من النهضة إلى الردة:

الهاجس النهضوي وإشكاليات التحديث العربي

مركز حوار الثقافات

07-09-2025

في كتابه "من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة"، يقدم المفكر السوري جورج طرابيشي نقداً للتاريخ العربي والإسلامي، ولمشروعات النهضة العربية والفكر العربي المعاصر؛ ويوضح إشكاليات الفكر المعاصر، مثل الخلط بين التغريب والتحديث، وارتداد الفكر المعاصر عن مساره التنويري، ويطالب بتجاوز الانغلاق والجمود، ويدعو إلى الانفتاح وتفعيل النقد العقلي بدلاً من ثقافة الذاكرة التي تعيد إنتاج الماضي.

ويوضح طرابيشي أن مشاريع النهضة العربية في القرن العشرين لدى المفكرين، التي حكمها ما وصفه بـ"الهاجس النهضوي"، فشلت لأنها ركزت على "استراتيجيات البدائل"، التي يعني بها الجوانب المادية والتقنية، دون اهتمام بآليات النهضة نفسها وأدواتها. 

جرح أنثروبولوجي

يؤكد طرابيشي أن النهضة لن تتحقق عبر الوسائل المادية فقط، بل الأهم الجانب الذهني، لا سيما أنه "لا يتبدل في الأعيان إلا إذا تبدل ما في الأذهان"، ويرى أن الثقافة العربية تواجه صراعاً بين إرادتين، هما: إرادة النهضة وتحقيقها، وإرادة الردة إلى التخلف والجمود والانعزال؛ وهو صراع نشأ بسبب الصدمة التي أصابت الثقافة العربية، جراء اللقاء مع الغرب الذي اكتشف فيه العالم العربي تأخره وتقدم الحضارة الغربية، ما أصاب العالم العربي بـ"جرح نرجسي" بسبب الانكسار الذي أصاب الثقافة العربية.

ويذهب الكاتب إلى أن العالم العربي أصابه "جرح أنثروبولوجي"، يتمثل في إحساسه التاريخي المتراكم بـ"الدونية"، بسبب موقع العرب المتدني واللامركزي وغير الحضاري، والإحساس بهذا الجرح الأنثروبولوجي التاريخي كان سبباً في بدء عصر النهضة العربي، الذي كان استجابة خارجية متمثلة في الصدمة من لقاء الحضارة الغربية. فلم يكن عصر النهضة العربية نتيجة استجابة داخلية، أو قطيعة مع التأخر الفكري والحضاري الذي يعاني منه العالم العربي آنذاك، بل بسبب خارجي هو اللقاء غير المتكافئ مع الحضارة الغربية.

التخلف والتحديث

يتناول المؤلف النهضة العربية وجهودها المختلفة، مثل الجهود المختلفة لقاسم أمين (1863 - 1908م)، ويرى أنه تبنى خطاباً نسوياً بسبب إدراكه لتأخر الذات العربية عن حضارة الآخر، ما جعله يمر بثلاث مراحل فكرية، هي:

- الدفاع عن المجتمع الشرقي والمرأة المحجبة، في كتابه "المصريون".

- الهجوم على التقاليد الاجتماعية المقيدة للمرأة، في كتاب "تحرير المرأة".

- الجذرية النسوية غير المسبوقة، في كتابه "المرأة الجديدة".

يقول الكاتب، إن قاسم أمين انتقل إلى النقيض، فهاجم الواقع الشرقي وعراه بعد أن كان يدافع عنه، وجعل قضية المرأة وانحطاطها وتأخرها في المجتمعات العربية سبباً رئيساً في انحطاط المجتمعات العربية بشكل كامل، وذهب إلى أن تحرير المرأة هو كلمة السر في تقدم المجتمعات العربية، فحمل قضية المرأة كل "أوزار التخلف وتوهم أن تحريرها وحده سيكفي لتحقيق النهضة".

ويبحث الكاتب عن الفرق بين التغريب والتحديث في مشروعات النهضة العربية، ويرى أن التغريب هو "نزع وسلب للهوية ومحاكاة مطلقة للغرب، تفترض القطيعة الكاملة مع الذات والثقافة والتاريخ"، بينما التحديث "تطوير للهوية وانفتاح على نماذج متعددة دون إلغاء الذات". ويشمل التحديث، عنده، الحوار مع الذات والآخر على حد سواء. 

ويذهب إلى أن بعض المفكرين العرب، مثل طه حسين (1889 - 1973م)، خلطوا بين التغريب والتحديث، وكان ذلك الخلط "حاجة نفسية عميقة لتجاوز حالة التأخر الحضاري"، ويرى أن المجتمعات العربية تُعاني من "ثنائية فصامية"، تتمثل في "الحاجة إلى التغيير والخوف منه في الوقت ذاته"، ويرفض بعض الخطابات الفكرية التي ترى في التحديث تغريباً، ويرى أنها خطابات فكرية تُعاني من خلط في مفهومها عن الهوية والنهضة.

التراجع الحضاري

يرى طرابيشي أن العالم العربي انتقل من عصر "البطولة" إلى عصر "الانحطاط"، ما أصابه بـ"انفصام وجداني" تجاه ماضيه. يتمثل هذا الانفصام في تضخيم أمجاد الماضي لتغطية عجز الحاضر، لا سيما أن الثقافة العربية تتغذى على ماضٍ بطولي مثالي، يتمثل في فترة الفتوحات الإسلامية، لتُخفي بذلك ما وصفه بـ"عجز الذات عن الفعل في الحاضر"، ما يُنتج خطاباً ووعياً زائفين في الثقافة العربية، والتي كما أصابها عصر الانحطاط فإنه أيضاً أصاب البنية الثقافية ذاتها، والبنية النفسية في المجتمعات العربية. 

إذ كان "الفاعل العربي الإسلامي ينظر إلى ذاته كمصدر للحدث التاريخي"، بينما في عصر الانحطاط تحول إلى "مفعول به حضاري يعيش على هامش التاريخ العالمي"، الأمر الذي أدى إلى انتشار ثقافة التبرير، وتفسير الفشل بالمؤامرات الخارجية، دون ممارسة النقد الذاتي والتاريخي الجاد.

يؤكد الكاتب أن الثقافة العربية والإسلامية مرت تاريخياً بمرحلتين رئيستين، متناقضتين ومتصارعتين، هما:

- مرحلة الانفتاح: وهي المرحلة التي بدأت منذ صدر الإسلام وبداياته إلى منتصف العصر العباسي، وتميزت بالتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى كاليونانية والهندية والفارسية.

- مرحلة الانغلاق: ويرى أنها بدأت منذ منتصف القرن الرابع الهجري؛ إذ أُقفل باب الاجتهاد، وظهر التحصن المعرفي والانغلاق الفكري والديني.

يقول طرابيشي إن الفقه التقليدي ومذاهبه تسببت في انتهاء مرحلة الانفتاح وبدء مرحلة الانغلاق، لا سيما أنها ربطت بين اكتمال الدين وختم النبوة وبين ختم العقل، فلم يعد ثمة إمكانية لأي اجتهاد خارج "ما أقره الأسلاف"؛ فسادت ثقافة الذاكرة التي يعاد فيها إنتاج الماضي، ضد ثقافة العقل القائمة على النقد والتراكم الفكري والتعدد والمقارنة؛ كما انتشرت أدوات الانغلاق العقلي، مثل الإجماع الفقهي والقياس وسد الذرائع، وهي مقولات ما زالت منتشرة في الفكر الإسلامي المُعاصر.

الخطاب الانفعالي

يتحدث المؤلف عن الآخر في الثقافة العربية، ويرى أن "الآخر" مفهوم حداثي وافد على مصطلحات الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية، استُخدم غالباً بطريقة معكوسة في إطار "الاستشراق المتضاد"، الذي يعني به تبني بعض المفكرين العرب آليات الاستشراق الغربي، دون إنتاج خطاب تحرري نقدي مستقل. 

فعصر النهضة العربي لم يكن إلا ردة فعل عن صدمة اللقاء مع الآخر الحضاري المتمثل في الغرب؛ وكذلك الثقافة المُعاصرة، دخلت فيما وصفه بـ"العداء العصابي للآخر"، ليس بوصفه مُستعمِراً بل بوصفه حاملاً للحضارة، ما يراه الكاتب "انتكاسة حضارية خطيرة"، على عكس ما حدث في عهود الإسلام الأولى من وجود بنية استقبال حضارية متقدمة، واستيعاب وتفاعل مع الحضارات الأخرى وعلومها الفكرية، مثل الفلسفة اليونانية والمنطق والعلوم والترجمات عن اللغات، مثل اليونانية والسريانية والهندية والفارسية.

يقول الكاتب، إن الحرب على الآخر في الخطاب العربي المعاصر ليست حرباً عليه كشخص بل هي حرب على الحداثة كمنظومة وبالتالي هي حرب على الحاضر والذات، لأنها تعطل كل إمكانيات التفاعل. 

ينتقل "طرابيشي" إلى المفكر الجزائري محمد أركون (1928 - 2010م)، فيصف كتابه "الإسلام، أوروبا، الغرب"، بأنه يتضمن خطاباً انفعالياً أوقعه في التناقض؛ إذ وصف الحداثة بأنها عدوان إمبريالي، وفشل في أن يكون وسيطاً بين الثقافتين الغربية والعربية. كما ينتقد المفكر المصري جلال أحمد أمين (1935 - 2018م)، خصوصاً في كتابه "العولمة"، الذي هاجم العولمة واستغلها في مهاجمة الحداثة بكامل مفاهيمها، ما عده الكاتب تحولاً من نهضة الآباء إلى "ردة الأبناء" من قبل "أمين"، حسب قوله.

وختاماً، يحرص المفكر السوري جورج طرابيشي، في كتابه "من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة"، على نقد مشروعات النهضة العربية والفكر العربي المعاصر، وكيفية تحوله إلى ردة حضارية؛ ويسعى إلى استعادة النهضة العقلانية والتنويرية في العالم العربي، ويدعو إلى ممارسة النقد الشامل للذات والتاريخ والمنظومة الفكرية، ويرفض الحداثة الشكلية دون تبني المفاهيم الحداثية الحقيقية، ويسعى إلى تغيير بنية الفكر والعقل العربي في جوهره، ويرى أن تحقيق النهضة ما زال أمراً ممكناً.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة