محمد أركون:

من النقد التاريخي إلى الفعل الواعي

مركز حوار الثقافات

04-12-2024

المشروع الحداثي عند المفكر الجزائري محمد أركون (1928-2010م)، مشروع نقدي بامتياز؛ إذ تضمن نقد التراث الإسلامي العربي، محاولاً تفكيكه لفهمه ومعرفة الحقيقة فيه، واستخدم في ذلك المنهج التاريخي، الذي توصل من خلاله إلى نقاط القوة في التراث الإسلامي، لا سيما في القرون الأربعة الهجرية الأولى، ثم ما تلاها من مراحل جمود وتخلف أوصلت العالم الإسلامي إلى المأزق الحضاري الراهن، إضافة لنقده العقل العربي في العصر الحالي، ونقد الحداثة والحضارة الغربية.

حاول "أركون"، الذي شغل منصب أستاذ التاريخ والفلسفة والفكر الإسلامي في جامعة السوربون، الوصولَ إلى حداثة عربية تتسم بالعالمية، قوامها النزعة الإنسانية التي تشمل كل أفراد الجنس البشري، في نظرة انفتاحية منه، طبقها في مشروعه الحداثي، فلا يُمكن تحقيق أي مشروع حداثي بالانغلاق الذاتي بعيداً عن الحضارات العالمية والإنسانية، بل يجب الانفتاح على الآخر والاستفادة منه، الأمر الذي أثبت التاريخ صحته عبر تناوب الاستفادة في الحضارات اللاحقة على السابقة. 

النزعة الإنسانية 

ينطلق "أركون" في مشروعه الفكري من الإنسانية، أو ما أطلق عليها "الأنسنة"، التي تتمثل في احترام الإنسان بذاته لأنه مركز الكون ومحوره، ويقصد بالنزعة الإنسانية انتشار العقلانية ضد الجهل والتخلف، فيما يحدد فئة الإنسانية أنها تشمل جميع أفراد الجنس البشري دون استثناء، ويضع عوامل لنجاح النزعة الإنسانية وعقلانيتها، لا يعتمد فيها على التقدم التقني أو الاقتصادي فقط، بل يدعو إلى إعمال الجانب الروحي الذي أسهمت فيه الأديان والثورات الإنسانية الكبرى، حسب قوله.

الإنسية العربية 

يرصد "أركون" في التراث الإسلامي نزعة إنسانية كبيرة وصفها بـ"الإنسية العربية"، ويرى أنها كانت متوفرة لا سيما في الفكر الفلسفي الإسلامي، وخصص لها مؤلفه الشهير "نزعة الأنسنة في الفكر العربي"، فهي نزعة لا تتعارض مع الإسلام، وانتشرت في مرحلة ازدهار التراث الإسلامي، لا سيما في القرن الرابع الهجري على يد أحمد بن يعقوب مسكويه، وأبي حيان التوحيدي، لكنها تراجعت بعد ذلك بسبب الجمود وتراجع مناهج التفكير عند رجال الدين، الذين فرضوا إطاراً لاهوتياً شديد الانغلاق على التفكير، ما جعل المفكر الجزائري يرى أن "العالم الإسلامي تحرر من الاستعمار لكنه لم يتحرر من جمود الفكر"، حسب قوله.

المنهج التاريخي 

في محاولة للوصول إلى الحداثة العربية، استخدم "أركون" المنهج التاريخي لفهم التراث؛ إذ يرى أنه يجب دراسة التراث، وما اشتمل عليه من عقائد دينية وفهم بشري لها، وفقاً للمنهج التاريخي الذي يسعى إلى فهم الأحداث، منطلقاً من نقد عقلي يحاول فهم الحقيقة، ويرى في التاريخ مراحل يجب أن تفهم بدقة كل على حدة؛ إذ إن كل مرحلة لها خصوصيتها ولها ما يناسبها من قوانين، قد يصلح بعضها مع مراحل أخرى أو لا يصلح، فقوانين التاريخ عنده قد تكون صارمة وقد تكون نسبية، حسب قوله.

العلمانية المنفتحة 

ينادي "أركون" بالعلمانية، التي هي مبدأ هام وضروري لأي مشروع حداثي في العالم العربي، لا سيما وقدرتها على تخليص المجتمع العربي من سيطرة رجال الدين، ويُعرّف العلمانية بأنها "نضال للروح لامتلاك الحقيقة والتوصل إليها"، وهي ليست أيديولوجيا، بل هي طريقة للفكر والحكم؛ ويقسم العلمانية إلى قسمين:

- العلمانية المغلقة التي أقصت الدين بشكل كامل عن حياة الناس، فهي بذلك خطاب منغلق لا يقل خطره على حرية الفكر والإبداع عن الداعين للجمود والتقليد.

- العلمانية المنفتحة المتوافقة مع الدين، لا سيما الدين الإسلامي، التي كانت موجودة في التراث في القرون الهجرية الأربعة الأولى، فتمكنت من الخروج عن قيود التدين إلى حرية الفكر، حسب قوله.

ويُشدد المفكر الجزائري على أهمية العلمنة التي لا تُقصي الدين، وتضعه في نصابه الحقيقي بعيداً عن سيطرة رجال الدين الكهنوتية، وتساعد على إعمال الفكر وحرية الإبداع، باعتبارها وسيلة لتحقيق أي مشروع حداثي.

التفكير الأسطوري 

يرفض "أركون" التفكير الأسطوري الذي اتسم به التراث الإسلامي، وامتدت آثاره حتى العصر الحالي في الوعي العربي، أو في مكونات العقلية العربية اللا واعية، ويدعو إلى طرح هذا التفكير وآفته الرئيسية التي حددها باتباع أفكار وآراء الآباء والأجداد، أو "هذا ما وجدنا عليه آباءنا"، ويدعو إلى إعمال الفكر العلمي والعقلي في الحياة العربية، وطرح ما حصل في التراث، لا سيما الممارسات التي دخلت على الإسلام وأصبحت من المقدسات، سواء بالدراسة التاريخية الواعية التي تبحث عن الحقيقة والفهم أو عبر النقد العقلي، حسب قوله.

ويُعلل "أركون" تخلف التراث الإسلامي، وجمود العقل العربي، بانتشار مدرسة أهل الحديث، ضد علم الكلام، لا سيما المعتزلة؛ ثم المحاربة الشرسة التي واجهها الفلاسفة المسلمون، الأمر الذي تسبب في جمود الفكر وانحساره في تفسيرات دينية تراثية دون إعمال العقل، مع غلق باب الاجتهاد العقلي، الأمر الذي أصاب الفكر الإسلامي بحالة من الجمود والسكون، والدوران في دائرة القياس في الأمور الحديثة على النص الفقهي والمعرفي القديم. 

ويرى "أركون" أن العقل الإسلامي عانى من قطيعتين معرفيتين أضرتا به أشد الضرر:

- القطيعة الأولى، قطيعة تراثية مع القرن الرابع الهجري، وما اتسم به من انتشار فلسفي عقلي، ومذاهب كلامية عقلية، أو حسب وصفه "مرحلة العقلانية الإسلامية"، التي أتاحت حرية الفكر والإبداع والنقاش، ولكنها تراجعت بسبب سيطرة رجال الدين ومحاربتهم حرية الإبداع والفكر.

- القطيعة الثانية، مع ما أنتجته الحضارة الغربية من حداثة بدأت في القرن السادس عشر، وأسفرت عن مناهج علمية جديدة وعلوم إنسانية وتقنية وتكنولوجية واختراعات، حسب قوله.

ويطالب المفكر الجزائري بالعمل المزدوج لاستعادة العقلانية الإسلامية المهجورة منذ القرن الرابع الهجري؛ إضافة إلى استدراك ما فات العالم الإسلامي من حداثة أنتجتها الحضارة الغربية، وما تمثلت فيه من مناهج علمية وإنسانية واختراعات وإبداعات حضارية جديدة غربية.

معوقات الحداثة

يوجد العديد من العراقيل التي تقف حائلاً ضد أي مشروع حداثة في العالم العربي، يحددها "أركون" في: 

- إقصاء الفلسفة، حيث إن مواجهة الفلسفة وإقصاءها سواء في التراث أو في العصر الحالي، وما تحققه الفلسفة من وعي عقلي يمكن من تجاوز الانقسامات المجتمعية والدينية والسياسية، عائق كبير ضد أي مشروع حداثي.

- التخلف العلمي وتجاهل المناهج العلمية والعلوم الإنسانية والتقنية والاختراعات الحديثة.

- تجاهل الجانب الروحي للحداثة، والاكتفاء بالجانب المادي، الأمر الذي تسببه العلمانية المنغلقة التي تعزل الدين بشكل كامل عن الحياة.

- غياب العقلية النقدية ونقد الذات العربية التراثية والمعاصرة.

يقول "أركون" إن مواجهة العراقيل السابقة التي تقف دون أي مشروع حداثي، ومحاربتها والقضاء عليها، تمكن بسهولة من تحقيق الحداثة العربية.

ويدعو "أركون" إلى تفكيك التراث عبر إعادة قراءته قراءة حديثة، للوقوف على نقاط القوة والعقلانية به، للعمل بها وتطويرها؛ إضافة إلى معرفة نقاط الضعف التي تمثل الجمود والتخلف والسيطرة الفكرية ضد حرية الرأي والتفكير، لتفاديها والقضاء على تأثيراتها المستمرة في العصر الحالي، للوصول إلى قراءة حداثية للتراث، مع أهمية التوجيه الصحيح للدين ليكون "طريقاً إلى الله وليس لتكبيل الإنسان في منظومة بشرية تدعي فهم الدين"، لا سيما وأن التراث ممتد ومؤثر في الوعي العربي وفي الوجدان واللا وعي، حسب قوله.

المشروع الحداثي

الحداثة عند "أركون" تمثل مشروعاً فكرياً منفتحاً يرفض الانغلاق الذاتي والتراثي، ويرفض التجنيب والاستبعاد، فلا يجب تجاهل المنجزات الحضارية الغربية في المشروع الحداثي العربي، بل يجب الاستفادة منها، لأن الحضارات الإنسانية تستفيد من بعضها، ففي التاريخ استقت الحضارة اليونانية منابعها من الحضارات الشرقية كالحضارة المصرية القديمة وغيرها، واستفاد العالم الإسلامي من الفلسفة والحضارة اليونانية، واستفاد الغرب من عقلانية الفيلسوف المسلم ابن رشد؛ إذ يجب فهم الآخر ومعرفته حتى يُمكن معرفة الأنا وإمكانياتها، حسب قوله.

ويُعلي "أركون" في مشروعه الحداثي من المنهج النقدي، الذي يمكن اعتباره عموداً رئيسياً في المشروع الحداثي عنده، فيهتم بالنقد التاريخي والنقد الفكري، ولا يقتصر النقد العقلي عنده على العقلية العربية والتراث، بل يتجاوزهما إلى نقد الحداثة الغربية وحضارتها؛ فعلى سبيل المثال، ينتقد ما تسبب فيه الفكر الديكارتي من مركزية الذات واعتمادها في الحكم على نفسها دون الأشياء الخارجة عنها، وينتقد العلمانية التي انتشرت في القرن التاسع عشر في الغرب، التي ألغت الجانب الروحي بشكل كامل وانغلقت على نفسها فتحولت من منهج عقلي إلى أيديولوجيا يقينية منغلقة، كما ينتقد الاستشراق وما أنتجه من نظر إلى التراث والعالم الإسلامي، في اعتماده نظرة مادية جامدة تجاهلت الجانب الروحي والإيماني في التراث الإسلامي، إضافة إلى نظرة الاستشراق الاستعلائية للعالم الإسلامي.

وختاماً، تتمثل الحداثة عند المفكر والمؤرخ الجزائري، محمد أركون، في الانتقال من النقد العقلي والتاريخي إلى الفعل الواعي للذات والمنفتح على الآخر، تمازج بين الجانب المادي والجانب الروحي، وتستخدم في ذلك العلمانية المنفتحة التي تقبل الدين والجانب الروحي ولا ترفضه أو تقصيه، فيسود الجانب المادي دون الوجود الروحي.

إن الإشكاليات الحديثة التي يواجهها العالم العربي تحتاج -حسب "أركون"- إلى عقلية تخلصت من العيوب التراثية السائدة والممتدة، واستفادت بمراحل القوة العقلية في التراث، دون أن تنغلق على هويتها الذاتية وترفض المستجدات الحضارية وبما يتناسب مع الإسلام.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة