ناصيف نصار:

حداثة مؤسسة على فلسفة عربية معاصرة

مركز حوار الثقافات

13-08-2025

تأسيس فلسفة عربية عقلانية حديثة تسهم في إحداث النهضة العربية، هو أهم معالم المشروع الفكري للمفكر اللبناني ناصيف نصار (1940م)، الحاصل على الدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا، وشغل مناصب أكاديمية في لبنان، وسعى لتحرير العقل العربي من ازدواجية التقليد التراثي والتبعية الغربية، الأمر الذي دفعه إلى الدعوة لإعادة بناء العقل العربي، بما يتيح له الاستقلال والقدرة على النقد والانتقاء وإنتاج المعرفة بأنواعها، مما يساعد في تحقيق نهضة وحداثة عربية خاصة.

نصار، الذي ينتقد الطائفية في المجتمعات العربية بأشكالها ويرفضها، ويرى أنها عائق بنيوي للعقل والهوية والدولة المدنية، كما أنها عائق أمام الأطروحات الفلسفية والمشاريع الحداثية، قدم مشروعه الحضاري ذا الطابع الفلسفي في مؤلفات؛ منها: "طريق الالتزام الفلسفي"، و"الفلسفة في معركة الأيديولوجيا: أطروحات في تحليل الأيديولوجيا وتحرير الفلسفة من هيمنتها"، و"نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي"، و"التفكير والهجرة: من التراث إلى النهضة العربية الثانية". 

فلسفة عقلانية

يهدف نصار إلى تأسيس فلسفة عربية معاصرة، قادرة على التحرر من التبعية الفكرية للحضارة الغربية، والتحرر من "الانغلاق والتقوقع" في الأطر اللاهوتية المغلقة، بما يحقق "الاستقلال المعرفي". ولتحقيق هذه الغاية، يُعيد قراءة الفكر الفلسفي العربي ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي، ويرفض تطبيق الفلسفات والقيم الغربية دون نقد وتعديل، كما يسعى إلى التخلص من "الهيمنة الفقهية التي تضع الفلسفة في قوالب دينية، وتنزع عنها سماتها العقلية والنقدية"، ويرفض القطيعة الكاملة مع التراث والفلسفة العربية، ويشدد على أهمية إعادة قراءتهما قراءة عقلانية ذات طابع نقدي، يمكن من إعادة إنتاج مفاهيم تتناسب مع الواقع المعاصر، ومتطلبات المجتمعات العربية التي اختلفت عما كانت عليه في الأزمان التراثية السابقة.

ويعتبر نصار العقلانية شرطاً رئيساً في تأسيس فلسفة عربية معاصرة، لما للعقلانية من قدرة على التحرر من "التأويلات اللاهوتية التي تدعي امتلاك الحقيقة، بينما هي نتاج بشري"، لذا فالعقل بالنسبة له "حجر الأساس في أي مشروع فلسفي"، ما يجعله يشدد على أهمية ممارسة الفلسفة بوصفها "نشاطاً عقلياً مستقلاً عن الإيمان الديني والمرجعيات المطلقة"، حسب قوله.

ولتحقيق هذه الغاية، ينتقد ما وصفه بـ"هيمنة الخطاب الديني التأويلي على الإنتاج الفلسفي العربي"؛ ويعتبر هذا الخطاب -المنتشر في التراث، والواقع الحالي على السواء- يحول دون التحرر الفكري، ويقيد حرية التفكير، ولا يسمح بإعمال العقل النقدي، ولا يسمح بممارسة أي منهج عقلاني، بينما العقلانية عنده "وسيلة تُمكن الإنسان من فهم نفسه والواقع، وتدفعه إلى تحقيق حريته ومسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية".

هوية جسدية

ينظر نصار إلى الجسد نظرة فلسفية، ضمن مشروعه لفلسفة عربية معاصرة، فيتجاوز في مفهومه عن الجسد الوصف البيولوجي، فينظر إليه بمنظور فلسفي عقلاني ويعتبره "كياناً رمزياً ثقافياً واجتماعياً، يعبر عن الذات ويتأثر بعلاقته مع الآخر، فهو وسيلة تعبير وتكوين للهوية"؛ بل، ويعطي للجسد معنى فلسفياً باعتباره "حاملاً للهوية"، يسهم في تشكيل صورة الذات. كما أنه ينظر إلى الجسد باعتباره "الوجهة التي من خلالها تُصاغ الهوية"، وهو -أي الجسد- "مرآة الهوية وموقع التفاوض المستمر بين الحرية والسيطرة، وبين الذات والآخر والمجتمع"، لذا يرفض محاولات السيطرة على الجسد أو مظهره أو استخدامه أداة رقابة "أبوية".

ويؤكد نصار أن الجسد ليس هوية ثابتة، بل هو "فضاء ديناميكي متحرك، يُعاد تشكيله ثقافياً وفق كل مرحلة تاريخية"؛ كما أنه يتطور ويتغير وفقاً لتطور المجتمع وتغيره، كما أنه ينتقد ما تتعرض له المرأة في المجتمعات العربية، لا سيما أنها الأكثر عُرضة للرقابة والتقييد في المجتمعات العربية، حسب قوله.

مشكلة الطائفية

ينتقد نصار الطائفية التي تضرب العالم العربي بأشكالها المختلفة، ويراها مشكلة فلسفية تعوق النهضة والحداثة العربية، وتقيد العقل وتشوه علاقة الإنسان بالآخر والمجتمع والدولة؛ وهو يُعرّف الطائفية بأنها "نظام قيمي اجتماعي، يُنتج الانتماء والانصياع على أساس الانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي"، فالطائفية عنده آلية تعمل على تجزئة المجتمع وتحويله إلى جماعات مغلقة متضادة تتصارع في ما بينها، وهي نقيض العقلانية.

ويرى أن الطائفية تقوم على الانغلاق على الذات، والولاء الغريزي للجماعة ورفض الآخر المختلف مذهبياً ودينياً وعرقياً، والطائفية تتناقض مع جوهر الفلسفة وما تدعو إليه من مدنية الدولة والمساواة واحترام الآخر، وقبول الاختلاف والتعدد والبحث عن المشترك الإنساني؛ لذا فإن الطائفية "بنية عقلية وثقافية وسياسية مشوهة، تُقيد الحرية وتشوه الهوية وتفشل الحداثة العربية، وتُصيب العالم العربي ومجتمعاته بهشاشة اجتماعية"، حسب قوله.

والفلسفة العربية المعاصرة، التي يدعو إليها نصار، مثلها مثل أي مشروع حداثي أو مشروع نهضوي، تحتاج إلى إطار خارجي يجعل من الممكن تحقيقها، ويرى أن هذا الإطار هو "العلمانية"، التي يجب أن تتحقق ضمن إطار الدولة المدنية، وقدرتها على فصل الدين عن الدولة.

يؤكد نصار أهمية أن تتسم الدولة المدنية بالعقلانية، وتعمل على تعزيز الحرية الفردية، وتحقيق المواطنة المتساوية واحترام التعددية والتنوع؛ والدولة المدنية التي يدعو إليها يجب أن تتخلص من "التقليد القبلي"، و"تقضي على الطائفية ولا تسمح بها وترفض التبعية ومحاولات فرض السيطرة الخارجية عليها"، الأمر الذي يُعزز حرية العقل العربي وقدرته على إنتاج فلسفة معاصرة تُسهم في مشروعه النهضوي، حسب قوله.

فاعلية والتزام

المشروع الفلسفي الذي يسعى إليه نصار، مشروع فاعل وملتزم، ولا يمكن اكتماله دون انخراط فعال في المجتمع وقضاياه وإشكالياته وطرح حلول لها، فالفلسفة باعتبارها أداة لتحرير الإنسان ليست نشاطاً عقلياً تجريدياً، بل هي نشاط واقعي يخدم الفرد، عبر تحفيزه على استخدام العقل النقدي؛ عبر ما تتميز به من قدرة على مواجهة المعوقات التي تقف أمام العقل، مثل التقليد والجمود والركون إلى الماضي والتبعية، كما أن المشروع الفلسفي قادر على دعم قيم هامة بالنسبة للمجتمعات العربية، مثل قيم الحوار والتعددية والعقلانية.

ويذهب نصار إلى أن إنتاج فلسفة عربية معاصرة خطوة هامة وفاعلة في تأسيس الحداثة العربية وتحقيق المشروع النهضوي، عبر إعادة بناء وتأسيس عقل حداثي عربي، كما أنها تسهم في تأسيس نقد عقلي بَناء ومستقل، يرتكن إلى التجربة ويتحرر من الأيديولوجيا، كما أنها قادرة على "زعزعة الخطابات المغلقة" التي تُصادر الحقيقة؛ لذلك، فإنه يُطالب بإدماج الفلسفة في المناهج التعليمية في مراحل مبكرة، إيماناً منه بأن الفلسفة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة نهضوية مؤسسة للحداثة العربية، ودونها "يصبح المشروع الحداثي ناقصاً غير مكتمل ومهدداً بأخطار الجمود والتقليد واللا وعي العقلي والنقدي"، حسب قوله.

وختاماً، فإن المشروع الحداثي عند نصار يتطلب تغييراً جذرياً في بنية العقل والثقافة والمجتمع، حيث إن ركيزته الأساسية مشروع فلسفي عقلي، يخلص العقل العربي من عيوبه التي تتمثل في التلقي والتبعية وتقديس الماضي والخوف من طرح أسئلة، ما يؤدي إلى مشروع فلسفي قائم على العقلانية النقدية، رافضاً للتبعية وقادراً على إنتاج المعرفة بأشكالها المختلفة، ما يُسهم في تأسيس حداثة عربية خاصة ونهضة حقيقية تقوم على تحرير الفكر من التبعية والتقليد، وتحرير الإنسان العربي؛ ووضع كل ذلك في إطار الدولة المدنية العقلانية العادلة المبنية على المساواة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة