يُعد كتاب "نحن والتراث.. قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي"، الذي صدر لأول مرة عام 1980 عن المركز الثقافي العربي، بالدار البيضاء في المغرب، عملاً محورياً في الدراسات الفكرية العربية والإسلامية الحديثة، وهو محاولة جريئة وممنهَجة لفهم التراث الفلسفي الإسلامي من زاوية نقدية تاريخية وفلسفية تخدم حاضرنا الفكري. والكتاب، هو أحد أبرز مؤلفات المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، وركيزة أساسية في مشروعه النقدي الشامل الذي كرّس حياته لإنجازه حول العقل العربي وبنيته.
ولا نُغالي إذا قلنا إن هذا الكتاب يمثل منطلقاً تأسيسياً لخطاب فلسفي عربي معاصر، يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الذات العربية وتراثها الفلسفي الإسلامي، لا من موقع التمجيد والتقديس، ولا من موقع الإقصاء والقطيعة، وإنما من موقع النقد والتحليل التاريخي والعقلي.
الحداثة والتراث
يضع الجابري التراث الفلسفي الإسلامي في قلب إشكالية الحداثة العربية: كيف يمكن للأمة أن تستأنف نهضتها دون أن تقع في فخاخ النقل الحرفي أو التقديس الأعمى؟ كيف يمكن تحويل التراث من مجرد مخزون نصي إلى "رصيد معرفي" فعّال يُسهم في بناء الحاضر؟
ينتقد الجابري بقوة القراءات التي تعاملت مع التراث إما بوصفه نصاً مقدساً لا يجوز مسّه، أو باعتباره عبئاً ينبغي التخلص منه كلية. كلا الموقفين، في نظره، عقيم: فالأول، يرسّخ الجمود ويمنع التجديد؛ والثاني، يقطع الأمة عن جذورها ويجعلها تابعة للآخر. والطريق الصحيح، كما يراه الجابري، هو "القراءة النقدية التاريخية" التي تميز بين ما يمكن استثماره وما يجب تجاوزه.
يؤكد الجابري أن "التراث ليس كتلة صماء، بل هو نسيج متنوع من الاتجاهات والتيارات، أنتجته ظروف سياسية واجتماعية وثقافية محددة". وبالتالي، لا بد من إخضاعه للدرس النقدي الذي يكشف آلياته الداخلية، ويحدد القابل منه للاستثمار في بناء عقل عربي حديث. ومن هنا جاءت منهجيته التي تجمع بين عناصر ثلاثة: التحليل البنيوي، الذي يدرس النصوص الفلسفية ضمن بنيتها الداخلية؛ والمقاربة التاريخية، التي تضع النص في سياقه الاجتماعي والسياسي.. ثم النقد الإبستمولوجي، الذي يفحص أنماط التفكير وأدوات المعرفة التي اعتمدها الفلاسفة.
وهنا، يطرح الجابري مفهوم "القطيعة الإبستمولوجية"؛ أي الانتقال من عقلية بيانية أو برهانية قديمة، إلى عقلية جديدة تستوعب منجزات العلم والفلسفة الحديثة. هذه القطيعة لا تعني الإنكار، بل إعادة البناء على أسس نقدية، مثلما فعلت النهضة الأوروبية عندما أعادت قراءة تراثها الوسيط.
العقلانية الميتافيزيقية
يحتل ابن سينا مكانة مركزية في قراءة الجابري، بوصفه أحد أعمدة الفلسفة الإسلامية الكبار، وصاحب مشروع فلسفي متكامل جمع بين المنطق والميتافيزيقا والطب والسياسة. يرى الجابري أن ابن سينا قدّم صورةً متماسكة للعقلانية الفلسفية، حيث ربط بين العقل النظري الباحث عن الحقيقة الكلية، والعقل العملي الساعي إلى تهذيب النفس وتنظيم المجتمع.
غير أن الجابري لا يكتفي بالاحتفاء بإنجازات ابن سينا؛ ولكن يطرح تساؤلات نقدية حول جدوى هذه العقلانية في عصرنا. فهو يعتبر أن مشروع ابن سينا ظل أسير نسق ميتافيزيقي مغلق، يصعب أن يُسهم مباشرة في معالجة قضايا الدولة الحديثة، أو مفاهيم الديمقراطية والحرية. ومع ذلك، يرى أن نصوص ابن سينا ما تزال تمثل مدرسة فكرية يمكن من خلالها استلهام قيمة "العقلانية النسقية" التي تعطي للفكر العربي قوة منهجية وصلابة معرفية، شرط إعادة تأويلها في ضوء إشكاليات معاصرة.
الحكمة والشريعة
أما ابن رشد، فقد خصه الجابري بمكانة استثنائية؛ إذ اعتبره الفيلسوف الذي جسّد أرقى أشكال الدفاع عن العقل والعلم في الحضارة الإسلامية. يشيد الجابري بقدرة ابن رشد على التمييز بين مستويات المعرفة: الفلسفة التي تبحث في العلل الأولى، العلم الذي يدرس الظواهر الطبيعية، والشريعة التي تهتم بالجانب العملي والتشريعي.
هذا التمييز الرشدي، في نظر الجابري، يشكل نواةً لمفهوم فصل السلطات في ميدان الفكر، ويعطي للعقل الفلسفي استقلاله النسبي. ومن هنا، يستدعيه الجابري ليؤسس لمشروع عقلاني عربي معاصر، يقوم على تحرير الفكر من سلطة التأويلات النصية المغلقة. ومع ذلك، يلاحظ الجابري أن ابن رشد لم يتمكن تاريخياً من إحداث أثر واسع في محيطه الإسلامي؛ إذ ظل معزولاً، بينما لقي فكره حفاوة أكبر في أوروبا اللاتينية. وهذا يعيدنا إلى الإشكالية المركزية للجابري: العلاقة المأزومة بين الفكر الفلسفي والواقع الاجتماعي السياسي، في الحضارة العربية الإسلامية.
الحرية والعقل
ثم يأتي ابن باجة، الذي ينظر إليه الجابري باعتباره صوت الفيلسوف الفرد، الذي عاش تجربة اغتراب داخل مجتمعه، فكان مشغولاً بمصير "الإنسان الفاضل"، في مجتمع غير فاضل. يقدم ابن باجة في "تدبير المتوحد" نموذجاً للبحث عن الحقيقة في إطار تجربة شخصية عقلية وروحية، بعيداً عن الجماعة.
يقرأ الجابري هذا التوجه كإشارة إلى محدودية إمكانات الفلسفة في سياق اجتماعي وسياسي مغلق، حيث يجد الفيلسوف نفسه مضطراً للانكفاء على ذاته. لكنه، في الوقت نفسه، يرى في تجربة ابن باجة بعداً إنسانياً عميقاً، يذكّر بأن الفلسفة ليست فقط نسقاً نظرياً، وإنما هي أيضاً معاناة فردية وتجربة وجودية. هذه القراءة تجعل من ابن باجة شاهداً على أن الفكر الفلسفي في تراثنا لم يكن دائماً أداة لخدمة السلطة أو الميتافيزيقا، بل كان أحياناً صيحة فردية تبحث عن الحرية والعقل.
العمران البشري
وأخيراً، يولي الجابري ابن خلدون بعناية خاصة؛ حيث اعتبره مؤسس علم الاجتماع قبل أوانه. وهو يرى فيه عقلية تحليلية فذّة استطاعت أن تفكك قوانين العمران البشري، وأن تفسر نشوء الدول وسقوطها، وأن تربط الظواهر الثقافية والاقتصادية بالظروف التاريخية.
في "المقدمة"، يجد الجابري نموذجاً للعقلانية النقدية التي تبحث في أسباب الظواهر، لا في تبريراتها الميتافيزيقية. وهو يستحضر ابن خلدون ليؤكد أن في تراثنا إمكانات لتشييد علوم اجتماعية عربية أصيلة، قادرة على فهم الواقع الراهن بعيداً عن النقل الأعمى للنماذج الغربية. ومع ذلك، يشير إلى أن تطوير مشروع خلدوني معاصر يحتاج إلى تجديد مناهج البحث، واعتماد أدوات كمية ونوعية تتماشى مع تعقيد المجتمعات الحديثة.
الفكر العربي
في هذا الإطار، يُعتبر "نحن والتراث" من الكتب المؤسسة لتيار واسع في الفكر العربي المعاصر، هو تيار "نقد العقل العربي"؛ فقد فتح الباب أمام إعادة تقييم التراث بمنهجية فلسفية حديثة، ووجّه النقاش الفكري إلى ضرورة بناء مشروع حضاري عربي يستند إلى عقلانية نقدية.
كما أن الكتاب أعاد الاعتبار لفلاسفة مثل ابن رشد وابن خلدون، ليس كتاريخ مضى، بل كأدوات معرفية يمكن أن تساهم في صياغة خطاب عربي معاصر حول الديمقراطية، والعقلانية، والنهضة. ولعل هذا ما جعل أعمال الجابري تلقى اهتماماً واسعاً، سواء بالقبول أو بالجدل والنقد، داخل العالم العربي وخارجه.
ومن هنا، فإن "نحن والتراث" ليس مجرد دراسة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل هو بمثابة "بيان فلسفي" يرسم ملامح علاقة جديدة مع التراث. قراءة الجابري لابن سينا تكشف عن عقلانية نسقية تحتاج إلى تحديث، وقراءته لابن رشد تبرز قيمة الدفاع عن العقل، وتناوله لابن باجة يذكّر ببُعد التجربة الفردية، أما تحليله لابن خلدون فيؤسس لإمكانية بناء علوم اجتماعية عربية.
وختاماً، يقدم "نحن والتراث.. قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي"، مزيجاً من التقدير والتحفظ: تقدير لما أبدعه فلاسفة العرب والمسلمين، وتحفظ نقدي على الطرق التي جرى بها توظيف هذا التراث أو تهميشه عبر التاريخ. وتبقى الرسالة المركزية التي يوجهها الجابري هي أن "التراث لا ينبغي أن يكون عبئاً ولا صنماً، بل مورداً نقدياً يساعد على بناء عقل عربي حديث، قادر على مواجهة تحديات الحاضر".
إن التراث فلسفياً غني وقابل للاستثمار، لكن لا بد من إعادة قراءته بآليات نقدية وتاريخية، وتحويله إلى موارد معرفية لخدمة بناء الذات السياسية والثقافية العربية المعاصرة. لذلك، فإن الكتاب لا يكتفي بالتحليل التاريخي، ولكن ينخرط في مشروع أكبر هو إعادة تأسيس علاقة الأمة بذاكرتها الفكرية من أجل صناعة المستقبل.