قلق في العقيدة:

شرائع الحرية بديلاً للخوف والعنف

مركز حوار الثقافات

26-11-2024

يحاول الكاتب المغربي الدكتور سعيد ناشيد عبر مؤلَّفه "قلق في العقيدة"، الصادرة طبعته الأولى عن دار الطليعة ببيروت، عام 2011، أن يُعيد النظر في علاقة الإنسان والذات بالعقيدة والأديان، ويود أن يصوغ تصوُّراً تجديدياً وإصلاحياً تجاه الدين، متجاوزاً التصوُّرات التقليدية؛ كما يولي اهتماماً بالإنسان في وجوديته وعيشه اليومي، وكونه مُحباً وعاشقاً أكثر من الإنسان الذي تكبِّلُه النصوص والإطارات المعرفية القديمة وكونه عبداً محاصراً.

ومن المحبة تلك، يبدأ الكاتب تقديم كتابه من خلال عبارة "يجدر بنا أن نحب الله، وجدير بالله أن نحبه"، إلا أنه يستدرك ملتفتاً إلى الخطاب الديني فيقول إن الخطاب الديني والعقل الديني والسلطة الدينية وكل تجار الدين وأحزابه وحُرَّاسه يطلبون منا خلاف المحبة، يطلبون أن "نخاف" الله، حسب قوله.

حوار النفس

وينطلق ناشيد إلى التحاور مع نفسه، ومع إلهه، فيقول إن المسلم "لا ينتمي إلى تعاليم خاصة أو تقاليد مخصوصة، ولا يوالي أي ديانة من نوع خاص، بل ينتمي إلى تجربة روحية عابرة للأديان وتقاليد التوحيد مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]".

ويضيف الكاتب أن المسلمين "لا يمكن أن يكونوا إسلاميين أو سُنِّيين أو قرآنيين أو مُحمّديين، ما داموا في علاقة مفتوحة ومباشرة مع الله، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ﴾ [آل عمران: 79]".

ويحدد الكاتب موقفه من القرآن، فيقول إنه ليس دستوراً ولا دروساً في السياسة أو التنمية أو التربية، ولا قانوناً ولا مذكرة أو مدوّنة، وإنما هو "كتابٌ للتعبد الربَّاني"، حسب قوله.

كما يقول إن أحكام الردَّة وأهل الذمة وكل أحكام الفقه، قد نسخها القانون الوضعي ونسختها قوانين حقوق الإنسان، مستنداً إلى قول الله تعالى: ﴿تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 134].

ويتحدث الكاتب عن تجربته الذاتية مع الإيمان والشعائر في الدين الإسلامي، فيقول إن عَلاقته بالدين لم تنشأ على الوعْد والوعيد والخوف، ولم تعترضه مشاعر الخيبة والكراهية تجاه عقائد الآخرين التي لها مئات السنين تعيش ويعيش بها الآخرون، واصفاً علاقته بالدين بـ"السوية الخالية من عُصاب الولاء والبراء".

وقال إن والده أنشأه على التفكير الحر ونهاه عن الخوض في أسئلة "الغيب"، التي يطرحها دائماً الضيوف أو العابرون المتطفِّلون؛ بل كان حريصاً على أن يملأ خيال ابنه بقصص الأطفال والجري خلف الفراشات المتراقصة على أوتار الأزهار؛ وحين كبر وبدأت تساؤلات الخلق والأصل تجري على لسانه، كانت أجوبة أبيه تتلخص في كلمة واحدة، هي "الله"، دون زوائد غيبية. 

كان يقول له إن إلهاً صانع هذا الكون "مثلما يصنع الحلواني الحلوى"، قائلاً في تعاليم لطيفة إن شكر الله يعني أن "أترك الأعشاش في أغصانها، وألا أضرب أختي، وألا أغضب أمي، وأنهي قراءة كل القصص الموجودة، وقد أكتب رسالة شكر إلى الله أجعلها في شكل مَرْكَب أضعه في مجرى الوادي وأجعله يمضي"، حسب قوله.

غضب الإله 

يقول الكاتب إن كثيراً من أفعالنا الدموية ومشاهدنا القيامية في العلاقات الاجتماعية والدولية، التي تهدد السلام والأمن، ناجمة في الغالب عن الصورة التي أصبحنا نحملها عن "إله يغضب على مَن يشاء، ويبارك مَن يشاء، ويحرّض مَن يشاء على مَن يشاء"، لافتاً في خضم ذلك التصور عن "الله" -بنبرة ساخرة- إلى أن الإله الذي أصبح في الآونة الأخيرة يبارك كثيراً لأمريكا، تبعاً للخطاب الأمريكي الرسمي، ويرفض تقسيم القدس، والذي أوصى جورج بوش الابن بغزو العراق، هو أيضاً إله الصناعات الحربية وخطة ألفية الفَناء وحرب الجميع على الجميع، حسب قوله. 

ثم يقول الكاتب إن المجتمعات الإسلامية صارت الآن وكأنها لا تتحمَّل حرية الاعتقاد وحق الأفراد في تغيير معتقداتهم الدينية، وكأنها صارت أقل المجتمعات تسامحاً مع تجربة الخروج من الدين، لافتاً إلى أحكام الردَّة وحرية الوجدان "المقبورة" ومصابيح العقل "المغمورة"؛ مُشيراً إلى أن "الإلحاد" في الإسلام تجربة دون خسائر وجودية ووجدانية كبرى، ما لم يكن يوجد سجن ظالم أو سيف ردَّة يترصَّد رقبته. 

وبالتالي، يظل الإسلام، بحسب ناشيد، من بين أكثر الأديان انفتاحاً على أفق الخروج من الدين، إن لم يكن أكثرها على وجه التحديد؛ وهنا، تكمن جاذبيته لأنه يمنح أصحابه حرية الخروج منه دون خسائر فادحة، وهنا أيضاً أحد أسرار الخوف منه، حسب قوله.

ويلفت الكاتب إلى نقطة أخرى من باب الحريات ومدنية الدين الإسلامي في أصله كما يرى؛ إذ يقول إن "الإسلام دينٌ ضد الدين"، بمعنى أن الإسلام دين بلا سُلطات دينية، بلا رجال دين، بلا هرمية أو مراتب أو عقود أو تعاقدات دينية؛ فالمسلمون لا يوثقون مواليدهم في مؤسسة دينية، ولا يُشترط أن تبارك مواليدهم مؤسسة أو هيئة دينية، وكذا زواجهم وطلاقهم، ولا يُدفن موتاهم عبر رجل دين، بل يتطوع أي شخص للقيام بمراسم الدفن؛ وحتى الختان، المختلَف عليه، لا يؤديه رجل دين أو كاهن، وكذا الصلاة نفسها يؤمُّها أي متطوع أو باختيار مُرتجل من حاضري الصلاة في المسجد.

ويصل الكاتب عبر تحليل هذه النقطة إلى أن الإسلام دين سهل وليس له شكل محدد، وإنما يتخذ الوعاء الحضاري الذي يوجد فيه، حسب قوله.

دين تقدُّمي 

يقول الكاتب إن الإسلام يشتمل على شريعة تبدو للوهلة الأولى "من بين أكثر الشرائع عُنفاً"، بل تبدو أكثر بدائية في بعض جوانبها، مثل الرجم وقطع اليد وسياط الجَلد ومسائل القِصاص وحد الردة ولزوم الطاعة وستر العورة؛ وهذه أمور مما لا تثير إعجاب أحد، حسب قوله، فيما الدين الإسلامي نفسه أكثر الأديان تقدُّماً في أصل عقيدته، عبر مبدأ تعالي الذات الإلهية فيه إلى غاية رفض كل تجسيم أو تصوير أو ترميز عبر أيقونات، ما يجعل الإسلام من أكثر الأديان انفتاحاً على الحرية الوجودية للإنسان.

ويؤكد الكاتب أن مَن يرى الإسلام، دون أن يدرك تخلُّف شريعته، فإنه كمن لا يرى، ومَن يرى الحداثة الغربية دون أن يرى أزمتها الأنطولوجية فهو الآخر كمن لا يرى؛ لأننا لا نستطيع، بحسب الكاتب، أن ننظر من غير أن نرى تخلُّفاً في الشريعة هنا، وأزمة في الأنطولوجيا هناك.

ويُبدي الكاتب "حيرة" و"انزعاجاً" مما يتلوه من آيات في القرآن، تقول: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]؛ متسائلاً، على هامش هذه الآيات، عن الكيفية التي سيتعامل بها مع المسيحيين العرب في لبنان وسوريا، وقد كانوا بُناة لبنان وحُماة العروبة وحمَلة المشروع النهضوي العربي مبكراً (!).

وبناءً على هذه الحيرة والانزعاج، يبدو أن الكاتب كان مضطراً إلى أن ينتقل بنا إلى إعلان أنه "مسلمٌ ولا ريب لديه في هذا النص/القرآن الذي لا أرتاب في قوله"؛ لكنه يستدرك بقوله: "لا بد لي من قرار شجاع يحدد علاقتي بالنص الديني بوضوح وبلا مواربة تبعث على الانفصام".. فالنص، حسب قوله، "مُحمَّل بأثقال لم تعد تعنيني ذوقاً وثقافة، عَيْشاً وسلوكاً". 

وختاماً، فإن كتاب "قلق في العقيدة"، للكاتب سعيد ناشيد، مَبنيٌّ على مُحاورَاتٍ تُحاول الإسهام، بقدر المتاح، في بناء تصوُّر للإصلاح اللاهوتي، يسمح بنهوض الذات ورُقي الطبائع والوجدان، وبإشاعة مخيال جديد لعلاقة الإنسان بالعقيدة وبالأديان؛ بل وتُراهن هذه المحاورات على عودة المثقف الإصلاحي إلى أسلوب المحاورات السُّقراطية، وتدعونا إلى استكشاف نمطٍ مختلف من إنتاج المعرفة، قائم على المشاركة والتواصل، بدل الانكفاء في أبراج وهْم الاستعلاء الثقافي. كما تحتفي هذه المحاورات بآداب الحوار، وبثقافة النزوع نحو التشكيك والقدرة على العيش الحرّ، بلا حقائق مطلقة ودون يقين ثابت يعتقل العقل ويشلُّ الإرادة. وبكلمة، الكتاب دعوة صريحة إلى أن تحل شرائع الحب والحرية محل الخوف والعُنف.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة