منهجية القرآن:

تأصيل معرفي لمشروع حضاري إسلامي 

مركز حوار الثقافات

31-12-2024

كتاب "منهجية المعرفة القرآنية.. أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية"، للمفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد، الذي صدر عن دار الهادي في بيروت، في عام 2003، هو دراسة عميقة تتناول محاولة دمج الفلسفة الإسلامية مع المعرفة الحديثة، بما في ذلك العلوم الطبيعية والإنسانية. 

يسعى الكتاب إلى استكشاف القرآن الكريم كمرجعية معرفية، ويطرح رؤية تتعلق بأسلمة العلوم على أساس المفاهيم القرآنية؛ حيث يتناول بشكل شامل العلاقة بين الوحي والعقل، والكيفية التي يمكن من خلالها للقرآن أن يكون مرشداً في تطوير منهجية معرفية شاملة.

ضابط منهجي

في هذا الكتاب، يسعى حاج حمد إلى تقديم إطار نظري، يسمح بربط الفلسفة الإسلامية مع مختلف مجالات المعرفة الحديثة. ويؤكد الكاتب أن المعرفة العلمية لا يجب أن تُفصل عن الإطار الديني الإسلامي، بل يجب أن تكون جزءاً من عملية أكبر، تهدف إلى فهم الكون والحياة والإنسان وفق التصور القرآني. ويرتكز حمد على فكرة أن القرآن ليس كتاباً دينياً فقط، بل هو كتاب شامل يمكن استخدامه كمنهجية معرفية لتوجيه العلوم والفلسفات المختلفة.

ويوضح حاج حمد "الضابط المنهجي" لإسلامية المعرفة، خارج منطق المقاربات والمقارنات الانتقائية وافتعال العصرنة؛ حيث يُحدد معنى "المعرفية" من خلال "محتواها التحليلي النقدي للأفكار، وليس كصفة تطلق عشوائياً على المعرفة".

ومن ثم، يشير إلى ملامح المنهجية المعرفية القرآنية، مؤكداً أن "مكنونها يتكشف بداية من خطاب إلهي، حصري واصطفائي، موجه إلى أقوام محددة؛ وانتهاءً بخطاب عالمي يتسع للناس كافة، منتهياً بحتمية ظهور الهدى ودين الحق منهجاً للمعرفة". 

ويركز الكتاب على مفهوم "أسلمة" المعرفة، حيث يقدم الكاتب رؤية واضحة لأسلمة العلوم الإنسانية والطبيعية؛ حيث يرى حاج حمد أن الحضارة الإسلامية ليست في حاجة لتبني المعرفة الغربية كما هي، بل يجب إعادة صياغة هذه المعرفة في ضوء القيم والمبادئ القرآنية. فالحاجة إلى "أسلمة" العلوم تأتي من رغبة الكاتب في إيجاد منهجية علمية متكاملة، تأخذ في الاعتبار كلاً من الإيمان والعقل.

تأصيل معرفي

من النقاط المركزية في الكتاب، أن القرآن يحتوي على مبادئ معرفية يمكن من خلالها توجيه كل من العلوم الطبيعية والإنسانية. ويقدم الكاتب تصوره حول كيفية فهم هذه المبادئ وتطبيقها على مختلف العلوم، مؤكداً أن القرآن يقدم تصوراً شاملاً للوجود والحياة. يحاول حاج حمد في هذا الإطار أن يحدد كيفية تأصيل العلوم الحديثة من خلال القرآن، مع إعطاء أمثلة حول كيفية تفاعل العقل البشري مع النص القرآني.

ضمن أهم الأمثلة التي يطرحها الكاتب في كتابه، مسألة تعدد مستويات التكوين الإنساني عبر الزمن والصيرورة؛ حيث يُشير الله سبحانه، في سورة الانفطار إلى أن البداية بالخلق، ثم الاستواء، ثم الاعتدال، وتعدد الصور التي استمدت من أشكال مختلفة. ويستدل حاج حمد على ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٭ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٭ فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8].

ضمن الأمثلة أيضاً دلالات استخلاف الله سبحانه وتعالى لآدم، وإخباره عزَّ وجل الملائكة بذلك؛ كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. ويؤكد حاج حمد أن أهم دلالات الاستخلاف، أنه "يكون لمن يعرف حُرمة الأشياء، خارج منطق الإباحة والشيوع والقتل".

ولذلك، بحسب حاج حمد، كان أول خطاب إلهي لآدم مقترناً بالزواج وشرعته؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَداً حَيۡثُ شِئۡتُمَا...﴾ [البقرة: 35]. ومؤكداً أنه بآدم بدأ التشريع الإلهي للبشرية، حيث "شرعة الزواج".

المنهجية القرآنية

في نظر حاج حمد، فإن القرآن يقدم منهجية معرفية متكاملة يمكنها أن تكون بديلاً للمنهجيات الغربية السائدة؛ فهو يؤكد أن القرآن يحتوي على أصول ومبادئ يمكن تطبيقها على كافة مجالات الحياة والعلوم. ويستعرض الكاتب عدداً من الآيات القرآنية التي يمكن اعتبارها أساساً لنظريات علمية أو فلسفية.. منها قوله عزَّ من قائل: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].

ويطرح الكاتب أن المنهجية القرآنية تتفوق على المناهج الأخرى؛ لأنها ترتكز على توازن دقيق بين العقل والوحي، ولا تقع في الفخ المادي أو التجريدي البحت؛ بل وترتكز على التفرقة الواضحة بين الألفاظ والمصطلحات؛ مثل التفرقة بين الثوب واللباس، وهو ما يبدو بوضوح في المقارنة بين قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾ [البقرة: 187]، وبين قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26].

ويناقش الكاتب أيضاً مسألة العقلانية الإسلامية ويقارنها بالعقلانية الغربية. وفي هذا الإطار، يرفض حاج حمد النزعة المادية والعلمانية التي تسيطر على الفلسفات الغربية، معتبراً أنها لا تأخذ في الحسبان البعد الروحي للإنسان؛ وبدلاً من ذلك، يرى أن الفلسفة الإسلامية تستند إلى توازن بين العقل والإيمان، مما يجعلها أكثر قدرة على تقديم إجابات شاملة لتحديات العصر الحديث. ويرى أن العقلانية الغربية تعتمد بشكل مفرط على المادية، بينما تتجاهل القيم الروحية والمعنوية التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من الوجود الإنساني.

مشروع إسلامي

يولي الكاتب اهتماماً خاصاً لأسلمة العلوم الطبيعية، حيث يعتبر أن المنهجية العلمية الحديثة تعاني من نزعة مادية مفرطة؛ إذ يرى أن النظريات العلمية الحالية تحتاج إلى مراجعة في ضوء المفاهيم القرآنية. ومن هنا، يدعو حاج حمد إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها إنتاج المعرفة العلمية، بحيث تأخذ في الاعتبار المعاني الروحية والوجودية التي يقدمها القرآن. وينتقد الفلسفات العلمية المعاصرة التي تفصل بين الإنسان والعالم، ويقدم بديلاً يقوم على وحدة الخلق والوجود كما يقدمها النص القرآني.

فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية، يقدم حاج حمد رؤية مختلفة تتعلق بأسلمة هذه العلوم؛ حيث يعتبر أن الدراسات الإنسانية الغربية تهمل الجانب الروحي والوجودي للإنسان، وتركز بشكل مفرط على البعد النفسي والاجتماعي. ويؤكد الكاتب أن القرآن يقدم رؤية شاملة للإنسان، تأخذ في الحسبان أبعاده الروحية والمادية. ويرى أن أسلمة العلوم الإنسانية يجب أن تنطلق من إعادة تعريف الإنسان بناءً على المفاهيم القرآنية. 

وفي كتابه، يدعو حاج حمد إلى مشروع حضاري إسلامي جديد، يقوم على أسلمة المعرفة؛ حيث يرى أن الأمة الإسلامية بحاجة إلى استعادة دورها الريادي في مجال الفكر والعلم، وذلك من خلال تطوير منهجية معرفية ترتكز على القرآن الكريم. ويقترح حاج حمد أن هذا المشروع الحضاري يمكن أن يكون بديلاً للتيارات الفكرية المهيمنة في العالم اليوم، سواء كانت علمانية أو مادية؛ مؤكداً أن الإسلام يمتلك القدرة على تقديم رؤية شاملة للكون والإنسان، تمكن المسلمين من مواجهة التحديات المعاصرة بشكل أكثر فعالية.

وختاماً، يُعد كتاب "منهجية المعرفة القرآنية.. أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية"، إسهاماً مهماً في الحوار الدائر حول العلاقة بين الدين والعلم. إذ يسعى حاج حمد إلى تقديم نموذج معرفي إسلامي يمكن أن يكون بديلاً للمنهجيات الغربية السائدة، ويؤكد أن القرآن يمكن أن يكون مصدراً هاماً لتوجيه العلوم والفلسفات الحديثة.

وهنا نكتفي بذكر مثال واحد على ما يمكن أن يُقدم إلى الكتاب من نقد يخص مسألة "الناسخ والمنسوخ"؛ فرغم ما ذكره حاج حمد من أن "القرآن ليس به ناسخ ولا منسوخ"، إذ به يعود ليُشير إلى أن "الدلالة المفهومية لكلمة نسخ في القرآن تعني استبدال حالة تاريخية أو عقلية بحالة أُخرى". وكما يبدو، فإن حاج حمد لم يبحث في آيات النسخ في التنزيل الحكيم، ليصل إلى دلالة النسخ القرآنية، وإنما استخدم نفس المفهوم الذي انتقده (أي الإلغاء)، ليُسقطه على الحالات التاريخية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة