نافذة على الإسلام:

إشكاليات صورة الإسلام في الغرب

مركز حوار الثقافات

25-11-2024

لعلنا ننطلق من عنوان الكتاب، الذي يُعدُّ بالفعل عتبة مهمة لقراءة النص؛ إذ إن المؤلف محمد أركون، الباحث والأكاديمي والمفكر الجزائري، يُطلع الرأي العام في الغرب على ما أسماه "الإسلام الحقّ"، وذلك من خلال هذا المؤلَّف المعنْوَن بـ"نافذة على الإسلام"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1997، بعدما شوَّهت الأصولية هذا الدين ووصمته بالتطرف والعنف، وخلقت منه "آلة صراع" بين الحضارات والشعوب؛ فيما جوهر الإسلام، بحسب أركون، يدعو إلى "التعارف" بين الشعوب والتفاعل بينها، بما يخدم مصالح الإنسان في الكون بصرف النظر عن ديانته وعرقه ولونه ولسانه.

المواضيع المطروحة في كتاب أركون كثيرة ومتنوعة؛ منها ما اهتم بالتصوف في الإسلام، ومنها الإجابة عن تساؤل "ما الجماعة المثالية في الإسلام من منطلق القرآن الكريم؟"، كما يثير الكتاب قضية الإسلام والعلمانية من خلال نموذج أتاتورك، الذي تبنَّى ما أسماه "الحياد الراديكالي" تجاه الدين باعتماد القوانين السويسرية.

تواطؤ أيديولوجي 

وينطلق أركون في مطلع كتابه من ملاحظة ما أسماه "التواطؤ الأيديولوجي"، الحاصل بين وسائل الإعلام في البُلدان المسلمة، وأدب الدراسات السياسية الإسلامية الذي يشدد على "الأصولية" والتطرف الإسلامي، والتيار الإسلامي الراديكالي والحركات الإسلامية. 

ويقر الكاتب بوجود "تواطؤ مفضوح بين الجهاز الإعلامي في هذه البلدان، وأصحاب الأدبيات السياسية الإسلامية التي تُسخِّر وسائل الإعلام لخدمة مصالحها الأيديولوجية ونشر أفكارها الرجعية المتطرفة، ما أسهم في انتشار كتب لا تمُت إلى العلْميَّة بِصِلةٍ"، حسب قوله، وبالمقابل توجد ندرة شديدة في الكتب المجدِّدة للفكر الإسلامي.

ويلمح أركون إلى أنه منذ اندلاع "الثورة الإسلامية" في إيران عام 1979، لا يُعرف سوى كتاب واحد خُصِّص لـ"الإسلام الليبرالي"، مقابل رواج كثير من الكتب التي تعالج الحركات الإسلامية وتقدِّم لها "دعاية مجانية وفعالة"، حسب قوله.

الغرب والإسلام 

يُشكك الكاتب في مدى صحة المعرفة المتداولة في الغرب عن الإسلام، وأيضًا في موضوعية هذه المعرفة، مدلِّلًا على ذلك بقوله "إن حركات التحرر في العالم العربي الإسلامي واعتلاء جمال عبد الناصر، ذي التوجُّه القومي، سُدَّة الحكم في مصر، ووصول الخميني إلى رأس السلطة في إيران بعد نجاح الثورة الإيرانية، عوامل ساعدت على ظهور تخيل غربي عن الإسلام يجافي جوهره"؛ إذ أرادت وسائل الإعلام الغربية منذ خمسينيات القرن العشرين تشويه حركات التحرر من الاستعمار الغربي في العالمين العربي والإسلامي، وذلك بتقديم معرفة غير علمية أو موضوعية عن الإسلام والمسلمين قديمًا وحديثًا، "لتحقيق مصالح وإحراز مواقع سياسية واستراتيجية داخل البلدان المسلمة"، حسب قوله. 

