نوعياً، ليس في تاريخ الغربيين فحسب، بل في تاريخ الجنس البشري ككل، حسب قوله؛ إذ خسر العالم الإسلامي قيادة الجنس البشري، مع بدايات تحول حضاري خطير، من خلال أمرين، هما: تراكم المعرفة وتكدّس الثروة.. في هذا المنعطف، حسب جلبي، بدأ تيَّاران في التشكُّل: الأول، باتجاه القوة والتقدم؛ والثاني، باتجاه الانحطاط والتراجع.

ويشرح المفكر كيف قامت الكنيسة الغربية بأول محاولة توفيقية في القرن الثالث عشر الميلادي، من خلال الجهود الفكرية التي قام بها توماس الأكويني، في محاولة منه لبناء العقيدة مع العقل، واعتبر فكره درع الكنيسة الحصين ضد فكر ابن رشد؛ ثم أنشأت الكنيسة المراكز العلمية لمقاومة الغزو الفكري الإسلامي بسلاحه نفسه، ونشطت حركة الترجمة؛ إذ تُرجم معظم الفكر الإسلامي، في ذات الوقت الذي تُحرق فيه آلاف المجلدات على يد الزحف المغولي القادم إلى الشرق، وتحولت هذه المراكز العلمية في ما بعد إلى جامعات تكرّس الفكر العلمي وتودّع الكنيسة الوداع الأخير، وتضع الختم النهائي على علاقة العلم بالإيمان.

الاجتياح المغولي

يقول خالص جلبي إنه في عام 1198م، مات ابن رشد بعد أن طرده الغوغاء من مسجد قرطبة، ونفاه الملك الموحّدي وهو في سن السبعين، وبعد عشرين عاماً هُزمت الدولة الموحدية في الأندلس في معركة العقاب في أفظع عقاب، وبعدها تهاوت الحواضر الأندلسية كورق الخريف، بالنسيا 1236م، قرطبة 1238م، وأخيراً إشبيلية 1248م.. ومع أفول عصر الموحّدين دخل العالَم الإسلامي ليل التاريخ وأنتج إنسان ما بعد الحضارة، كما في نفايات الطاقة بعد استهلاكها.

يشرح لنا المؤلف أننا في هذه اللحظة لا نواجه النظام السياسي فحسب، بل إن التغير يصيب الإنسان ذاته، الذي فقد همّته فأعجزه فقدها عن التمثُّل والإبداع، وأن الكسوف الاجتماعي يتمُّ عندما تكفُّ إرادة الفرد عن التشكُّل فيبهت كل شعاع وتنضب الطاقات.

ثم يقول جلبي إن العالم الإسلامي قد سقط وتضرَّج بدمه في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، فلا أوضح فيه من استحضار الذاكرة الجماعية المروعة عن سقوط بغداد، كعبة العلوم، عام 1258م، الذي تلا سقوط إشبيلية عام 1248م بعد عقد من الزمن لا يزيد، وبذا سقط جناحا العالم الإسلامي، الغربي تحت الاندفاع الإسباني في حروب الاسترداد، والشرقي تحت الزحف المغولي المرعب.

ويتساءل جلبي: كيف تسقط الحضارات؟ كيف تنهار الدول؟ هل توجد أصلاً سُنَّة اجتماعية تسير بموجبها حركة التاريخ؟

ويجيب: إن علَّة انهيار الحضارات تبدأ بالانتحار الداخلي حين تتحوّل الأقلية المبدعة إلى أقلية مسيطرة تسوق الناس بالسَّوط؛ فالتاريخ ينقل لنا قصصاً، سواء من مستوى القيادة، أو مستوى الأمّة، حول اتصالات مريبة من الخليفة العباسي الناصر لدين الله إلى جنكيزخان يدعوه لغزو الدولة الخوارزمية، لتخليصه من منافسه، جلال الدين، الذي كان يخشى من زحفه باتجاه بغداد، فجاءه طوفان المغول ليعدم ولده المستعصم وأحفاده.

ويوضح المؤلف أن الانغماس في الملذات، والهزال الفكري وخور العزيمة، والعجز العسكري والانقسام الديني، والفساد السياسي والفوضى، هي العوامل التي اجتمعت لتحطيم كل شيء في الخلافة العباسية قبل الغزو الخارجي.

معركة أنقرة 

يقول جلبي إنه في الوقت الذي كان فيه السلطان العثماني، بايزيد خان الأول، يتأهب لغزو أوروبا بجيش قوامه نصف مليون جندي، مع فجر القرن الخامس عشر الميلادي، تحركت عاصفة عسكرية أشد هَولاً يقودها عسكري تَتَريٌّ مرعب، "تيمورلنك"، ليحطم الطموحات العثمانية بالسيطرة على أوروبا، في معركة أنقرة عام 1402م، التي قررت مصير أوروبا، لتوقف المدَّ الإسلامي وتنقذ جنين الحضارة الغربية الذي كان قد تشكَّل آنذاك.

ويستخلص المؤلف أن الحوادث التاريخية "لا يمكن أن تُفهم مُعلَّقة في الهواء"؛ إذ توجد عَلاقة جدلية بين الأحداث، والجدلية هي قانون إلهي في هذا الوجود؛ وهكذا، فكل حدث هو في علاقة جدلية مع ما قبله ومع ما بعده، سبباً لما سيأتي ونتيجة لما قبله.

أحداث التاريخ

يُروى عن الخليفة هارون الرشيد أنَّ غمامة مرت فوق رأسه فخاطبها قائلاً: "اذهبي حيث شئت، فخَراجُك سوف يأتيني".. ويتساءل جلبي: "مَن الذي سيدفع الخَراج؟".

ويوضح جلبي أننا عندما نكون في صف مَن يأخذ الخَراج لا يخطر في بالنا عذابات الأقوام وذُلّهم كي يدفعوا المال للإمبراطور؛ وبالمقابل، فإن طرق إنفاق المال تحتاج إلى المراجعة، بالإضافة إلى الاضطهاد العقلي للعلماء الذين يُحملون أذلاء إلى السجن. 

ومن قوانين التاريخ، حسب جلبي، أن كل فكر فُرض بالإكراه كان مصيره الفَناء، كما اختفى فكر المعتزلة واندثر تراثُهم؛ فالاستبداد الديني قاد إلى الاستبداد السياسي الذي قضى بدوره على جهاز المناعة في جسم الأمَّة الإسلامية، فانسحبت من التاريخ وانقلبت محاور الأرض وحُوصر العربُ في زنزانة البحر المتوسط، وظهرت حضارة الغرب التي امتلكت الديمقراطية ومؤسسات البحث العلمي، ومصارف المال والقوة العسكرية.

ويشرح أن هناك قانوناً متتابعاً للقوى العظمى حينما تغترُّ بالقوة قبل السقوط بغير استعداد مسبق، فعندما تفقد آلية النقد الذاتي التاريخي تتوقف آلية التصحيح والنمو، وهي قدرة أخلاقية، وليست تكنولوجية أو عسكرية، ومن يعتمد على القوة يأتي مَن هو أشدُّ بأساً فيحتل مكانه.

ويضيف أن قانون الأنبياء والرسل يسلك طريقاً مختلفاً بتحرير الإنسان، ليس بالقتل بل بالحياة؛ لذا اعتبر القرآن الشهادة نوعاً من الحياة يموت فيها الإنسان من أجل أفكاره، التي تنبت من الأرض مثل النباتات.

القانون والقرآن

ويضيف خالص جلبي أن فكرة القانون بقدر ما هي واضحة في النص القرآني، بقدر ما هي غائبة في وعي المسلمين التاريخي، وبقدر ما يؤكد القرآن أنه لن يجري المعجزات، فإن المسلمين قد وقعوا في فخ السحري والمُعجِز، وبقدر ما وجَّه القرآن النظر إلى فهم الواقع المعقَّد والكون المُعجز ضمن مفهوم الآيات، بقدر ما سيطرت الأسطورة على خيال المسلمين، وانفصل العالم الإسلامي عن الواقع وافترسته الخُرافة، وفقد الروح العلمية وعشقَ الحقيقة واكتشاف الكون ورؤية آيات الله التي لا نهاية لها.

وختاماً، يستخلص المفكر أطروحته موضحاً أن الحضارة الغربية اليوم "عجزت عن صنع كلمة سواء"، وما دام كان العقل مغيباً، وإرادة العالم مصادرة بيد ديناصورات القوة، فإن العالم سيعيش حالة الغابة، وسوف يدفع الثمن في صورة حروب عالمية ودينية وعرقية، حتى يستفيق وعينا على إمكانية تحليل تاريخنا لمعرفة ما حدث، ووضع تاريخنا تحت عين النقد.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة