محمد حبش:

التجديد الديني عبر الاجتهاد الفقهي

مركز حوار الثقافات

05-12-2024

للإسلام قدرة ذاتية على التجدد والتطور الديني، هذا ما رآه المفكر السوري محمد حبش (1962م)، وهو الأمر الذي حدث باستمرار في فترات تاريخية مختلفة، أهمها في حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، كما يرى أن الإسلام تطور أكثر من مرة وفقاً للاحتياجات الاجتماعية للناس في عهد النبي.

ورغم القدرة الذاتية للإسلام على التجدد، فإن رجال دين وقفوا ضد التجديد بالمرصاد، ورأوا في أي محاولة تجديد أو استخدام للعقل أو الفكر تجاوزاً ضد الدين ذاته، مخالفين في ذلك طبيعة الدين نفسه، فهم فعلوا ما جاء الإسلام لمحاربته في اتباع تقليد الآباء والتزام ما هم عليه.

المفكر السوري "محمد حبش" يعطي للفقيه أهمية كبرى في مشروعه، ويفرقه عن رجل الدين الذي يمارس الوعظ ويدعو للعودة إلى الماضي؛ فالفقيه يجب أن تتسع معارفه وصلاحياته؛ فيجب أن يكون الفقيه على اطلاع بالنصوص الدينية والقانون والعلوم الإنسانية، ليصبح علمه شاملاً يلغي أي اشتباك بين الاجتهاد الديني والعمل القانوني أو المجتمعي. 

وضَمَّن "حبش" مشروعه الفكري في مؤلفاته، التي زادت على الخمسين مؤلفاً، مثل: "النبي الديمقراطي"، و"إسلام بلا عنف"، و"المسلمون وعلوم الحضارة"، و"سيرة رسول الله"، و"المشترك أكثر مما تعتقد"، و"منهج التجديد والإصلاح"، و"المعتمد في أصول الفقه"، "والإسلام والدبلوماسية"، وغيرها. 

 تجدد الإسلام 

يرى "حبش" أن الإسلام قادر على التجدد باستمرار، وشريعته متطورة ومتجددة بشكل دائم، والعالم الإسلامي يمتلك منهجاً قادراً على تطوير الإسلام، وهو منهج قديم ممتد في التاريخ الإسلامي على يد العديد من الخلفاء والفلاسفة والفقهاء؛ في المقابل، فإن معظم رجال الدين وأتباعهم، يرفضون هذا الاتجاه، ويرون في أنفسهم ورثة الأنبياء.

يقول "حبش"، إن الشريعة والفقه الإسلامي يتطوران باستمرار، لا سيما في قطاع المعاملات الفردية والجماعية وتطورات المجتمعات الإسلامية، والفقهاء سواء العاملين في الفقه الإسلامي أو في القانون أو علوم الاجتماع، يقومون بشكل مستمر بتطوير الفقه الإسلامي، وفقاً للتحديات العصرية الجديدة، لا سيما وأن التجديد الديني يحتاج إلى تكاتف رجال الدين والفقه مع رجال القانون ورجال الاجتماع، لتلبية الاحتياجات العصرية للمجتمعات، على أن يطرح رجال الدين فكرة النزاع بين الشرع والقانون التي تقف حائلاً ضد التجديد، حسب قوله.

 رفض التجديد

يوضح "حبش" أن رجال الدين، الذي رفضوا التجديد ووقفوا له بالمرصاد، يرون في محاولات التجديد التي مارسها فقهاء وفلاسفة، تجاوزاً ضد الدين وضد العقيدة والثوابت، فيقتصرون على العمل الديني وفقاً لمصدرين هما الكتاب السنة، ويرفضون أي مصادر أخرى ويشككون فيها، ولا يسمحون بأي إعمال عقلي إلا في تفسير النص الديني، وفق قواعد ثابتة جامدة، ويقتصر الاجتهاد عندهم في قياس المسائل الجديدة على الأحكام الفقهية القديمة، ويرفضون الأدلة والبراهين العقلية التي يقدمها المجددون، بل ويطالبونهم بالتوبة عن "التجديد"، والعودة إلى ما كان عليه السلف، الأمر الذي يقف حائلاً ضد التجديد الديني.

ويذهب "حبش" إلى أن الدول العربية والإسلامية في حاجة ملحة إلى التجديد الديني بشكل عام، وعلى رأسه رؤية متجددة للفقه الإسلامي، تجديد يتميز بتجنب الفتاوى المتشددة والتفكير الاستعلائي، ويقدم خطاباً إسلامياً واقعياً أكثر تسامحاً، ويعطي المجال للخطابات والمشاريع التنويرية، فتَبنِّي مثل هذه المواقف التجديدية والتنويرية أصبح ضرورة من ضرورات العصر الحديث والتطورات المستمرة، حتى يستعيد العالم الإسلامي مكانته في التاريخ وبين الحضارات، حسب قوله.

ويرى "حبش" أن العالم الإسلامي يعاني من وجود فريقين متناقضين ومتصارعين فيما بينهما، ويخوضان معركة صفرية، لا يهتم فصيل فيهما إلا بانتصاره على الفصيل الآخر، وهما:

- أولاً: تيار يقدس الماضي، ويرغب في إعادة المجتمعات العربية لعصور السلف، ويرى في التراث حلاً لكل الإشكاليات، وبالتالي يرفض أي محاولة تجديد أو إعمال عقلي.

- ثانياً: تيار يرفض التراث بشكل كامل ويدعو إلى نبذه، ويراه عبئاً على المجتمعات الإسلامية ويدعو لقطيعته ومغادرته للأبد، لأنه سبب التراجع والجمود والتخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي.

يقول "حبش" إن الصراع بين التيارين السابقين، تيار القديم الرافض لأي تجديد، وتيار التجديد الذي ينبذ أي قديم، يمثل صراعاً وجودياً ويهدف إلى كسب الجماهير، الأمر الذي جعل أصوات الاعتدال والعقل والمنطق خافتة لا يُمكن الاستماع إليها، ما تسبب في انقسام مجتمعي، بما يستلزم العمل المشترك وإعلاء روح التعاون، والاستماع لصوت العقل، للاستفادة من القديم النافع في تنفيذ الجديد الطارئ، حسب قوله.

 فقهاء مجددون 

يفرق "حبش" بين رجل الدين والفقيه؛ فرجل الدين تقتصر مهمته على رواية التاريخ والتراث، ونقل كلام السلف والأولين إلى أسماع الناس، ويهدف بذلك إلى رعاية الأخلاق وتفعيلها، ويرى رجل الدين أن حل المشاكل الدينية يكون بالعودة إلى الماضي، ويستخدم لتحقيق ذلك الرواية عمن سلف، وتنحصر مصادره في الكتاب والسنة فقط؛ بينما الفقيه يهتم بالشريعة وتجديدها واستنباط أحكام جديدة تناسب العصر الحالي ومتطلباته، والفقيه يجب أن يكون دارساً للشريعة الإسلامية ومصادرها ونصوصها، ويتوسع في دراسته إلى القانون بتفريعاته، إضافة للعلوم الحديثة، حتى يتمكن من أدوات الاجتهاد والتجديد، ويتمكن من التجديد الديني والفقهي الذي تحتاجه المجتمعات الإسلامية، حسب قوله. 

ويعتبر "حبش" أن القرآن مدخل للتجديد الديني، ويستشهد بذلك على تطور الإسلام في حياة الرسول عبر الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، والقرآن يمكن من تفعيل آليات التجديد الديني، عبر تعديل الأحكام القديمة وتطويرها واستبدالها، وهي ممارسات يجوز الانطلاق منها وفق القرآن الكريم، ويجب أن تتوفر لأي مشروع تجديدي اجتهادي، كما أنه يُمكن نسخ النص أو تعطيل النص وفقاً للإجماع ولمصلحة الأمة، مثل ما حدث في نصوص ملك اليمين، وفرض الجزية وقتال المشركين، التي بطل العمل بها.

ويوضح "حبش" الآراء المختلفة حول نسخ آيات القرآن وتعطيلها: 

- نسخ القرآن بالقرآن، وهو مذهب أهل السنة.

- نسخ القرآن بالسنة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، ورفضه الشافعي.

- نسخ القرآن بالإجماع، وهو رأي موجود لدى السلف عند العديد منهم، مثل الحافظ ابن عادل الحنبلي وابن حزم الأندلسي وشمس الأئمة السرخسي وسيف الدين الآمدي، وغيرهم، حسب قوله.

 المشاريع النهضوية

يقول "حبش" إن المشاريع النهضوية والتنويرية تواجه عقبات تقف أمامها وتمنع من تطبيقها، ويمكن القضاء عليها عبر خطوات، تتمثل في إلغاء الغلو في اتباع النص الديني، وفتح باب التفاعل معه دون الجمود، وتحديد مقاصد القرآن العليا، التي تمثل جوهر الإنسانية ومبادئه العالمية، والتأكيد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان رجل شورى، تعامل مع الشريعة وغيرها وفقاً لاحتياجات عصره، الأمر الذي ضمنه في كتابه "النبي الديمقراطي"، إضافة إلى تفعيل جهود الفقهاء في تقديم العقل واحترام ما يصلح من النقل، إضافة لإعمال العقل فيما لا يوجد فيه نص، مع التأكيد على قبول الإسلام للتطوير المستمر، حسب قوله.

ويوضح "حبش" أن الإسلام دين رسالته السلام، والقرآن ينقسم في خطابه إلى قسمين؛ الأول يخاطب الفرد، والثاني يخاطب الدولة؛ فآيات الجهاد في القرآن، هي خطاب للدولة وليس للفرد، ما يجعل مسائل الجهاد والحرب والغزو والسلم، هي مسؤولية الدولة وعلى عاتقها، تقرر فيها كيف تشاء وفقاً للمصالح العليا للدولة والمجتمع، وليس وفقاً لفتاوى رجال دين وشيوخ؛ ونصوص القرآن والسنة المتعلقة بالحرب والجهاد، محكومة بمصالح الأمة والعلاقات الدولية، وفق ما تقرره الأمة، الأمر الذي يُسقط ما يُسمى محاولات الجهاد خارج إطار الدولة ضمن التنظيمات الإرهابية أو غيرها، وفقاً له.

ويدعو "حبش" إلى قبول الآخر المختلف مذهبياً أو دينياً، في ضوء من السماحة والقبول التي دعا إليها القرآن صراحة، الذي نص على عدم الإكراه في الدين والعقيدة، وأكدت نصوصه على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ويرفض ما تسوقه الجماعات الإرهابية من مقولات مثل أن "الدين مصحف وسيف"، فيرى أنها مقولة خاطئة، فـ"الدين هو الرحمة والحب ورسالة الإيمان والأخلاق" الذي لا يحتاج إلى سيف لأنه ليس له مكان في المسجد، ومكانه في القضاء، يحكم به القاضي لا الفقيه وينظمه القانون دون الشريعة، حسب قوله.

وينادي "حبش" إلى الإخاء الديني، بديلاً عن حوار الأديان ومقارنتها؛ لأنه لا يمكن تغيير جوهر أو حقيقة أي دين؛ ويتمثل الإخاء الديني في احترام المخالفين دينياً وتقديرهم من القاعدة القرآنية ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، إضافة لإيجاد سلوك اجتماعي بين أصحاب الديانات المختلفة مناهض للكراهية ورفض الآخر؛ فالهدف من الإخاء الديني الذي يدعو إليه المفكر السوري، هو إيجاد إخاء إنساني يُمكن من التعايش المشترك عبر قبول الاختلاف والتنوع، إضافة لإلغاء ما وصفه بـ"عصر التبشير الديني" وإحلال التراحم مكانه، حسب قوله.

 وختاماً، يجتهد "حبش" في مشروعه الفكري لإبراز حقيقة الإسلام القابلة للتطور والتجديد، لتلبية الاحتياجات البشرية في المجتمعات المختلفة، ويبني مشروعه على توضيح حقيقة متمثلة في وجود رجال دين يرفضون حقيقة الإسلام، فيضعون أعينهم على فترة زمنية مضت وولت، غافلين عن الحاضر ومتطلباته، الأمر الذي يجب معالجته والقضاء عليه عبر توضيح حقيقة الإسلام المتطورة التي تلبي حاجات الناس، وإيجاد فقهاء مجددين اهتموا بالعلوم الدينية ودمجوها في العلوم الإنسانية الحديثة والعلوم التقنية، حتى يتمكنوا من القدرة على التجديد الديني، كما أنه وسع في استخدام مصطلح الفقهاء، ليشمل المتخصصين في القانون والعلوم الاجتماعية والإنسانية الذين يعملون على تطوير مجتمعاتهم.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة