فلسفة الدين
سؤال الاندماج بين الديني والفلسفي
جدل كبير استمر منذ قرون طويلة عن إشكالية استخدام العقل لفهم الدين. كل مفكر وفيلسوف وضع تساؤلاتٍ سار على نهجها أو خالفها مفكرون آخرون من بعده؛ وهذه الآراء المختلفة عن "فلسفة الدين" كانت محل دراسة المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، في كتابه "تمهيد لدراسة فلسفة الدين"، الذي يُعتبر مقدمة شاملة لفهم فلسفة الدين ومفاهيمها على مدار مئات الأعوام.
نقاشات فلسفية
يهدف الكتاب، الصادر عام 2014، عن مركز "دراسات فلسفة الدين" في بغداد، إلى توفير إطار فكري لفهم التيارات الفكرية المتعلقة بالدين. وهذا الكتاب، هو الجزء الأول من موسوعة "فلسفة الدين"، التي تتألف من عدة أجزاء، تتناول مفاهيم الدين وعلاقته بالعقل والإيمان، وذلك من خلال استشهادات بنصوص فلاسفة الدين والمفكرين والباحثين.
يقدم الكتاب نقاشاتٍ عميقةً حول الأسئلة الأساسية في فلسفة الدين، مثل وجود الله، وأصل الشر والخير، وعديدًا من القضايا المعاصرة المتعلقة بالدين، مثل العلم والدين، والتعصب الديني، والوجودية الدينية. وتستند محتويات الكتاب، المكون من "469" صفحة، إلى البحوث الأكاديمية والنقاشات الفلسفية الحديثة في مجال الدين، وتُقدَّم بأسلوب سلس وشرح جانبي لكل مفهوم ليناسب القرَّاء ذوي الخلفية الدينية المختلفة.
ويتميز الكتاب بتجاوزه الحدود الاعتقادية والتاريخية والجغرافية، ويعتمد المحرر فيه على كتابةٍ تتحرَّر من رؤية كونية محددة؛ حيث يبدأ الكاتب بمقدمة تاريخية حول فلسفة الدين في العصور القديمة، وانقسامها بين الجانبين العملي والنظري، اللذين يشملان الاهتمام بوجود الله وتوحيده وصفاته. ويستعرض الرفاعي جهود الفلاسفة الإسلاميين في الدفاع عن الإلهيات، من الكِندي إلى صدر الدين الشيرازي، وجهود الفلاسفة الغربيين منذ العصور اليونانية وحتى الفلسفة الحديثة؛ وهو، في ذلك، لم يعتمد على وجهة نظره الشخصية، بل استعرض الآراء الشهيرة حول فلسفة الدين.
بين الشرق والغرب وتباين الآراء، يخلق الرفاعي مساحة لمعظم الآراء الشهيرة حول فلسفة الدين، على مدار أكثر من "300" عام، ويصنع حوارًا بين كتابات مفكرين وفلاسفة من مختلف أنحاء العالم لم يلتقوا من قبل.
فلسفة الدين
يناقش الكتاب، أيضًا، مصطلح "فلسفة الدين"، وكيفية نشأته وتطوره؛ كما يتناول تعدد الآراء المحيطة بفلسفة الدين، مشيرًا إلى أن الروح المطلقة تتجلى في ثلاثة مجالات مختلفة، هي الفن والدين والفلسفة. واعتمد الكاتب في هذا السياق على لغة علمية دقيقة؛ إذ استعرض تجلي الروح المطلقة وفلسفة "هيغل" للروح المطلقة، الذي يُعد أول مَن قدَّم محاضرات بعنوان "فلسفة الدين".
كما تطرق، أيضًا، إلى مفهوم "فلسفة الدين" وعلاقتها بالاعتماد على العقل في تحليل الظواهر الدينية وتفسيرها، وأشار إلى الشروط التي يجب توافرها لفيلسوف الدين، مع تفسير لنشأة فلسفة الدين في الغرب، وعلاقتها بالمفاهيم الدينية في المسيحية واليهودية، مثل الخلاص والتضحية والقربان والتعميد.
وشرح، كذلك، الاتجاهات الرئيسية في فلسفة الدين، بما في ذلك الاتجاه الوجودي ومعرفة الله، والاتجاه النقدي للدين في الفلسفة التحليلية، والاتجاه المتأثر بالعلوم الإنسانية، والاتجاه اللغوي والفعل الديني، واتجاه هرمنيوطيقا لغة الدين.
ومن بين التساؤلات، التي يُثيرها الكتاب: سبب افتقار المكتبة العربية عن فلسفة الدين إلى هذا النوع، عدا ترجمات محدودة، وكتابات جديدة بالعربية عن علوم الدين، وعلاقته بدور الغزالي وابن تيمية والأشعري في مناهضة هذا النوع من دراسة الدين. ويلاحظ الباحث غياب الموسوعات الجماعية التي تتناول فلسفة الدين في الإسلام، والمراجع الرئيسية في تفسير القرآن والحديث والفلسفة.
الإسلام والفلسفة
في أول فصل، ترجمة لجزء من كتابات الدكتور فضل الرحمن، عن تاريخ تطور اللاهوت المدرسي وتأثير الترجمات العربية للأعمال الفلسفية والعلمية اليونانية في الفكر الإسلامي. ثم، يستعرض تأثير مذهب ابن سينا الفلسفي والنظريات المعرفية اليونانية في الفلاسفة المسلمين، وتطور الفكر الإسلامي تحت تأثير الفلسفة المسيحية اليونانية. يشير الكاتب إلى أن فكر الفلاسفة هدَّد المحتوى اللاهوتي في الإسلام، واستعرض تأثيرهم في المذهب السلفي وردود الفعل التي أثاروها، بما في ذلك ردود الغزالي.
ويُثير الكاتب سؤال: "هل اندثرت الفلسفة في الإسلام بعد هجوم الغزالي السلفي؟". ويقدم إجابة عن هذا السؤال، من خلال تقديم حقائق تاريخية واستشهاد بكتاب "رسالة في اللاهوت والسياسة" لـ"سبينوزا"، ترجمة الدكتور حسن حنفي.
أيضًا، يستعرض فصل آخر من الكتاب قوة وإبداع الشعر والأدب، بعد انحسار الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في مرحلتها الأولى، وتحوّلها إلى الدولة المجاورة، فرنسا، ومن هناك انبثق تيار هادر.. ونتيجة ذلك، جرت الاستهانة بكل مظاهر الفكر المادي.
ثم يتطرق المؤلف إلى كتاب "عن الدين، خطابات لمحتقريه من المثقفين"، الذي ظهر في أواخر القرن الثامن عشر؛ ويُعزى لمؤلف مجهول، هدف إلى استعادة الدين في المشهد الفكري.. وتبيَّن لاحقًا أن الكاتب هو فريدريك شلايرماخر.
واستكمالًا لنفس النهج، يطرح فصل جديد من الكتاب تساؤلات حول المعتقدات الدينية ومدى عقلانيتها، وما إذا كانت قابلة للبرهان عقلانيًا، عبر شرح فصول الدين المتمثلة في الأفعال الأخلاقية والأفعال العبادية.
العقل والإيمان
يستعرض الفصل، الذي يأتي تحت هذا العنوان، مقارنة بين رؤى كيرككورد وابن عربي حول العلاقة بين العقل والإيمان في إطار إبستمولوجيا الإيمان؛ ويُسلّط الضوء على التشابهات والاختلافات بين هذين الفيلسوفين، إذ يعتقد ابن عربي أن العقل والإيمان لا يتعارضان، بينما يرى كيرككورد أن العقل يلعب دورًا في تكامل الإيمان. ويوضح الكاتب أن كيرككورد يقدم ثلاثة أدلة لاستبعاد الإيمان من التقييم العقلي؛ إذ يعتبر الإيمان تضاد اندفاع الروح وغياب اليقين. أما ابن عربي، فيري العلاقة بين العقل والإيمان، ويؤكد أن الإيمان يستند إلى الأدلة.
ثلاث قراءات
في هذا الفصل، ينتقل المؤلف للتراث الديني المسيحي، مستشهدًا بفصل لمحمد مجتهد شبستري، ترجمة حيدر نجف، ويستعرض قراءات ثلاث من المتصوفة المسيحيين للتراث الديني في العصر الحديث.
ويسلّط الضوء على المنهج المتبع من كارل بارث، الذي اعتُمد بواسطة الأرثوذكسيين الجدد، ومنهجية رودولف بولتمان التي تهدف إلى حذف كل ما لا يتماشى مع الحداثة، بالإضافة إلى منهجية شلايرماخر التي تمثل رأس حركة اللاهوت الليبرالي في العالم المسيحي. ويستعرض المؤلف الخلفيات التاريخية والاجتماعية، ويوضح أصل الإيمان المسيحي وأساسه، وتأثيراته الأبدية، ومعنى التراث المسيحي وسمات الحداثة.
أما مفهوم الفصل بين الكنيسة والدولة في الدستور الأمريكي، فقد خصص له المؤلف فصلًا يتناول وجهة نظر أمريكية حول قضايا الدين والتنوير والحداثة، ويناقش تأثيرها في المجتمع الأمريكي منذ القرن العشرين. ويركز هذا الفصل على ظهور "اليمين الديني الجديد" في الولايات المتحدة، وتطوره نتيجة مخاوف الغرب من الإسلام، ودور هذه القضايا في تأسيس الولايات المتحدة، وكيفية اعتراف الليبرالية السياسية بالدين مصدرًا للتجديد.
الدين واللاهوت
ويتطرق فصل آخر للباحث د. قيس هادي أحمد، للفروق بين الدين واللاهوت (علم الكلام)، والعلاقة المترابطة بين نظرية الأخلاق العلمية والواقعية لدى سبينوزا، وتحليل الكتب المقدسة من خلال ثلاث مراحل معرفية؛ إذ يستخدم، إلى جانب المنهج التاريخي، منهج التفسير في دراسة الكتب المقدسة.
ثم ينتقل د. قيس في فصل جديد إلى إيضاح رأي هنري برجسون، الذي يعد واحدًا من كبار الفلاسفة المعاصرين، وجهوده في التوفيق بين الدين والفلسفة عبر نقد المذهب المادي.
ويشرح مراحل تطور مصطلح "فلسفة الدين" على مدار القرنَين الماضيين والتأملات العقلية ودورها في معرفة حقيقة الدين.
وختامًا، وعبر نصٍّ للدكتور محمد لغنهاوزن، الباحث وأستاذ فلسفة الدين والإلهيات الحديثة، يوضح الكتاب فلسفة الدين وقضاياها الأساسية، كنوع مستقل عن الفلسفة بشكل عام، فضلًا عن شرح ما يريده البشر من الدين، وماهية الخطاب الديني؛ مُنهيًا بفصل عن منطق تطور الفكر الفلسفي، وتطور الجدل حول اندماج الفكر الفلسفي في الفكر الديني واندماج الفكر الديني في الفكر الفلسفي، استنادًا إلى التجربة العربية الإسلامية باعتبارها نموذجًا مع الاستشهاد بآيات من القرآن.