محمد أركون نموذجاً:

رؤية في إعادة تأسيس مفهوم جديد للدين

مركز حوار الثقافات

26-11-2025

انشغل محمد أركون بمهمة فكرية معقدة، قوامها مساءلة العقل الإسلامي في أسسه ومنطلقاته، قبل أن يسعى إلى تفكيك مفاهيم الاجتهاد والثقافة والمعرفة والحداثة وما بعدها، ضمن أفق نقدي يتجاوز التكرار التفسيري الموروث، مستنداً إلى أدوات أنثروبولوجية وإبستمولوجية، جعلها مدخلاً لفهم التراث الإسلامي من داخله، بغية نزع "الميثولوجي" عن الوعي الديني، وكشف البنية الرمزية التي أحاطت بالنص المقدس عبر القرون الفائتة. 

من خلال منهجه "التفكيكي-التركيبي"، حاول أركون زحزحة السلطة المعرفية للتراث، التي استحالت إلى قيدٍ على المخيلة الإسلامية، حسب توصيفه، ساعياً إلى بناء أفقٍ بديل أكثر انفتاحاً وقدرة على تجاوز الأنساق المغلقة التي تشكّلت في العصور الوسطى واستمرت في تشكيل الوعي الجمعي المسلم إلى اليوم.

الانكسار التاريخي

ويتبدّى مأزق الحركات السلفية الماضوية، في ضوء طرح أركون، بوصفه نتاجاً لقطيعة معرفية عميقة أصابت العقل الإسلامي منذ القرن الخامس عشر، حين تلاشى الأفق الإبداعي وتراجعت الدينامية الحضارية إلى الانزواء والكمون داخل فضاء من الانكفاء والانغلاق. وعليه، انقلب الفعل الديني، في ظل هذا التحول، من كونه ممارسة معرفية تأويلية منفتحة، إلى بنية مغلقة تستبطن التكرار والتجزئة، ما جعل الإسلام المعاصر امتداداً مترهلاً لإسلام عصور الانحطاط، مثقلاً بتراث الجمود ومحدودية الخيال الفكري. 

ومن هذا المنظور، يرى أركون أنّ الفراغ الذي خلفه انحسار الفكر النقدي الذي بلوره مفكرون من طراز فخر الدين الرازي، والآمدي، وابن خلدون، ملأته حركات دينية وشبه سياسية -كالمرابطين والموحّدين- أعادت إنتاج المقدّس في بعده السلطوي، فحوّلت الدين من مجالٍ لإعمال العقل والاجتهاد إلى منظومة طاعة وهيمنة، مما أدّى إلى تعطيل السيرورة التاريخية للعقل الإسلامي، وتحويله من فاعلٍ منتج إلى كيانٍ مأسورٍ في ماضيه (أركون، 1995).

وعليه، فإنّ القطيعة المعرفية التي انحدر إليها العالم الإسلامي، مثّلت لحظة "انكسار تاريخي" عميق؛ إذ وقفت جدلية الزمن عند تخوم العصور الوسطى، وجمّدت معها دينامية الفكر وممكنات التجدد المعرفي، حيث تحوّل الوعي، في ظل هذه القطيعة، من فاعلٍ في التاريخ إلى كيانٍ ساكنٍ خارجه، فانكفأت المحاولات الفكرية على ذاتها، وتصلبت بنيتها حتى غدت عاجزة عن إنتاج مفاهيم جديدة، أو استيعاب التحولات الكبرى في العلم والمعرفة.

إشكالية المعصومية

لعل أبرز المحطات الفكرية عند أركون كانت تفكيك فكرة "المعصومية"، التي أُسبغت على المفسّرين والأئمة، معتبراً إياها أحد أهم مرتكزات إنتاج العقل الجمعي الخاضع والمستسلم، لما أدت إليه من تشكّل ثنائية سلطوية بعد وفاة النبي، تمثّلت في العلماء ضمن المجال السني، والأئمة ضمن المجال الشيعي؛ فقد احتكر الطرفان سلطة التأويل والتفسير بوصفهما وحدهما المخوّلين بفهم النص القرآني وتفسيره، أي بإنتاج تأويلات معصومة لا يجوز المساس بها. وهكذا تحوّل الوحي إلى مؤسسة معرفية مغلقة، تكرّس علاقة جامدة مع الغيب، وتُنتج قداسة متوارثة تحول دون ظهور الفكر النقدي الحر. 

ومن هذا المنطلق، يرى أركون أنّ تجاوز هذا المأزق يقتضي مراجعة جذرية شاملة، لكل البنى المذهبية والأنساق الدينية، بما فيها مفاهيم الوحي، التي أرساها العقل السلفي عبر القرون؛ إذ لا بد من إعادة النظر في هذه المنظومة، بوصفها نتاجاً بشرياً قابلاً للمساءلة والتحويل، بما يسمح بإعادة تأسيس مفهوم جديد للدين، يقوم على الفعل الإنساني الحرّ والانفتاح على أفقٍ معرفي متجدد (أركون، 1995).

وبالتالي، فإنّ أركون يرى أنّ الشرط الجوهري لأي نهضة فكرية، يكمن في ممارسة نقدٍ تاريخي ولاهوتي وفلسفي شامل لما يسميه "الأرثوذكسيات الإسلامية" على اختلاف أشكالها وتجلياتها (أركون، 1995)؛ وذلك تمهيداً للانتقال من طور الفكر الدوجمائي الجامد والمنغلق، إلى أفقٍ جديد يتسم بالفهم الحديث والمنفتح على الظاهرة الدينية، في تعددها وتاريخيتها وتجلياتها المختلفة.

الديني والسياسي

انطلاقاً من ذلك، يرى أركون أنّه من الضروري، بل من الحتمي، مواجهة "العقل اللاهوتي" الذي كرّس هيمنته على البنية المعرفية في الفكر الإسلامي عبر قرون طويلة، حتى غدا مرجعية كلية تتحكم في إنتاج المعنى وتوجيه الوعي. فهذا العقل، في نظره، لم يكتفِ بإخضاع التأويل الديني لسلطته؛ بل تمدد ليشمل جميع أنماط المعرفة ومختلف مستوياتها، مُسوِّغاً بذلك لطبقةٍ من الكهنوت الديني احتكار الحق في إصدار الأحكام الأخلاقية والتشريعية، باعتبارها التعبير الأوحد عن إرادة السماء. 

وبهذا المسار، تمكّن هؤلاء من تحويل تلك الأحكام إلى بنية ذهنية مغلقة، يتعامل معها الأفراد كما لو كانت تجسيداً مباشراً لمشيئة الله؛ في حين أنّها، حسب أركون، ليست سوى نتاجٍ تاريخيٍّ مشروطٍ بثقافة زمنها. ومن هنا، فإنّ الفكر اللاهوتي، عبر ادعائه تمثيل المطلق، استطاع أن يرسم حدود الفعل الإنساني ويقيد حركته ضمن منظومة من "الأسس الإلهية" المفترضة، التي تحدد ما ينبغي وما لا ينبغي، لتظل الذات المؤمنة أسيرة خطابٍ يختزل الإلهي في البشري، ويُفرغ التجربة الدينية من بعدها الإنساني الحرّ والإبداعي (أركون، 2001). 

وعليه، كان خضوع العامل الديني لسلطة العامل السياسي منذ التجربة الأموية، وما صاحب ذلك من "أدلجةٍ للإسلام"، يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الوعي الإسلامي. فبعد وفاة النبي، لم يعد الدين يمتلك الشروط الرمزية والسياسية الفريدة التي اتسم بها في بداياته؛ إذ انقطعت الصلة العضوية بين الترميز الديني والممارسة السياسية، وتحوّل الإسلام من تجربة روحية حية إلى منظومة تُستثمر لخدمة السلطة. 

فالنبي محمد، حسب أركون، كان يجسد في حياته تكامل الفعلين: السياسي والرمزي، بحيث إنّ كل قرارٍ يتخذه في المجال السياسي أو القضائي كان يجد تسويغه ومعناه ضمن العلاقة الوجودية المباشرة مع الله، أي ضمن فضاء يتعانق فيه المقدس والإنساني في وحدةٍ دلاليةٍ متماسكة. غير أنّ هذه البنية انحلت بعد رحيله، حين بدأت عملية تحويل الديني إلى أداةٍ سياسية، فانفصلت الرمزية الدينية عن بعدها الغائي الأول، وأُخضعت لمنطق الهيمنة، لتصبح الشرعية الدينية غطاءً لأهداف دنيوية، لا امتداداً لتجربة الوحي في بعدها الأخلاقي والأنطولوجي (أركون، 1993).

التراث والحداثة

ووجه أركون نقداً حاداً لهيمنة الفكر الديني القروسيطي على البنية الثقافية العربية الإسلامية، ذلك الفكر الذي يقوم على السرد والتكرار والتجميع، لا على الإبداع والتحليل النقدي. ويرى أنّ هذه السيطرة أفرغت الثقافة الإسلامية من بعدها الفلسفي والعلمي، فغابت عنها القدرة على تطوير أدواتها المعرفية؛ وانغلق العقل الإسلامي في دائرة ضيقة تتمثل في استنباط الأحكام من النص المؤسِّس (القرآن)، ومحاولة إسقاطها على الواقع دون مساءلة تاريخية أو تحليل سياقي. وقد أدى هذا إلى تنميط الفاعلية العقلية داخل آلية إنتاج النصوص وتكرارها، مما عطّل إمكان التفكير التجديدي الحر. 

ومن هنا، يثور أركون على هذا النسق المغلق، ساعياً إلى تأسيس بديل فكري يعيد للعقل العربي والإسلامي فاعليته التاريخية، وذلك من خلال قراءة نقدية لماضيه وحاضره، انطلاقاً من خطابات المجتمعات الإسلامية وحاجاتها الراهنة، أي من الواقع الاجتماعي والثقافي المعيش، لا من سلطة التراث المتكلّس. ويدعو إلى تجاوز السياج الدوغمائي عبر انخراط معرفي كامل في مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، بوصفها الأداة الأقدر على تفكيك بنى الوعي التراثي وكشف آلياته الداخلية. 

فالتراث، في نظره، ليس معطى فكرياً مكتفياً بذاته، بل بناء تاريخي مشروط بظروفه وسياقاته، ولا يمكن توظيفه في الحاضر ما لم يُعد التفكير فيه نقدياً، لأنّ استحضاره في صورته الماضوية لم يعد صالحاً لمواجهة أزمات الواقع الفكري المعاصر (أركون، 1993)؛ بكل ما يعنيه ذلك من تفكيك لمنظومة "القوننة والتبجيل" التي أضفى رجال الدين عليها هالة من القداسة، بهدف استعادة التاريخية إلى المجال الديني، وتحقيق مصالحة حقيقية بين العقل المسلم والزمان، عبر نزع الطابع المطلق عمّا هو بشري وتاريخي.

وهكذا، سعى أركون بعد تفكيك البنى التراثية إلى تأسيس موقفٍ إشكالي، يتمحور حول العلاقة بين التراث والحداثة، محاولاً تجاوزها عبر إرساء "وعيٍ تاريخي" بديل عن التفسيرات اللاهوتية والميثولوجية؛ لافتاً إلى أنّ المنهج التاريخي، القائم على فحص المعطيات بدقة، هو ما يمنح الفكر العربي الإسلامي بعده العلمي. وفي هذا الإطار، يميّز أركون بين "الحداثة" بوصفها موقفاً للروح إزاء المعرفة يتجاوز حدود الزمن، و"التحديث" بوصفه محاكاة آلية للنموذج الغربي تفتقر إلى الإبداع والتأصيل (شعلان، 2006).

وعليه، ووفقاً لهذه الرؤية، يغدو الخلاص من أسر الدوائر اللاهوتية المغلقة ممكناً، عبر تجاوز منطق الانتماء إلى دائرة أوسع نحو أفقٍ مغايرٍ تماماً؛ إذ يتحرر الفكر من كل هندسةٍ لاهوتيةٍ تحدّ من حركته أو تصادر إمكانه. وفي هذا الفضاء المفتوح، يصبح العقل البشري الحرّ، المطلق الإرادة، والمتشكل تاريخياً هو المرجعية الأولى للإنسانية، لا بوصفه نقيضاً للوحي أو الغيب، ولكن باعتباره الوعي القادر على إنتاج المعنى في الزمن ومن خلاله. ومن ثَمّ، فإن أي قطيعة بين العقل والزمن ليست سوى انتحارٍ معرفيٍّ وروحيٍّ، لأنّها تمثل انفصال الوعي عن شروط تشكّله، وارتداد الفكر عن سيرورته التاريخية التي هي جوهر وجوده ذاته.

 

الهوامش

- محمد أركون (1995)، الإسلام، أوروبا، الغرب، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت. 

- محمد أركون (2001)، معارك من أجل الأنسنة، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت.

- محمد أركون (1993)، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر. 

- عبد الوهاب شعلان (2006)، إشكاليات الفكر العربي المعاصر في أطروحات أركون، الجابري، العروي، حسن حنفي، علي حرب، مكتبة الآداب، القاهرة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة