في مشروعه الحداثي لتقديم قراءة نقدية للمشروعات الحداثية، ينظر المفكر الفلسطيني منير شفيق (1934م) إلى الحداثة الغربية باعتبارها "منظمومة كلية متكاملة تتضمن جميع نواحي الحياة وتتمتع بالخصوصية"، رافضاً تطبيق الحداثة الغربية بشكل استنساخي. وهو يقسم الحداثة إلى أنواع متعددة؛ ويدعو إلى حداثة عربية خاصة بالعالم العربي تراعي ظروفه واحتياجاته وتتناسب مع واقعه.
ويرى شفيق، الذي ترأس اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في لبنان، أن الحضارة الغربية تمكنت من تحقيق حداثتها الخاصة عبر الانفتاح الفكري والحضاري، مُطالباً بالاستفادة من الأدوات الحداثية والمعرفية العلمية الغربية، في تحقيق الحداثة الخاصة بالعالم العربي. وقد ضمّن شفيق مشروعه الفكري في عديد من كتاباته، مثل: "الماركسية اللينينية والثورة المُلحة"، و"الإسلام في معركة الحضارة"، و"الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر".
الحداثة والعلمانية
يؤكد شفيق أن الحداثة الغربية يجب قراءتها في جميع الجوانب والاتجاهات والحياة، وفي تطبيقاتها الفكرية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية، على أن تكون قراءة الحداثة الغربية ككل لا يتجزأ، بما يُعتبر مدخلاً رئيساً لفهم الحداثة وقراءتها قبل تطبيقها، ويشمل ذلك التطبيقات الغربية للحداثة وما نتج عنها من سلبيات حدثت في الواقع الغربي وشهد بها التاريخ.
ويقسم شفيق الحداثة إلى أنواع، مثل: الحداثة المهيمنة، والحداثة المسيطرة، والحداثة التابعة، والحداثة المقلدة؛ وهي أوجه حداثية يدعو إلى قراءتها وفهمها ونقدها، ولا يدعو إلى تطبيقها، بل يدعو إلى نقدها، لا سيما أن الحداثة الغربية نفسها، ومجالاتها وتطبيقها، تعرضت للنقد الذاتي. فالحداثة لا يمكن انتزاعها من إطارها التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والثقافي في موطنها الغربي، الأمر الذي يستلزم من المفكرين والعلماء في العالم العربي أن يمارسوا النقد الحداثي للتخلص من الهيمنة الغربية العقلية، وذلك لإيجاد مشروع حداثي نهضوي في العالم العربي، يُعبر عن الحداثة الخاصة به ويراعي السمات الفكرية والمكانية والزمانية، ولا يكون مشروعاً حداثياً تابعاً أو مُسَيطَراً عليه من الحداثة الغربية.
ويرى شفيق أن العلمانية، بوصفها أحد أعمدة الحداثة في العالم الغربي، متعددة ومختلفة في ما بينها، لا سيما في موقفها من الدين؛ فالعلمانية الفرنسية حاولت مقاومة الدين والتخلي عنه والوقوف ضده، بينما الحداثة الأنجلوساكسونية (البريطانية) وامتداداتها في الولايات المتحدة ودول عدة لا تناصب الدين العداء، ولا تتخذ منه موقف المواجهة، وتتناسب معه وتتوافق معه دون إشكالية تُذكر؛ فالعديد من المجتمعات الغربية العلمانية لا تُعادي الدين وتتوافق معه دون أن تُتهم بأنها مجتمعات غير حداثية، حسب قوله.
ويذهب إلى أن القول بأن الحضارة الغربية تقدمت بسبب فصل الدين عن الدولة، والاعتماد على العقلية العلمية والتحرر من التفكير الخرافي والغيبي، قول غير صحيح؛ لأن أسباب تقدم الحضارة الغربية حالة الانفتاح الذهني والفكري والحضاري التي أصابت الفكر والعقل الأوروبي، وساعدته في ذلك الاكتشافات الجديدة وحالة التوسع الجغرافي في العالم التي دعمت هذا الانفتاح، حسب قوله.
نماذج وتحديات
يؤكد شفيق قدرة العالم العربي على تحقيق حداثته الخاصة، دون استنساخ الحداثة الغربية التي تحاول الحضارة الغربية فرضها في العالم، واعتبار الحضارة الغربية هي حضارة عالمية مركزية. ويرى أنه رغم الاستفادة من الأدوات المعرفية والعلمية للحداثة الغربية، فمن الممكن تحقيق الحداثة التي تراعي الحال والواقع العربي، كما تَمكن عديد من دول العالم في شرقه وغربه وجنوبه من تحقيق حداثة خاصة بها تتناسب وواقعها ومجتمعاتها واحتياجاتها، كبعض الدول في شرق وجنوب آسيا، إضافة إلى دول أخرى تمكنت من الوصول إلى محطات كبيرة في مشروعها الحداثي الخاص، كدول أمريكا اللاتينية. وكما تمكنت هذه الدول من تحقيق حداثتها الخاصة التي لا تتطابق مع الحداثة الغربية -رغم استفادتها الكبرى منها- ويمكن اعتبار هذه الدول نماذج حداثية، فإنه يمكن للعالم العربي المضي قُدماً في طريق تحقيق حداثته الخاصة التي تناسب واقعه ومجتمعه وتحدياته، حسب قوله.
ويوضح شفيق الخطأ الذي يقع فيه بعض أصحاب المشروعات الحداثية، المتمثل في مقارنة وقياس المجتمعات العربية على المجتمعات الغربية؛ فالنظر إلى المجتمعات العربية يجب أن يُراعي السياقات التاريخية والخصوصية، الأمر الذي يجب أن ينطلق من "مبدأ التعددية وقبول الآخر"، وهو المبدأ الحداثي الهام الذي يتقلص ويتراجع في حال اعتبار الحداثة الغربية نسخة يجب التزامها وتطبيقها بحذافيرها، وهو الأمر الذي لا يحقق حداثة عربية، بل يُحقق حداثة منسوخة ومشوهة.
ويرى شفيق أن الحداثة العربية تواجه "تحديات" متناقضة، مثل تجاوز التبعية الغربية ومحاولات استنساخ الحداثة الغربية كما هي؛ وفي المقابل، تحدي الأصولية المنتشرة في العالم العربي، لا سيما الأصولية التي تدعو إلى العنف، ولا تدعو إلى التعددية والتسامح وقبول الآخر والاعتراف به وبحُرية الرأي.
وبينما لا يجد غضاضة في القبول بالمبادئ الإسلامية العامة التي جاء بها الإسلام، مثل التسامح والتعدد وقبول الآخر والمساواة وحرية الرأي وحقوق الإنسان، فيرى معنيين للأصولية: المعنى الأول، وهو العودة إلى الأصول الدينية الإسلامية التي جاء بها الإسلام، والمتمثلة في القيم الإنسانية العليا؛ والمعنى الآخر، الذي يدعي احتكار الحق والصواب ورفض الآراء الأخرى وعدم قبولها.
حراك جديد
الحداثة ومفاهيمها لا تُمثل مشكلة في العالم العربي، حسب شفيق؛ فالمشكلة تقع في التناول العربي للحداثة وتوظيفها، عبر استخدام وسائل فهم قاصرة لبعض الجوانب الحداثية وأهميتها، الأمر الذي يجب معه النظر في طبيعة العلاقة المحددة مسبقاً، والمفروضة في علاقة العالم العربي بالحداثة الغربية التي تضعه في موضع التبعية، لا في موقع تحقيق حداثته الخاصة.
ويدعو شفيق إلى إيجاد "حراك جديد" في العالم العربي، يهدف إلى الحداثة وينطلق من الأسس المجتمعية والحاجة الواقعية للمجتمعات العربية، يخرج بها من حالة الركود والجمود والركون إلى الماضي، على أن يستند هذا الحراك إلى المجتمعات العربية في حالها الحاضر وواقعها الحالي، للنهل من الأسس الحضارية الفكرية والثقافية، بما يتناسب وطبيعة هذه المجتمعات، مع الأخذ بالتطور التقني والتكنولوجي العلمي والإسهام فيه بشكل كبير.
ويشدد على أهمية الاستفادة من الجوانب العلمية والتقنية في الحداثة الغربية، على أن تتجاوز هذه الاستفادة الجانب العملي من الاختراعات والتقنيات، إلى الوصول إلى مصادر الإبداع لهذه التقنيات بمختلف مشاربها، سواء كانت مصادر فكرية أو ثقافية أو علمية أو اجتماعية، لاستيعاب هذه المعرفة العلمية ومصادرها بهدف إنتاج علمي حداثي خاص بالعالم العربي، يمكن تقديمه إلى العالم، حسب قوله.
ويرفض شفيق التخلي عن التراث بشكل كامل، لا سيما وأن التاريخ الإسلامي يتضمن لحظات استنارة حضارية وعلمية لا يمكن تجاهلها، وهي محطات تاريخية استفادت منها الحضارة الغربية، فيدعو إلى نقد التراث للاستفادة من عناصر القوة والحضارة والإبداع فيه، والتخلي عن العناصر التي تؤدي إلى الجمود والتخلف والرجعية.
وختاماً، يُشدد المفكر الفلسطيني منير شفيق على أهمية التخلي عن التقليد التراثي، لا سيما أن التقليد الأعمى للتراث رفضه الإسلام وندد به القرآن؛ بمعنى التخلي عن اتباع مَن سبقنا دون فكر وتمحيص، فليس كل ما "جاء به الآباء صحيحاً، وليس كل ما جاء به التراث مقبولاً ومناسباً، فكما أن في التراث مواضع قوة وعقلانية، فإن به مواضع سلبية يجب تخطيها، للاستفادة من عناصر القوة في التراث دون عناصر الضعف والسلبية؛ إذ يجب التعامل مع التراث بشكل انتقائي"، حسب قوله.