مررنا في مقالات سابقة على مجموعة من الأحداث المهمة، التي تزامن وقوعها مع نهايات العصر الجاهلي في شبه الجزيرة العربية، وبينّا كيف شكلت تلك الأحداث إرهاصاً قوياً بقرب التحول الكبير الذي عرفه العرب مع قيام الدعوة المحمدية وتأسيس دولة المدينة.
في هذا الإطار، نُسلط الضوء على معركة "ذي قار"، التي وقعت بين العرب والفرس، وقدمت إرهاصاً تاريخياً لحملات التوسع العربي الإسلامي في العراق وبلاد فارس، في القرن الأول الهجري.
ما قبل المعركة
شهد القرن السادس الميلادي اندلاع الحروب بين الفرس الساسانيين والإمبراطورية البيزنطية. وتركزت مناطق الصراع بين القوتين في التخوم الحدودية، في كل من أرمينيا وشبه الجزيرة العربية على وجه الخصوص. في سياق تلك الحروب، حاول الساسانيون مد نفوذهم داخل بلاد العرب، فأخضعوا بعض القبائل التي تسكن على حدودهم الغربية، وتحالفوا مع المناذرة، حُكّام الحيرة، كما تمكنوا من تقوية نفوذهم في مملكة حِمْير الواقعة في جنوب شبه الجزيرة واليمن.
ولم تقتصر التأثيرات الفارسية في بلاد العرب على الوجود العسكري، بل امتدت كذلك إلى ساحات الأدب والقصص الديني. على سبيل المثال، جاء في سيرة ابن هشام أن النضر بن الحارث كان يجلس لأهل مكة في بدايات البعثة المحمدية، فيقول: "يحدثكم محمد بأخبار عاد وثمود، وأنا أحسن حديثاً منه، هلمّوا أحدثكم بأخبار رستم وإسفنديار والأكاسرة"؛ كذلك ذكرت روايات أن النضر اشترى كتب الأعاجم فكان يحدث منها.
من جهة أخرى، لعبت الثقافة الفارسية دوراً مهماً في إثراء معارف قريش، قبيل البعثة النبوية. يقول ابن رستة، في كتابه "الأعلاق النفيسة": "أهل الحيرة علّموا قريشاً الزندقة في الجاهلية والكتابة في صدر الإسلام".
أحداث المعركة
تختلف آراء المؤرخين في تحديد توقيت وقوع معركة ذي قار. يذهب البعض إلى أنها قد وقعت يوم ولادة النبي، ويذهب البعض الآخر إلى أنها وقعت قبل الهجرة إلى يثرب، فيما بعض الروايات تذكر أن المعركة قد اندلعت عقب عودة النبي من غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة.
وحسب ما تذكر المصادر التاريخية الإسلامية، فإن نفوذ الساسانيين في بلاد العرب قد وصل إلى أوجه في عهد ملك الحيرة النعمان بن المنذر، وذلك عندما صار العرب تابعين لكسرى، وصار من المعتاد أن يأمرهم ملك الفرس وينهاهم، دون أن يكون لهم رأي. مع مرور الوقت، تسبّب التكبر الفارسي في اندلاع ما يشبه الثورة العربية على الفرس، وتمثلت تلك الثورة في أحداث المعركة المعروفة باسم "ذي قار".
جاء في "تاريخ الرسل والملوك" لأبي جعفر الطبري، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، أن خلافاً كبيراً قد نشأ بين كسرى أبرويز ملك الفرس، وملك الحيرة النعمان بن المنذر، بسبب تباطؤ الأخير في مساندة الفرس في قتال البيزنطيين، ورفضه تزويج ابنته من كسرى.
تذكر الروايات أن تلك الأسباب أثارت غضب الملك الساساني، فاضطر عندها النعمان إلى أن يدفع بأهله وأمواله وسلاحه إلى زعيم إحدى القبائل العربية، وهو هاني بن مسعود الشيباني، زعيم بني شيبان، وتوجه بعدها إلى بلاد فارس محاولاً استرضاء كسرى، ولكن محاولته لم تنجح، وسُرعان ما زُجَّ به في السجن فظل به حتى مات.
بعدها، أرسل كسرى إلى بني شيبان مطالباً إياهم بتركة النعمان، ولكن هاني بن مسعود رفض ذلك بشكل قاطع. وانضمت له قبائل بكر بن وائل وبني تميم وطيء. وتسبب ذلك الرفض في وقوع معركة "ذي قار" بين القبائل العربية المتحالفة، والإمبراطورية الفارسية.
تحدث المؤرخ العراقي جواد علي، في كتابه الموسوعي "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، عن ظروف ووقائع المعركة، فقال: "ويوم ذي قار لم يكن يوماً واحداً، أي معركة واحدة وقعت في ذي قار وانتهى أمرها بانتصار العرب على الفرس، بل هو جملة معارك وقعت قبلها ثم خُتمت بـذي قار...". وبصرف النظر عن التفاصيل الكثيرة المتعلقة بأحداث المعركة، فقد انتهت وقائعها بتحقيق انتصار عربي عظيم على الجيوش الفارسية.
الفتوحات الإسلامية
في الحقيقة لم تكن موقعة "ذي قار" مجرد معركة حربية تقليدية كغيرها من المعارك الحربية التي اندلعت مراراً وتكراراً في شبه الجزيرة العربية. فقد احتلت ذي قار مكاناً مهماً في الذاكرة الإسلامية الجمعية، باعتبارها الانتصار العظيم الأول الذي تمكن العرب من تحقيقه على جيرانهم من الفرس الأعاجم. وجرى تخليد هذا الانتصار في الذاكرة الإسلامية من خلال بعض الأحاديث المنسوبة للنبي. ومنها ما ذكره ابن الأثير، في كتابه "الكامل في التاريخ"، من أن النبي لما سمع أخبار انتصار العرب في ذي قار، فإنه قال فرحاً: "هذا أول يوم انتصف العرب فيه من العجم وبي نُصروا".
وبشكل عام، حمل الحديث الإشارة إلى اقتران المعركة بالانتصارات العربية المنتظرة، التي ستقع في ما بعد، بما يعني أن ذي قار قد قدمت إرهاصاً تاريخياً للتوسعات العسكرية التي ستقع زمن الخلافة الراشدة، التي ستُعرف باسم "الفتوحات الإسلامية".
في هذا السياق، نجد عديداً من الإشارات المشابهة التي ارتبطت ببعض اللحظات الحرجة في التاريخ الإسلامي المبكر. من ذلك ما نقله النسائي، في كتابه "السنن الكبرى"، عن الصحابي البراء بن عازب، أن النبي لمّا أمر بحفر الخندق حول المدينة المنورة في أثناء غزوة الأحزاب في العام الخامس من الهجرة، فإن المسلمين اشتكوا من وجود صخرة كبيرة لا تقدر الفؤوس على تكسيرها. عندها أخذ النبي المعول فقال: "باسمِ اللهِ، فضرب ضربةً فكسر ثُلُثَها، وقال: اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ الشام... ثم ضرب الثانيةَ فقطع الثلُثَ الآخَرَ، فقال: اللهُ أكبرُ، أُعْطِيتُ مفاتيحَ فارسٍ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصرَ المدائنِ أبيضَ، ثم ضرب الثالثةَ وقال: بسمِ اللهِ، فقطع بَقِيَّةَ الحَجَرِ، فقال: اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ اليَمَنِ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ أبوابَ صنعاءَ من مكاني هذا الساعةَ...".
في العام السابع للهجرة، وقع الاتصال المباشر الأول بين المسلمين والإمبراطورية الفارسية الساسانية، وذلك عندما حمل الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي رسالة من النبي محمد إلى كسرى، وكان مضمون الرسالة هو دعوة النبي أهل فارس لاعتناق الإسلام. وحسب ما ذكرت الرواية الإسلامية، فإن كسرى غضب غضباً شديداً لما وجد أن اسم النبي تقدم اسمه، فمزّق الرسالة، وأمر بإرسال بعض الجنود للقبض على النبي في يثرب.
وختاماً، تُستكمل القصة بأن اثنين من الفرس قد وصلا إلى الرسول، فأخبرهما عندها بأن "ربي قد قتل ربكما"، مشيراً إلى وجود انقلاب قام به ابن كسرى ضد أبيه؛ كما أخبر النبي الجنديين بأن "ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر"، وهي البشارة التي تحققت بشكل فعلي زمن خلافة عمر بن الخطاب، بعدما تمكن المسلمون من تحقيق الانتصارات المتوالية على الجيوش الفارسية.