ويضيف أركون إلى ذلك عوامل أخرى شوَّهت صورة الإسلام لدى الغرب، وهي الصعوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي رافقت ظهور الدول القومية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين في هذه البلدان بمنطقتنا، التي أسهمت إلى حدٍّ بعيد في صياغة تخيُّل "فاشل" عن الإسلام في الغرب؛ فقد ردَّ العقل الجمعي الغربي هذه الصعوبات إلى الإسلام باعتباره "مكمن الوَهَن والحائل دون التحاق هذه الدول بركْب التقدُّم والرقي الحضاري"، ثم جاءت الحركات الإسلامية لترسِّخ هذه الفكرة عن الإسلام، حسب قوله.

تعريف مسلم 

تشير كلمة "مسلم"، حسب أركون، إلى الموقف الديني المثالي القائم على توحيد اللّه، الذي يرمز إليه إبراهيم النبي، ومن هنا نفهم أنَّ عبارة "مسلم" في توصيف سلوك إبراهيم في القرآن الكريم لم تكن تحيل على الإسلام مثلما حدَّده اللاهوتيون والفقهاء بعد القرآن الكريم وتعاليم محمَّد، ذلك أنَّ إبراهيم كان يكرّس في حياته المشهد الديني المؤسِّس للتوحيد، قبل إنشاء الشعائر والطقوس والتشريعات الراسمة لخصوصيَّة الأديان التوحيديَّة الثلاثة.

ولفت إلى أن الفقهاء "انطلاقًا من تشريعات وشعائر واردة في القرآن، أخذوا ينظمون هذه المظاهر في مجموعة عقائد ولا عقائد، ستصبح الدين الإسلامي"، على حدِّ قوله.

من هنا، يميز أركون بين "إسلام إبراهيم"، الذي تأكد في تجربة محمَّد الدينيَّة، وبين "إسلام الفقهاء اللاهوتيين التاريخي"، الذي "أضاف إلى إسلام إبراهيم المستعاد في تجربة محمد معاني أخرى كالخضوع والاستسلام والرضا بالموجود لم تكن قائمة أصلًا، فشوَّهت هذه التغييرات المعنى الإيجابي لكلمة (إسلام)، وحملت عند الغرب هذه الشحنة الدلالية السلبية التي تنفي دور الإنسان في الكون، ومنزلته الأسمى التي خصَّه بها خالقه، لنحت كيانه وتقرير مصيره بكل حرية على وجه الأرض". 

ومن هنا، أيضًا، يحثُّ أركون على ضرورة إدخال النظرة العلميَّة النقديَّة لكل مجتمع "مسلم"، لكي ينقد ذاته للتحرر من النظرة "المتخيَّلة" عن الإسلام، التي حالت دون قابليته للإبداع والابتكار، حسب قوله.

القرآن المدوَّن

الفكرة المركزية لدى أركون تتمثَّل في أنَّ المقصود بالقرآن هو قراءة مطابقة لخطاب مسموع، لا مقروء، لهذا يؤثر استعمال خطاب قرآني في المرحلة الأولية من تبليغ النبي له، ذلك أنَّ هذا الخطاب الشفهي يبني معانيه المنفتحة، في زمن النبي، من الإشارات والقسمات والحركات التي تصاحب تقبُّل النبي محمَّد للوحي؛ لذلك، فالتنزيل يمكن الحديث عنه باعتباره ظاهرة لسانية ثقافية؛ أي قبل أي محاولة بناء لاهوتي جعلت معانيه ضيقة منغلقة وفق مصلحة الفاعلين الاجتماعيين الذين دوَّنوا القرآن في مصحف أيام عثمان بن عفّان، وسيَّجوا دلالاته وأثبتوا في قراءته ما يعزِّز مواقعهم. إنَّ التنزيل، حسب أركون، هو "كلام اللّه الذي بلَّغه إلى الرسول، ولم يعد في متناول عامة المؤمنين إلا انطلاقًا من المجموعات الرسمية المدوَّنة المغلقة التي كتبت المصحف"، حسب قوله.

ويعتبر أركون أنَّ مقاربة شخص النبي محمَّد، شأنها شأن مقاربة القرآن في الغرب، مقاربة صعبة ومثار جدل؛ لأنها تريد الانقطاع عن كلِّ اعتبارات أسطورية ودينية متخيَّلة أنشأها المسلمون حول شخصية الرسول، فالذي يريده محمَّد - وفق مكاسب العلوم الحديثة، بعد تحمُّله مسؤولية جماعة المؤمنين - التفكير في حماية هذه الجماعة حتى تصل الرسالة إلى القلوب، وخلق الشروط الموضوعية من الناحية الاجتماعية والسياسية لييسِّر انتشار الدين انتشارًا كبيرًا.

المصدر الأول

يقول أركون إن القرآن هو المصدر الأوَّل للدين الإسلامي، وإلى جانبه نجد الأصل الثاني، الماثل في السيرة النبوية التي تشكَّلت من خلال "الحديث" النبوي، فجُمعت الأحاديث في مدوَّنات ثلاث رسمية مغلقة ونهائية: (مدونة السُّنَّة - مدوَّنة الشيعة - مدوَّنة الخوارج "الجامع الصحيح" للربيع بن حبيب)، كما كان الأمر بالنسبة إلى المدونة القرآنيَّة. 

ويضيف أن النقد الموجَّه إلى هذه المدوَّنات الثلاث، التي يدَّعي أتباعها صحَّة السُّنن الموجودة في كلٍّ منها، قاد إلى نشأة علم الشريعة الذي اهتم بالأصول والفروع، أي باعتباره خطابًا من درجة ثالثة، مفصّلًا ومبينًا للنصَّين المؤسِّسين في الإسلام، القرآن والسنة.

فيما السُّنة النبوية عند المسلمين، حسب أركون، لا بدَّ أن تلغي كل أشكال "الطاغوت" التي كانت سائدة عند العرب قبل بعثة النبي محمد، ذلك أن السُّنَّة تحمل للجماعة جميع القضايا الحقيقية، وجميع القيم وقواعد السلوك القويم التي أوحى بها اللّه إلى نبيه وعلَّمه إيَّاها؛ وبالتالي، لا يمكن أن يضاف إليها شيء خارج عنها، كما أنَّ السُّنَّة، وفق القراءة الأنثربولوجية والاجتماعية المعاصرة، ظلَّت محافظة على كثير من العادات والقيم الجاهلية التي سكت عنها علماء الإسلام؛ لأنَّها تتعارض في نظرهم مع "الدين الحقِّ" الذي جاء بأشياء جديدة لم تعرفها العرب في جاهليَّتها.

وختامًا، لم يفتح كتاب أركون نافذة واحدة على الإسلام، بل فتح نوافذ متعددة تتصل بالإسلام وقضاياه ماضيًا وحاضرًا، ومنها النصوص المؤسسة لهذا الدين (القرآن والسُنَّة)، وكيفية تقبُّلها والتعامل معها عند القدامى والمعاصرين، خصوصًا أصحاب الحركات الإسلامية والمستشرقين، فيما حرص أركون في هذا الكتاب على طرح أسئلة كثيرة تتعلق بالإسلام وبحياة المسلم المعاصر متسلّحا بثقافة دينية وتاريخية واسعة، وبمكاسب العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة؛ وقد مكّنه ذلك من الخوض في مسائل تُعتبر أبوابها موصدة من منظور رجال الدين والفقهاء المسلمين. 

بيد أنَّه لم يفصح عن موقفه بوضوح وصراحة يقتضيهما منطق البحث الأكاديمي، عندما تحدَّث عن القرآن؛ إذ كان يصف هذا الكلام المنزَّل بـ"الخطاب" دون أن يطلق عليه عبارة "نص تاريخي"، وهي العبارة المناسبة لما تدور عليه أفكاره حول طبيعة هذا النص المقدَّس في الثقافة الإسلامية، فضلًا عن البُعد الانتقائي الاجتزائي في تعامل أركون مع القرآن في مسألة وضع المرأة في الإسلام؛ فهو لم يذكر إلا الإشارات الدالة على "دونية" المرأة في المنظومة التشريعية، مبرِّرا ذلك بكون الإسلام لا يريد أن يحارب أعرافًا جاهلية راسخة حول منزلة المرأة يرفضها المجتمع القَبَلي السائد آنذاك، متجاهلًا مثلًا الآية التي تُدين "وأْد البنات". 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة