يجمع المفكر الجزائري، محمد شوقي الزين (1972م)، في مشروعه الفكري، بين القراءة العميقة للتراث وتوظيف الأدوات الفلسفية الغربية الحديثة وما بعد الحداثية؛ ويسعى إلى تجاوز الأطر التقليدية للقراءات السائدة في الفكر العربي التراثية والحديثة، في محاولة لتقديم قراءة نقدية للفكر العربي المعاصر.
"الزين" حصل على الدكتوراه في الدراسات العربية الإسلامية من جامعة برونفس الفرنسية، ودكتوراه أخرى في الفلسفة من جامعة إيكس مارسليا؛ وأسس المنتدى العربي للتفكيك، ويشغل منصب أستاذ الفلسفة بجامعة تلمسان الجزائرية، مستخدماً التفكيك الفلسفي بمفهومه الغربي لفهم النصوص لا سيما النصوص العربية العرفانية. ويرتكز في مشروعه الفكري على مفاهيم، مثل "الإزاحة"، و"التفكيك"، و"نقد العقل العربي"، لاستخدامها في تشخيص أزمات الفكر العربي المعاصر، وإيجاد طرق لتجاوز هذه الأزمات وتحقيق النهضة الفكرية الحقيقية.
وقد ضمن الزين مشروعه الفكري في عديد من مؤلفاته الفكرية، مثل: "تأويلات وتفكيكات: فصول في الفكر الغربي المعاصر"، و"سياسات العقل"، و"إزاحات فكرية: الحداثة والمثقف"، و"فلسفة التأويل"، و"الإزاحة والاحتمال: صفائح نقدية في الفلسفة الغربية"، و"قراءات في فكر وفلسفة علي حرب"، و"الثقاف في الأزمنة العجاف: فلسفة الثقافة في الغرب وعند العرب" و"الصورة واللغز: التأويل الصوفي للقرآن عند محيي الدين بن عربي"، و"نقد العقل الثقافي"؛ إضافة إلى عشرات الأبحاث العلمية والمقالات الفكرية.
الأدوات الثلاثية
يعتمد الزين في مشروعه الفكري على منهج فلسفي وأدوات نقدية ثلاثية، تتمثل في التأويل والتفكيك والإزاحة. و"التأويل"، أو "الهيرمينوطيقا"، هو أسلوب يستخدمه حتى يتمكن من فهم النصوص، عبر وضعها في سياقها اللغوي والوصف البيوجرافي والتاريخي؛ ويرى أن التأويل يمنح "البنيان الديني وجهاً ليّناً وقابلاً للتطور". و"التفكيك" بالنسبة له أداة نقدية مستلهمة من الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930-2004م)، تهدف إلى تفكيك البنى الجامدة واليقينيات في النصوص والأفكار، ويرى أن التفكيك يعمل على تحرير المعنى من جموده، ما يجعله مكملاً للتأويل وليس نقيضاً له. أما مفهوم "الإزاحة" الذي ابتكره، فهو يمثل أداة نقدية تضع حداً لما يصفه بـ"الإصلاح المزيف" الذي يدعو إلى الإصلاح بينما هو -في حقيقته- لا يتجاوز تكرار الماضي في الحاضر، ويذهب إلى أن الإزاحة هي عملية نقل "البنيات الذهنية والفكرية نحو عتبة الإبداع بالكف عن التكرار والاجترار"، حسب قوله
يقول الزين، إن الإزاحة هي تعبير عملي وليست نقداً سلبياً؛ إذ تتجاوز النقد السلبي إلى أن تتحول إلى عملية إيجابية خلاقة، تمثل الحركة التي تربط بين التأويل وفهم الماضي والتفكيك ونقد البنيان الجامد، لتؤدي إلى خلق شيء جديد، أو "إزاحة فكرية"، وهي طريقة قادرة على تحقيق النهضة.
المربع الثقافي
يجتهد الزين في نقد العقل الثقافي، ويرتكز في نقده للعقل على الفليسوف الألماني إيمانويل كانط (1972 - 1804م)، الذي جعل العقل هو القاضي والحاكم على ذاته، وهو مفهوم يتجاوزه ويطبقه على العقل الثقافي العربي، بهدف تمحيص أو "غربلة" التراث والتمييز بين الحقيقي من المزيف فيه، ويقترح نموذجاً تحليلياً يطلق عليه "المربع الثقافي" يفكك من خلاله الفكرة الثقافية إلى أربعة أبعاد مترابطة:
- الثقف: نمط اشتغال الفعل البشري وهويته المباشرة، ويمثل الجانب الحركي والعملي في الثقافة.
- الثقاف: نمط رؤية العالم، والقالب الفكري والتربوي الذي يسير وفقه القابل النفسي والعملي للإنسان، ويمثل نمط السلوك والرؤية للذات والوجود.
- الثقافة: المفهوم الأكثر شيوعاً، ويتعلق بالمؤسسات والقوانين الاجتماعية التي تنظم حياة البشر، ويتضمن الفنون والآداب والعلوم.
- المثاقفة: نمط التواصل بين الثقافات وامتدادها، ويمثل الجانب التفاعلي بين الأنا والآخر.
يقول الزين، إن النموذج السابق يمثل نموذجاً تحليلياً متكاملاً، يتجاوز التصورات الأيديولوجية والأنثروبولوجية المعرفية للثقافة؛ كما أن تحقيق النهضة لا يحدث عبر شعارات الهوية والقومية، حيث يرى أنها تمثل "فخاخ تحبس العقل"؛ بل إن طريق النهضة لن يكون إلا عبر الوعي الذاتي بالوضع الحضاري والوجودي، الأمر الذي تحققه دراسة الثقافة بمنهج فلسفي نقدي.
آليات التجديد
يرفض الزين طريقة التفكير التقليدية "الكرونولوجية"، التي تتمثل في النظر للأحداث وفق ترتيبها الزمني؛ ويرى أن منطق المرور بالحداثة، قبل الوصول إلى ما بعد الحداثة، يمثل "منطقاً خطياً" يتبنى فكرة "الواحدة بعد الأخرى"، ويعوق الفكر العربي ويجعله أسيراً للتبعية؛ بينما في "الزمن العولمي"، الراهن، تتداخل الأزمنة وتتواقت الدوائر وتأتي في توقيت واحد، لا سيما أن الحداثة المادية المتمثلة في التكنولوجيا متوافرة في كل مكان، بينما الحداثة الفكرية المتمثلة في التجديد المعرفي والإصلاح الديني والاجتماعي ما تزال تواجه تحديات كبيرة، الأمر الذي يمثل تداخلاً في الأزمان يتطلب فلسفة جديدة للتعامل معه.
والتجديد، وفق الزين، لا يمكن أن يحدث في فراغ؛ كما أنه يتطلب توافر شروط مادية وفكرية لازمة، أهمها آليتان أساسيتان لعملية التجديد هما:
- التعرية: وتعني عزل طبقات الفكر الديني لفهم كيفية تركيبه وتراكمه.
- التبرية: وتعني إضفاء شكل جديد أو صورة أصيلة على هذا الفكر.
التمييز الذي يمارسه الزين، بين "التعرية" و"التبرية"، يوضح منهجه؛ فالتعرية هي نفسها عملية التفكيك التي يمارسها على الفكر الجامد، بينما "التبرية" هي نفسها عملية الإزاحة التي تؤدي إلى خلق الجديد، لا سيما أن التجديد عنده ليس مجرد إصلاح لآلة معطوبة أو محاولة لإعادة إنتاج الماضي، وإنما هو تجديد للعقل نفسه، ما يتيح استكشاف آفاق جديدة من الفكر والفعل.
ثورة فكرية
ينتقد الزين المشاريع النهضوية السابقة، ويصفها بأنها "هامشية"، أو "مهمشة"، لأنها لم تحقق الثورة الفكرية المنشودة في المجتمع، وينتقد الفقه الإسلامي التقليدي ويصفه بالجمود والتصلب وبأنه آلة بلا روح، بينما يرى في الفكر العرفاني والصوفي، خصوصاً عند محيي الدين عربي (1165 - 1240م)، تجربة قائمة على الحوار والمسؤولية الذاتية، لأن التصوف ليس نقيضاً للفلسفة؛ بل هو مكمل لها يوفر صوراً روحانية يمكن تحويلها إلى مفاهيم بنائية. ويرى أن العلوم التقنية، رغم الإنجازات الكبيرة، ما تزال بحاجة ماسة إلى الفلسفة، لا سيما أن العلم المادي التقني يؤدي إلى "فراغ وجودي وأخلاقي"، لا يمكن ملؤه إلا عبر الفكر الفلسفي، الذي يمنح الأدوات اللازمة للتفكير في القضايا الكبرى المتعلقة بالحياة والإنسان، لا سيما القضايا الجديدة والطارئة على الحياة الإنسانية.
ويشدد الزين على ضرورة تعديل الفكر الديني التقليدي المحصور في المؤسسات التقليدية والتقاليد الجامدة، ويسعى إلى إحلال الفكر الروحي مكان الفكر الديني التقليدي الجامد؛ إذ يرى الفكر الروحي بمعنى واسع، يشمل الفنون والموسيقى والجمال والتأمل والأخلاق العملية، فالفكر الروحي "فكر الروح الإنسانية الجامعة" الذي يتيح تعايش الانتماءات الدينية المختلفة، ما يحقق مفهوم "العيش المشترك" كحقيقة ممكنة قائمة على دوافع الاعتراف والتعايش.
وختاماً، يبتكر المفكر الجزائري محمد شوقي الزين، مفاهيم جديدة مثل "الإزاحة"، و"المربع الثقافي"، التي توفر أدوات تحليلية جديدة قادرة على تشخيص وفهم إشكاليات الفكر العربي؛ ويسعى إلى حداثة تتجاهل منطق التقليد والتبعية والمحاكاة، ويشتق مفهوم "تواقت الأزمنة" الذي يتيح للفكر العربي الانخراط في الحداثة وما بعدها وتحقيقها دون تجاهل التراث؛ لا سيما أنه لا يرى التجديد محاولة لإصلاح الماضي، بل هو عملية "تعرية" و"تبرية" للعقل نفسه، تهدف إلى إعادته إلى حالة الإبداع والإنتاج، بدلاً من التكرار والاجترار. كما يُقدم للفكر العربي أدوات نظرية تتيح له تحقيق نهضة حقيقية عبر الوعي الذاتي بالوضع الوجودي والحضاري من خلال فلسفة الثقافة.