نجيب الحصادي:

منهجية التفكير المنطقي والعقلانية النقدية

مركز حوار الثقافات

02-11-2025

إيجاد أساس صلب للعقلانية العربية، وممارسة النقد العقلي لمواجهة الريبة في قدسية العلم، والقضاء على الدوغمائية الاجتماعية، أهداف لمشروع المفكر الليبي نجيب الحصادي (1952م)، الذي يتعمق في أزمات الفكر العربي، والأسباب التي تؤدي إلى الأغلاط المنطقية واختلال منظومة القيم.

الحصادي، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ويسكونسن - ماديسون بالولايات المتحدة عن أطروحته "العقلانية العلمية: نقد تصور توماس كون للعقلانية العلمية"، وشغل منصب أستاذ الفلسفة ورئيس قسم الفلسفة بجامعة بني غازي، ورئيس قسم الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، وضع مشروعه الفكري في عديد من مؤلفاته، منها: "أوهام الخلط"، و"أسس المنطق الرمزي المعاصر"، و"الريبة في قدسية العلم"، و"آفاق المحتمل"، و"نهج المنهج"، و"تقريظ العلم"، و"جدلية الأنا – الآخر"، و"حساسات التفكير الناقد"، و"أرسان الروح"، و"دراسات في الوعي الأخلاقي والعلمي"، و"قضايا فلسفية"، و"ليس بالعقل وحده"، و"معيار المعيار"، و"حساسات التفكير الناقد"، وغيرها؛ إضافة إلى ترجمته عديداً من الأعمال الفلسفية.

 رفض المسلمات

يمارس الحصادي منهجية تتميز بـ"رفض المسلمات" الفكرية، ويدعو إلى التساؤل ويشجع على التفكير النقدي الذي يراه أهم أدوات فهم العالم؛ وهي المنهجية التي تعتمد على العقلانية النقدية والتفكير المنطقي. وهو يشدد على أهمية تطوير مناهج التفكير النقدي، ويهتم بشكل خاص بفلسفة العلم وتطوراته، ويسعى إلى تحديث الفكر العربي عبر تعزيز العقلانية والنقد العلمي، ويهتم بقضايا الهوية والعدالة والمصالحة الوطنية، ويدعو إلى بناء مجتمع مؤسس على الحوار والتفاهم، لا سيما أنه يرى أن الفكر أداة للتحرر والتقدم ولا يجب أن يكون وسيلة للجمود والتقليد. لذلك، يشدد على أهمية العقلانية والنقد العلمي في مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية، ويرفض الأيديولوجيات المغلقة والانغلاق الفكري، ويشدد على أهمية وضرورة الانفتاح على الأفكار المختلفة والتفاعل معها.

ويبحث في جدلية "الأنا والآخر"، فالأنا يمثل الحضارة العربية الإسلامية القائمة على الوجدان والعاطفة؛ و"الآخر" يتمثل في الغرب والحضارة الأوروبية القائمة على العلم والتقنية. ويرى أن العلاقة بينهما مبنية على الصراع والتفاعل، ويدعو إلى إصلاح "الأنا" -الحضارة الإسلامية- عبر أدوات "الآخر" -الحضارة الغربية- إضافة إلى الإصلاح الداخلي للأنا وتطويرها.

ومن ثَم، يسعى الحصادي إلى البحث عن أساس صلب لـ"العقلانية" حتى يتجنب الانزلاق إلى النسبية، سواء كانت علمية أو اجتماعية، ويمارس النقد لهدف رئيس هو إعادة تأسيس "العقلانية العلمية"، كما ينتقد الدوغمائية الاجتماعية والسياسية، بهدف إعادة تأسيس "العقلانية الاجتماعية". فالتفكير النقدي، بشكل عام، هو ركيزة أساسية بالنسبة إليه، ويعرفه بأنه "فن التفكير في التفكير"، ويرى أنه محاولة واعية من الفرد لمراقبة الطريقة التي يفكر بها، بهدف الكشف عن الأغلاط المنطقية، أكثر من كونها مهارة ذهنية. وينبه إلى أن الأغلاط المنطقية إذا لم يُنتبه إليها، يكون لها تأثير كبير ومدمّر في المواقف والأحكام والاتجاهات الفكرية.

يقول الحصادي إن الوظيفة الجوهرية للتفكير النقدي تتمثل في القدرة على التمييز بين "الاستدلالات الصحيحة والاستدلالات الخاطئة"؛ ويضرب أمثلة من الحياة اليومية على الاستدلالات؛ فالطبيب لا يرى المرض ولكن يستدل عليه من الأعراض، والقاضي لا يرى المتهم يرتكب الجريمة، لكنه يستدل على إدانته أو براءته من القرائن والشهود والأدلة.

 التفكير النقدي

ينادي الحصادي بمفهوم الفردانية، ويرى أنه مفهوم ضروري لتقدم الفرد؛ ورغم إيمانه بالفردانية، فإنه يؤكد أهمية التوازن بين حقوق الفرد وبين واجباته تجاه المجتمع. وهو يرى أن التفكير النقدي يجب أن يتجاوز المهارة الفردية، ليصبح مشروعاً اجتماعياً شاملاً؛ لذا، يشدد على أهمية النقد في تفكيك مسلمات تراثية قديمة، ما زالت المجتمعات العربية متشبثة بها، فالمجتمعات العربية والثقافة العربية تمتلكان "تاريخاً بالتشبث"، ما يجعل المجتمع في "أمسّ الحاجة إلى التفكير الناقد للخروج من العقلية القطعية". فالأزمة في الفكر العربي تتجاوز كونها أزمة فكرية محضة، إلى أن تصبح أزمة "قيمية" ناجمة عن غياب الوعي النقدي، لأن غياب التفكير النقدي يؤدي إلى اختلالات في المنظومة القيمية، سواء كانت قيماً أخلاقية أو جمالية أو قيمة الحقيقة نفسها.

ويربط بين الفكر والقيم، فالجمود العقلي و"الدوغما القاطعة التي لا تقبل الإصلاح والتعديل حنطت التفكير، ومنعت التفاعل الخلاق مع الواقع"؛ لذلك يسعى إلى إعادة "ترتيب المفاهيم" لإيجاد أدوات للفهم والتمييز بين الحقيقة والتزييف. فغياب التفكير النقدي يؤدي إلى الأغلاط المنطقية، التي تؤدي إلى تراجع القيم وتزايد الأيديولوجيات والتوجهات المتزمتة، ويشدد على أن الحل يكمُن في إعادة إحياء الفلسفة وتدريس "فن التفكير في التفكير" لتكوين مواطن يمتلك "حساسات" يُميز بواسطتها الصحيح من الخاطئ. فالعقلانية تتجاوز كونها طريقة تفكير إلى أن تكون أساساً أخلاقياً وقيمياً لمجتمع سليم قادر على التقدم والمصالحة.  

 المنظومة القيمية

يرى الحصادي أن الخطاب العام في العالم العربي يسيطر عليه توجهات متزمتة، وعقلية قطعية تفتقر إلى "الروح الارتيابية" التي تميز الخطاب الفلسفي الحقيقي؛ ويوضح وجود "خلل بنيوي" في المنظومة القيمية السائدة في العالم العربي. لذلك يدعو إلى مساءلة المنظومة القيمية عبر أدوات "الشك والريبة"، وإخضاعها "لمحاكمة عقلية" حتى تكون جديرة بالاحترام وليست مجرد مسلمات، ويسعى إلى تجنب الخلط بين الساحات المعرفية المختلفة، لما لذلك من آثار سلبية على المجتمع.

كما ينادي بأهمية أن تتفاعل الفلسفة مع المجتمعات والواقع المعيش؛ فينظر إلى الهوية على أنها وعي يتشكل ويُصنع ويتغير بمرور الزمن –ويفرض أحياناً- ويتجاوز بذلك المفهوم التقليدي للهوية الثابتة والمطلقة. كما يُفرق بين "الهوية الوطنية" و"الشخصية الوطنية" التي تحددها "المنظومة القيمية" للمجتمع، لذلك يُشدد على أهمية إعادة النظر في منظومة القيم التي تحدد الشخصية الوطنية. 

يتعامل الحصادي مع قضية التراث من موقف نقدي يهدف إلى التجديد والإصلاح، فانتقد بشدة ما أطلق عليه "التراث الرديء" و"التقليد"، وطالب بتهشيم التقليد والتراث الرديء، الذي تسبب في "تجميد الفكر العربي"؛ إذ إن "تحطيم التراث الجامد يهدف إلى رفع الفكر إلى مستوى عالٍ عبر مفاهيم جديدة". رغم ذلك، فإنه يعي أهمية التراث كجزء من الهوية؛ ويُقسمه إلى نوعين: الأول، التراث الذي يجب أن يخضع للمساءلة، لأنه سبب إشكاليات كثيرة في الهوية وفي الفكر المُعاصر؛ والآخر، هو التراث الذي يجب أن يُصان ويُدرس، ويظهر جلياً في الفترات التاريخية التي شهدت حرية في التفكير والإبداع العلمي والفلسفي والفكري.

 وختاماً، يرتكز مشروع المفكر الليبي نجيب الحصادي، على مفهوم العقلانية العلمية وتطبيقه على الفكر العربي المعاصر؛ ويدعو إلى التفكير النقدي، لنقد الأيديولوجيات وتأسيس رؤية حداثية متكاملة تعتمد على قيمة العقلانية. كما يرفض التعصب الأعمى والتقليد، ويسعى إلى التمييز بين الحقيقة والتزييف عبر العقل النقدي، مُشدداً على ضرورةِ إعادةِ تأسيسِ "العقلانيةِ العلميةِ" و"العقلانيةِ الاجتماعية"، ويرفض الهوية الثابتة ويتبنى فكرة الهوية المتغيرة، ويدعو إلى تحطيم التراث الجامد بهدف جعل الفكر العربي قادراً على التفاعل الخلاق مع الواقع.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة