يحاول المفكر اللبناني كمال اليازجي (1904-2000م)، عبر مشروعه الفكري، تحقيق وحدة معرفية وأخلاقية شاملة؛ ويرتكز إلى دعوة وجودية لتحقيق "الوعي الكوني"، كهدف يستلزم التوفيق بين نطاقات الفكر الإنساني المتعددة، كالدين والفلسفة والعلم. ويستند إلى إتقان تاريخي عميق للفكر العربي في عصوره الذهبية، ما مكنه من صياغة رؤية نقدية متكاملة تتناول التراث برؤية تحليلية، وتنتقد الفكر المعاصر التابع، وتقدم مساراً تطبيقياً للتحرر العقلي والأخلاقي.
اليازجي، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، ومارس العمل الأكاديمي في الجامعة الأمريكية ببيروت وجامعات أخرى، يتميز إنتاجه الفكري بالصرامة المنهجية والشمولية الموضوعية، وقد ضمن مشروعه الفكري في عديد من مؤلفاته: "معالم الفكر العربي"، و"تراث العرب في العلم والفلسفة"، و"الموجز في مسائل الفلسفة الإسلامية"، و"في الشعر العربي القديم"، و"أعلام الفلسفة العربية"، و"تاريخ الفلسفة الإسلامية"، وغيرها؛ إضافة إلى عديد من الدراسات الأكاديمية والأبحاث الفكرية.
النطاقات المعرفية
يرى اليازجي أن الغاية الأسمى والمغزى الحقيقي لوجود الإنسان، يكمن في الوصول إلى حالة الوعي، الذي يراه مفهوماً شاملاً يتكامل في مكونات ثلاثة أساسية: "المعرفة والمحبة والفضيلة". ويؤكد أن الوصول إلى الكمال والإبداع، سواء في العلم أو في أي مجال آخر، لا يتحقق إلا في عقل يركز طاقته الفكرية على موضوع البحث، ويحيا ضمن وسط نفسي هادئ ومستقر لا تشوبه الانفعالات والانشغالات؛ فالوعي، بالنسبة له، السبيل لتحقيق المثال الإنساني الذي يتسامى على نحو دائم.
ويتبنى اليازجي مبدأ التوحيد بين النطاقات المعرفية الكبرى، التي دائماً ما يُنظر إليها تقليدياً على أنها متنافرة، وتتمثل في: الدين، الذي يجب فهمه بمفهومه الروحي العميق؛ والفلسفة، التي يجب الأخذ بها بمفهومها الإنساني والمثالي؛ والعلم، الذي يجب اعتماده بمفهومه النظري والطبيعي والكوني.
ويسعى اليازجي إلى تأسيس وحدة تأليفية بين المجالات الثلاثة السابقة، بشرط أن يؤكد هذا التأليف الثلاثي وجود "وحدة ضمنية وشاملة تجمع العقول البشرية في حقيقة واحدة"، الأمر الذي يُعد رداً فلسفياً على التفتت المعرفي الذي تعاني منه الحضارة المعاصرة، لا سيما أنه يرى أن الحقيقة واحدة لا تتجزأ، وأن المسارات المتعددة يجب أن تلتقي عند نقطة الوعي والكمال.
النهضة الفكرية
يؤسس اليازجي مشروعاً أخلاقياً وفق مبدأ "محبة الإنسانية جمعاء، بصرف النظر عن الجنس واللون والعنصر والمعتقد"، ما يمثل ركناً أساسياً يترجم فلسفته الواحدية للوجود إلى المنظور الأخلاقي؛ ويرى أن التنوع البشري والفكري لا يشير إلى التناقض، ولكن يؤكد التكامل. ويذهب إلى أن "المحبة للإنسانية" في تنوعها تحث على تجاوز كل ما يُعتبر عائقاً أو حاجزاً يحول عن الآخر.
وهو يستخدم النقد الذاتي بشكل جذري، ويعبر عنه بمقولته: "فإن كنت أعتبر غيري عبداً، فأنا عبد مثله في مجالات عديدة، وإن كنت أعتبره زنجياً، فأنا أكثر سواداً منه في داخلي"؛ مشدداً على أن النقص الذي يُشاهد في الآخر، هو انعكاس لنقص أعمق في الذات. لذلك، يؤكد أن الإنسان الذي يكره غيره يكره المطلق، الذي هو الخير المطلق والمعرفة والحقيقة والكمال والوعي الكوني.
ويمارس اليازجي النقد الفلسفي على التراث الفكري العربي، ويستخدم منهجاً تاريخياً تحليلياً دقيقاً، يركز فيه على الآليات الداخلية للنهضة الفكرية؛ ويوضح أن العصر العباسي كان "العصر الذهبي للحياة الفكرية"، التي ازدهرت بسبب التمازج بين ثقافات متعددة؛ إذ شهدت المرحلة العباسية تطوراً ودراسة لعلوم الأعاجم والعناية بها ونقلها، فاستوعبت الحضارة العربية العلوم العقلية، وتجاوزتها إلى إنتاج معرفة علمية حضارية خاصة بها، آنذاك.
وينتقل اليازجي إلى نقد الفكر العربي المعاصر، ويشدد على أن التفكير المعاصر يتطلب من العقل العربي أن يكون قادراً على خلق المفاهيم، التي تترجم القيم العربية ترجمة قابلة لمواكبة العصر؛ ويرى أن محاولة نقل الحداثة الغربية كوحدة مستوردة، لم تلتفت إلى الخصوصية العربية وتجاهلت الفروقات التاريخية والجغرافية، ولم تنجح في تحقيق حداثة عربية، أو "قفزات نهضوية"، بسبب التحديات التي نتجت عن "سوء استعمال معطيات الحداثة وإهمال الخلفيات الواقعية والروحية للمجتمع العربي".
المشاركة الوجودية
يتجاوز التفكير الفلسفي عند اليازجي التنظير والتأريخ المعرفي؛ إذ يقدم رؤية عملية لتطبيق الوحدة الفكرية في الحياة اليومية، ما يمثل رداً وجودياً على تفتت الإنسان المعاصر الناتج عن النقل الأعمى للحداثة. فيرى أن الأطروحات القديمة أثْرت جوانب الإدراك للقضايا الإنسانية، لكن الحداثة تحتاج إلى رؤية استشرافية تأخذ في الاعتبار خصوصيات مختلفة وظروفاً جديدة، فيما يمثل رفضه للتناقض، وإصراره على التكامل المعرفي والوجودي، نقداً جوهرياً للحداثة المادية التي تفصل بين العقل والروح.
إذ تهدف رؤيته إلى بناء "الإنسان الكلي/الكامل"، الأمر الذي يتطلب تزويد الإنسان بفاعلية تطوير الذات حتى يمكن "تساوقه وانسجامه" مع نفسه، ومع الحياة والطبيعة ومع الكون، لا سيما أن مشروعه التأليفي لتوحيد الدين والفلسفة والعلم، يعد محاولة لإخراج مفهوم التطور من القولبة المادية الجامدة، وتوجيهه نحو حداثة تتناغم مع الوعي الروحي والأخلاقي، لإصلاح منهجية التناول الفكري وليس رفض التقدم.
يدعو اليازجي إلى "مشاركة وجودية حقيقية"، فاجتماعية الإنسان لا تنفصل عن إنسانيته، وتحقيق الذات يمر عبر التفاعل الواعي مع الآخرين؛ محاولاً بذلك تدشين مبدأ "التصوف العقلي"، الذي يقوم على مبدأ التركيز الداخلي، خاصة أن الإبداع العقلي يحتاج إلى عقل يركز كل طاقته الفكرية، ويتطلب أن يحيا العقل في وسط نفسي هادئ ومستقر، ما يمثل دعوة لربط الفكر الروحي بالفاعلية العقلية والاجتماعية.
ويقدم مكونات خمسة للحياة المتوازنة، و"المشاركة الوجودية"، لا يمكن فصلها عن بعضها.
- اللقاء بالآخرين: يُعد الآخرون انعكاساً للذات، كما أن الذات تمثل انعكاساً لهم، بشرط أن يكون اللقاء اجتماعاً حقيقياً وتفاعلاً واعياً.
- التأمل بأنواعه: يشير التأمل إلى التعمق في الموضوع، سواء كان في القراءة أو المشاهدة أو السمع، ما يفتح الباب على مشاركة وجدانية في جوهر العالم، تفتح الحواس الباطنة على عوالم نفسية وروحية تتعالى على العالم المادي.
- تذوق الفنون: يرى أهمية خاصة في الاستماع إلى الموسيقى الراقية، وعلى رأسها الموسيقى الكلاسيكية، لأنها تزيد الإحساس بجمال الأشياء وبعمقها الخفي.
- العمل الاجتماعي: يؤكد ضرورة المشاركة الفاعلة في الحياة اليومية والاقتصادية للمجتمع، ما يضمن ألا تكون الفلسفة بمعزل عن الواقع المعيش.
- القراءة: وهي أداة لتوسيع الآفاق وشحذ العقول، وتهيئتها لتلقي المعرفة الحقيقية والتعبير عنها.
ويشدد على أهمية أن يصبح الإنسان تجسيداً حياً لأفكاره؛ إذ لا يمكن الانفصال عن الشخصية المفكرة وأفكارها، سواء على المستوى النخبوي أو المستوى الجماهيري.
وختاماً، يمثل المشروع الفكري لكمال اليازجي محاولة فلسفية أخلاقية استثنائية في الفكر العربي المعاصر، تهدف إلى معالجة أزمة الانقسام والتجزئة المعرفية التي فرضتها الحداثة التابعة، واستخدم هذا الفهم المعرفي في تأسيس مشروع وجودي مركزي يدعو إلى تحقيق "الوعي الكوني"، الذي تتكامل فيه المعرفة والمحبة والفضيلة، كما ينادي بالتوحيد التأليفي بين الدين والفلسفة والعلم، الأمر الذي يمكن من خلاله تحويل التنوع الإنساني من التناقض إلى دليل على التكامل.