مغامرة العقل:

الأسطورة وتجربة الإنسان الروحية

مركز حوار الثقافات

26-11-2024

صُنّف كتاب "مغامرة العقل الأولى"، للكاتب والمفكر السوري فراس السواح، الصادرة طبعته الأولى عام 1976، عن دار الكلمة، ككتاب في نقد الفكر الديني عمومًا، لكن مؤلفه قال إنه كان يهدف من ورائه "البحث عن وحدة التجربة الروحية للإنسان عبر التاريخ بصرف النظر عن مصدر الخبرة الدينية".

علم الميثولوجيا

يقول السواح إن الإنسان قد عمل على كشف حقيقة العالم والحياة والبدايات، وشغلته الغايات والنهايات، واعتقد في البداية أن العالم بكل مظاهره يخضع لترابطات وقوانين، ورأى أن معرفته بهذه الترابطات والقوانين تجعله قادرًا على إخضاع الكون لملكاته ليسيطر على الطبيعة المحيطة، فيستطيع استجلاب المطر عبر ممارسات سحرية، ويستطيع شفاء الأمراض ودفع الكوارث عن طريق تعاويذ خاصة. 

لكن الفكر الإنساني في وثبته الدائمة لا يقف عند إطار ولا يركن إلى معرفة يظنها مطلقة، لذا تهاوت الأسطورة تحت مطارق الفلسفة، وتعاونت الديانتان الإسلامية والمسيحية مع الفلسفة وتبنَّتا بضع أساطير كوّنت منها هيكلها، بحسب الكاتب.

في القرن التاسع عشر أحيت الثورة الفنية رونق الأسطورة، كما يقول السواح، وذلك كشكل تعبيري من أشكال الفلكلور والأدب الشعبي، ثم جاء من بعد ذلك الرومانتيكيون فاعتبروا الأسطورة أصل الفن والتاريخ والدين، كما اتجهت إليها العلوم الإنسانية تبحث خلف الشكل الظاهر للأسطورة عن رموز كامنة ومعانٍ عميقة تُعين على فهم الإنسان وسلوكه وحياته الروحية والنفسية، فظهر فرع جديد من فروع المعرفة يُعنى بدراسة وتفسير الأساطير سُمي بـ"الميثولوجيا".

الأسطورة والخرافة 

يقول الكاتب إنه عندما انتصب الإنسان على قدمين رفع رأسه للنجوم وتفحص الأرض، أرعبته الصواعق، ورأى الموت وعاين الحياة، حيّرته الأحلام ولم يميزها عن الواقع، صار كل شيء حوله وداخله لغزًا كبيرًا، وبدأ يتساءل: لماذا خُلق الكون؟، من أين تأتي الأمراض؟؛ كان يتساءل كطفل في مواجهة كون فسيح من الألغاز، وكان عقله صفحة بيضاء، ومن خلال ذاته تلك كان عليه بدء مغامرة كبرى مع المعرفة، فكانت الأسطورة.

ويُعرف السواح الأسطورة على أنها "حكاية مقدسة" يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة، أحداثها ليست مصنوعة أو متخيلة، بل وقائع حدثت في الأزمنة الأولى المقدسة، إنها سجل أفعال الآلهة، تلك الأفعال التي أخرجت الكون من لُجّة العماء.

ويضيف الكاتب أن الأجيال تتناقل الأسطورة شفاهة باعتبارها حكاية تقليدية، ما يجعلها ذاكرة الجماعة، التي تحفظ العادات والطقوس.

ويفرق الكاتب بين الأسطورة والحكاية الشعبية والخرافة، فيقول إن الفروق شاسعة بين هذه المنتوجات الفكرية الثلاثة؛ فالخرافة حكاية بطولية مليئة بالمبالغات والخوارق، وأبطالها الرئيسيون من البشر أو الجن، ولا دور للآلهة فيها؛ ويستشهد برد النبي محمد عن سؤاله عائشة: "أتدرين ما الخرافة؟"، فقال إنه كان رجلًا من عذرة، أَسَرَتْهُ الجن في الجاهلية فمكث فيهن دهرًا طويلًا ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدّث الناس بما رأى من الأعاجيب، فقال الناس "حديث خرافة".

ويعلق الكاتب بقوله: بصرف النظر عن صحة الحديث المنسوب إلى الرسول أو عدم صحته، فإن النص يُظهر معنى الخرافة عند العرب. 

ويتابع الكاتب أن القرآن يُثبت العلاقة بين كلمة "الأسطورة" في اللغة العربية، وبين التصورات الدينية: ﴿وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا﴾ [الفرقان: 5]. وفي هذه الآية إشارة إلى قول أعداء النبي أن ما يأتي به محمد في القرآن هو أساطير الأقوام السابقة، تُملى عليه وهو بدوره يستكتبها. أما الحكاية الشعبية، بحسب الكاتب، فهي كالخرافة لا تحمل طابع القداسة، ولا يلعب الآلهة أدوارها، كما لا تتطرق - بعكس الأسطورة - إلى موضوعات الحياة الكبرى والمصيرية، بل تقف عند حدود الحياة اليومية والدنيوية البسيطة، كمكر النساء ومكائد الرجال.

أساطير سومرية

كانت الكيفية التي بدأت بها الحياة على هذه الأرض، حسب الكاتب، أولى المسائل التي تواجه تساؤلات العقل البشري، لذا فلا نكاد نجد شعبًا إلا واختلق أسطورة خاصة بهذا الأمر في تراثه الثقافي؛ إذ تنتمي أساطير التكوين في منطقتنا إلى زمرة أساطير الميلاد المائي، فالحالة السابقة لبدء الكون في أساطيرنا التكوينية هي حالة من العماء المائي، ساكن في زمن سرمدي كأنه عدم، وفي لحظة معينة، هي هزة ودمار يليها بناء جديد، ينبثق الكون من هذا العماء ليبدأ النظام من قلب الفوضى.

ويقول السواح إنه لم تصلنا عن السومريين أساطير كاملة في الخلق والتكوين وأصول الأشياء، لكن النصوص المتفرقة التي عُثر عليها تُعطي صورة واضحة عن أفكار السومريين، والتي لم تكن أبدًا أفكارًا بدائية؛ فقد أثبت السومريون مقدرة فائقة على الملاحظة والربط واستخلاص النتائج، كما تُثبت لنا الأساطير السومرية تقاليد بقيت راسخة في فكر وحضارات المنطقة والمناطق المجاورة، فمثلًا فكرة الميلاد المائي تتكرر فيما بعد في الأساطير البابلية، ففي الأسطورة السورية نجد "يم" المياه الأولى وقد انتصر عليها الإله بعل، وفي الأسطورة المصرية كان رع أول إله يخرج من المياه الأولى، وهو الذي أنجب فيما بعد بقية الآلهة. 

وقد قدمت الأسطورة السومرية، بحسب الكاتب، صورة للإنسان؛ فهو الذي يحمل عبء العمل عن كاهل الآلهة، وقد تسربت عناصر هذه الأسطورة إلى أساطير المناطق المجاورة، فنجد إله اليهود "يهوه" يقوم بخلق الإنسان من طين بعد انتهائه من خلق العالم، بل ويجعله على شاكلته.

وهنا، لا يزودنا العلم الحديث، بحسب السواح، بنظرية أو حقيقة تُثبت علاقة جسم الإنسان بتراب الأرض أو طينها، لكنه يقول لنا إن عناصر جسم الإنسان هي نفس العناصر الموجودة في التراب، فيما يثبت القرآن خلق الإنسان في أكثر من موضع، مثل: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ٭ وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ [الرحمن: 14-15].

ويوضح الكاتب بأن كتابة الشكل الملحمي للأسطورة في حضارة بابل تتوافق مع سيادتها على وادي الرافدين والمناطق المتحضرة الجديدة، فالسيادة العسكرية يتبعها سيادة ثقافية، وهنا كانت الملحمة وسيلة لنشر الديانة البابلية وتثبيتًا لعبادة إلهها "مردوخ".

أسطورة الدمار 

يؤكد الكاتب أن التوراة، وهو المأثرة الثقافية الوحيدة للشعب اليهودي، نشأت وتطورت انطلاقًا من أرضية ثقافية سورية وبابلية ومصرية، وأن مسيرة الفكر العبراني في سعيه لبناء ديانة مستقلة لم تتكلل بالنجاح إلا عن طريق استيعاب وتَمثل الديانات السابقة.

ويمر الكاتب على فترة السبي البابلي وأثره، بتقديمه فرصة كبرى لليهود بالاطلاع على آداب وديانة وأساطير ثقافة أرض الرافدين، كما يسرد فترة الطوفان التي كانت ملهمة لكل الثقافات في زمانها وبعدها، فيقول إنه بعد فترة طويلة من الزمن تكتشف الآلهة أن الإنسان لم يحقق المرجو من خلقه، فتقرر إفناء الحياة على الأرض وغسلها بالطوفان، ولكن الإنسان خلال عهده القصير حقق بعض منجزات يجب الحفاظ عليها لتكون أساسًا للبناء الثاني.

هكذا قُدّم الطوفان في أساطير السومريين والبابليين والعبرانيين مع بعض تنويعات واختلافات؛ إذ إن أسطورة "الدمار الشامل"، ممثلة في الطوفان، شاعت في أماكن متفرقة من العالم لا يربط بينها زمان أو مكان، مثل نيوزيلندا وبوليفيا ولدى هنود كاليفورنيا.

وشيوع أسطورة الطوفان والدمار الشامل بتفاصيل شبه متطابقة عالميًا، بحسب الكاتب، يثير مسائل شتى تتعلق بتفسير هذا النوع من الأساطير وبواعث نشأتها، متسائلًا: هل تنقل لنا الأساطير أحداثًا كونية وروايات مرعبة وقعت في أزمان سحيقة قبل التاريخ المكتوب وترسخت في ذاكرة البشر؟. ويعلق على تساؤله ذاك، بقوله: إن هذا التفسير، رغم جاذبيته، لا تؤكده الدراسات الجيولوجية والأركيولوجية إلى الآن.

ثم يعود الكاتب للتساؤل: هل تكشف هذه الأساطير عن حقائق نفسية ونوازع خافية باطنة؟، هل هي طغيان النزعات التدميرية الكامنة في لا شعور البشر ورغبة لا واعية في تدمير الذات؟، أم هي إحساس عارم بالإحباط من حضارة تسير في اتجاه عكس سعادة الإنسان؟.

أساطير الجنة

يقول الكاتب إنه بعد زوال قيمة الفرد أمام وسائل الإنتاج، تَحول العمل من متعة إلى عبودية واغتراب، وصارت حياة الناس مع المجتمعات التسلطية أقرب إلى الإحباط والعدم، ساعية إلى نهاية لهذه الحياة؛ ولكن المجتمع التسلطي منع الإنسان من هذا الأمل، وقد تجلى حلم الخلاص من كل هذا العناء في ما سموه "الجنة"، التي خلقت أسطورة أنه لا وجود لمرض فيها ولا تعب ولا شيخوخة ولا موت.

وقد عبر السومريون عن الجنة بأسطورة العصر الذهبي، وهو ما قبل هبوط الإنسان إلى أرض العبودية والاغتراب. وقد أسست أسطورة السومريين لشكل الجنة لاحقًا في أساطير المنطقة كلها، بما فيها أسطورة التوراتيين، والتي وردت الجنة فيها باسم "عدن"، والذي هو قد يكون، بحسب الكاتب، "تحويرًا لاسم الإله أدون السوري، رب النبات والخصب والخضرة"، وهو يساوي تعبير "جنات عدن"، الذي ورد كثيرًا في النص القرآني.

وختامًا، ينتهي الكاتب إلى أن الأسطورة عمومًا تعطينا تحليلًا نفسيًا لما يدور داخل الإنسان؛ فها هو فرويد يفسر الجنة على أنها انعكاس لما عاشه الإنسان في رحم أمه، تماما كالجنة، فالإنسان في هذا المكان لا يحمل همًا ولا مسؤولية، يتحمل عنه غيره المشقة وضرورة إطعامه ولهوه، فيما يفقد الإنسان هذه الحالة/الجنة/الفردوس المفقود حين يولد في هذه الحياة، ولعله يتوق إليها كمفهوم مختلَق ليعود من حيث أتى من الاطمئنان والعيش الرغيد بلا متاعب.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة