محمد عبد المطلب الهوني:

العقلانية الفكرية وضرورة الدولة المدنية

مركز حوار الثقافات

09-09-2025

يتبنى المفكر الليبي محمد عبد المطلب الهوني، خطاباً عقلانياً نقدياً، يسعى من خلاله إلى مواجهة الأيديولوجيات التي تضع قيوداً فكرية وعقلية على مسار التقدم والحداثة في العالم العربي، وتصنع حالة من التأزم الفكري والانفصال الحضاري عن معطيات الحضارة والإنتاج المعرفي في المجتمعات العربية. ويهدف من مشروعه الفكري إلى ترسيخ العقلانية وتأصيل الحداثة وبناء الدولة المدنية الحديثة، التي يرى أنها "آلة العالم الحديث" التي تؤسس على الموطنة والمساواة، وتعد ركيزة أساسية في أي تقدم أو نهضة حقيقية. 

الهوني، الحاصل على الدكتوراه من جامعة روما بإيطاليا، وأطلق من باريس رابطة العقلانيين العرب، وأسس المؤسسة العربية للتحديث الفكري، وشارك عبرهما بعشرات الدراسات التي تحمل مشروعه الفكري، إضافة إلى مؤلفه الرئيس "مراجعات نقدية"، يحذر من "الفوات التاريخي" الذي يعاني منه العالم العربي؛ ويدعو إلى إعادة قراءة التراث دون تقديس، عبر رؤية تفاعليه تحوله من نصوص جامدة إلى مورد معرفي يشارك في الحداثة كأحد روافدها. 

ويشدد على مواجهة الجمود السلفي والإسلام السياسي، وما يسببانه من أيديولوجيات منغلقة تؤدي إلى تفتيت المجتمع وانهيار استقراره. ويطالب بتحقيق انفتاح حضاري ونهضة عربية حقيقية، حتى يتمكن العالم العربي من الخروج عن "الهامشية التاريخية إلى الفاعلية العالمية".

الدولة الحديثة

بناء الدولة الحديثة هو الركيزة الأساسية في مشروع الهوني الفكري؛ فالدولة الحديثة بالنسبة إليه تمثل حلاً جذرياً لمعظم المشكلات التي تواجه المجتمعات العربية، والدولة الحديثة هي "آلة العالم الحديث"، وهي لازمة وضرورية لتحقيق أي تنمية ثقافية أو فكرية أو تعليمية أو اقتصادية أو صحية؛ ولا يمكن العمل في أي من المجالات السابقة دون الدولة الحديثة. ويرفض أن تكون الدولة ذات طابع ديني أو أيديولوجي، ويؤكد أن الدولة يجب أن تكون "كياناً وظيفياً محايداً بين الأفراد والجماعات والمعتقدات"، فالدولة الحديثة عنده يجب أن تكون "دولة مدنية تُؤسس على مبادئ المساواة والمواطنة وتتجاهل الانتماءات الطائفية والقبلية والعرقية".

فاعلية التراث

ينظر الهوني إلى التراث نظرة تفاعلية، فالتراث ليس مجرد "مجموعة من النصوص المقدسة الواجب اتباعها حرفياً"، بل مورد معرفي وثقافي يمكن إعادة تفسيره، وتطويره لخدمة الحداثة والتقدم وتحرير العقل العربي من قيود الماضي، وتمكينه من الإنتاج المعرفي بدلاً من استهلاكها؛ ووفقاً لهذه النظرة الفاعلة للتراث التي تضعه في مجال الفاعلية، فإنه يجعل منه "رافداً للتنوير وليس قيداً".

ويُشير الهوني إلى أن العالم الإسلامي يعيش حالة "تأزم وانفصال" عن الحضارة وإنتاج المعرفة، فيدعو إلى العقلانية التي يرى أنها "محور أساسي فاعل لإحداث التقدم والبحث عن حلول"، ويطالب بتحرير العقل من القيود التي تمنعه من التفكير النقدي والإبداعي، ويدعو إلى استعادة المجتمعات العربية والنخبة الفكرية المثقفة لمفاهيم النقد والبرهان والحداثة، كركائز أساسية لبناء المشاريع الفلسفية والفكرية؛ ويؤكد أن سبب الركود الحضاري والتوقف عن إنتاج المعرفة في العالم الإسلامي هو التمسك بالسلفية، التي "تُجمد المجتمع في لحظة تاريخية معينة، ولا تعترف بالتطور التاريخي والاقتصادي والاجتماعي".

يقول الهوني إن العرب عليهم أن يردوا الاعتبار للبدعة حتى تصبح إبداعاً، وهو الأمر القادر على مواجهة تأثيرات "السلفية" السلبية، ما يمثل مطالبة صريحة بـ"الديناميكية الفكرية" والتحرر العقلي، ورفض الجمود الذي يقف عائقاً ضد أي محاولة للتقدم والنهوض والحداثة.

ينتقد الهوني غياب مشروع تنويري قوي في العالم العربي، ويرى أن هذا الغياب سبب رئيس للتخلف والجمود والركود الحضاري؛ لذا، فإن مطالبته بـ"إعادة الاعتبار للبدعة لتُصبح إبداعاً"، تمثل دعوة ناجعة لتغيير العلاقة الفكرية مع التراث، لتنقله من التقديس والجمود إلى وضعه في إطار تفاعلي نقدي يسمح بالتطور والابتكار، مما يساهم في إعادة القدرة العربية على الإنتاج المعرفي، ومواجهة الأيديولوجيات التي تُعيق المجتمعات العربية وتجلياتها، مثل الإسلام السياسي والتيار السلفي اللذين يكرسان لرؤية أيديولوجية دينية، تقف ضد الدولة المدنية الحديثة وتُسبب فوضى وعدم استقرار، وتمثل خطراً على المجتمعات العربية.

انفتاح حضاري

ينادي الهوني بالانفتاح الحضاري على منجزات الحداثة ومساراتها ومكتسباتها، حتى يُمكن للعالم العربي تجاوز ما وصفه بـ"الفوات التاريخي"، أي التراجع الفكري والحضاري الذي يشهده العالم العربي، ويُعاني منه؛ والذي من آثاره تجاهل الانفتاح على التجارب الفكرية العالمية، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من التخلف والجمود. فالانفتاح الفكري "ضرورة استراتيجية لتمكين العقل العربي من مواكبة التطورات العالمية والمساهمة فيها"، حتى يمكن للمجتمعات العربية أن تتجاوز العزلة المعرفية والحضارية التي تُعاني منها، وتؤسس لمؤسسات عقلانية قادرة على التفكير النقدي، وتفتح الباب أمام التنوير والتقدم، لا سيما أن تحرير العقل من القيود الأيديولوجية والتقليدية أساس للتنوير والتقدم.

ويرفض الهوني "العقلانية الزائفة" في المجتمعات العربية التي تدعو إلى التبرير وتكريس الواقع، ويدعو إلى استبدالها بعقلانية حقيقية قائمة على البرهان والتنوير؛ ويشدد على إصلاح التعليم وتحديثه بمناهج عقلانية وعلمية حديثة، ما يساهم في سيادة التفكير النقدي والتفكير العلمي، ويُمكن الأفراد في العالم العربي من إنتاج المعرفة، لتجاوز حالة الاستهلاك المعرفي التي يعاني منها العالم العربي، وبالتالي المشاركة الحضارية مع العالم عبر حوار حضاري، واشتراك مؤثر وإيجابي في التعامل مع العولمة المفروضة، الأمر الذي يخرج العالم العربي من حالة التبعية الفكرية التي يعاني منها، إلى دور مؤثر وفاعل في "العالم المعولم".

وعند الهوني، فإن تحقيق الحداثة والنهضة الحقيقية في العالم العربي، هو خيار وجودي رئيس وضروري، وليس مجرد ترف فكري؛ إذ يدعو إلى نهضة حقيقية تتجاوز المفاهيم التقليدية، وذلك عبر ثورة في العقل العربي تحرره من الأيديولوجيا وتؤصل للعقلانية والتنوير والانفتاح الحضاري، لا سيما أن "الإصلاحات الفكرية" شديدة الأهمية لبقاء واستمرار المجتمعات العربية، التي تحتاج في وجودها إلى دولة مدنية محايدة ومؤسسة على مبادئ المواطنة والمُساواة، حتى تكون قادرة على تجاوز ما يعاني منه العالم العربي من أيديولوجيات دينية وقبلية وعرقية.

ويشدد الهوني على أهمية نقد الفكر الديني التقليدي، ويرى في هذا النقد ضرورة لتحرير العقل الإسلامي، ويذهب إلى أن الدين يجب أن يكون بوصلة أخلاقية للفرد، لا علاقة له بالدولة التي يجب فصلها عن الدين، وهو فصل يؤدي -وفقاً له- إلى تمكين "الدين والدولة" ويحفز التجديد الفكري لكسر الجمود، ويحقق التحرر من الأيديولوجيات الجامدة التي تُعيق التطور والحرية الفردية وتتحول إلى قيد معرفي واجتماعي.

وختاماً، يتسم المشروع الفكري التنويري للمفكر الليبي محمد عبد المطلب الهوني، بالعديد من السمات، منها تشديده على أهمية الدولة المدنية الحديثة، التي تفصل الدين عن الدولة وتؤَسس على المواطنة والمساواة والعقلانية؛ ورفض تيارات الإسلام السياسي، لتبنيها أيديولوجية دينية تُعيق التقدم الحضاري وتُساهم في تفتيت المجتمع. 

هذا، فضلاً عن أهمية التخلص من التفكير السلفي، الذي يقدس التراث ويُكرس للجمود والتخلف الفكري، وضرورة مواجهة "الفوات التاريخي" الذي يعاني منه العالم العربي، مع أهمية تقليص هذا الفوات التاريخي عبر تأصيل العقلانية وتعزيز الفكر النقدي، ما يُساهم في تجديد الخطاب الديني ويرسخ للمواطنة والمساواة، وينقل المجتمعات العربية من دور المستهلك المعرفي إلى الإنتاج المعرفي، ويساهم في حوار حضاري حقيقي وقدرة على التفاعل مع العولمة المفروضة، ما يعالج أزمة غياب مشروع حداثي حقيقي.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة