فضل الرحمن مالك:

إصلاح التعليم وتحديث الخطاب الديني

مركز حوار الثقافات

05-01-2025

إصلاح منظومة التعليم في العالم الإسلامي، وفي القلب منها التعليم الديني، وإدماجه في العلوم الحديثة والمناهج والأدوات الغربية، أهم المحاور الأساسية في المشروع الفكري للفيلسوف الباكستاني فضل الرحمن مالك (1919-1988).

فضل الرحمن، حصل على الدكتوراه عن أطروحته "الفلسفة عند ابن سينا"، من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، وعمل في التدريس بعدد من الجامعات الباكستانية والأمريكية والكندية، ويرى أهمية تحرير القرآن والسنة من التأويلات التراثية، ويدعو إلى نبذ الأساليب القديمة في فهم النصوص الدينية، سواء القرآن الكريم أو السنة المنسوبة للنبي. 

وقد وضع مشروعه الفكري في عديد من المؤلفات، التي أصدرها باللغتين الأوردية والإنجليزية، وتُرجم بعضها إلى اللغة العربية، مثل: "الإسلام"، و"الإسلام والحداثة"، و"الإحياء والتجديد في الإسلام"، و"المسائل الكبرى في القرآن"، و"المنهجية الإسلامية في التاريخ"، و"محمد إقبال وروح النهضة الإسلامية".

 الخطاب الديني

يرى فضل الرحمن أن تجديد الخطاب الديني وتحديثه أمر هام وضروري، حتى يمكن استمرار الدين عبر التاريخ ولا يندثر، فيستمر تطوره وتجدده بما يتلاءم والظروف والتحديات الحالية واللاحقة على المستويين الداخلي والخارجي، لا سيما وأن حالة من الجمود لحقت بالدين لأسباب، منها: تقديس التراث، وتجاهل تحديث الموروث الديني، وسيطرة النزعة القبلية، وسيادة التيار الرافض للحداثة؛ الأمر الذي أصاب المجتمعات الإسلامية بالجمود الحضاري والتراجع والتخلف.

يقول فضل الرحمن إنه يجب العمل على تجديد الفكر الديني، ونقد التراث ومراجعته بواسطة الأدوات المعرفية الغربية والمناهج العلمية الحديثة، وربط الدراسات الإسلامية، لا سيما في المرحلة الجامعية، بالعلوم الإنسانية الغربية الحديثة، الأمر الذي من شأنه أن يمنح الفكر الديني قدرة على استلهام الحيوية الكامنة في الدين الإسلامي، التي تدعو إلى إعمال العقل والنقد، حسب قوله.

 إصلاح التعليم

ينتقد فضل الرحمن طريقة التفكير الديني المنتشرة في التراث، والممتدة إلى العصر الحالي؛ إذ يرى أن عدم الفهم الصحيح، والتطرف، وأساليب التفكير العنيفة، في فهم النصوص الدينية والتراثية التي سادت، سببت أزمة متعددة في التراث الإسلامي، ما جعل أثرها يمتد إلى المجتمعات المعاصرة وصبغت الفكر الديني في هذه المجتمعات بخصائصها المتطرفة والعنيفة.

ويدعو فضل الرحمن إلى إصلاح أساليب التعليم المنتشرة في المجتمعات الإسلامية، منتقداً مناهج وأساليب التعليم التقليدية، ويصفها بأنها أساليب تعليم منغلقة ترفض الحداثة وتعادي التجديد، فيشدد على إعادة النظر في عديد من المقولات والقيم التراثية والدينية، التي كانت سائدة في وقتها ووصلت سطوتها إلى المجتمعات الإسلامية الحديثة، رغم فقدانها فاعلياتها وقدرتها على خدمة المجتمعات وعجزها عن تحقيق الفاعلية الدينية.

ويؤكد أن القرآن الكريم يتضمن عقيدة تعزز الشخصية الإنسانية، وتنادي بالحرية والعدالة الاجتماعية، وقبول الآخر والتعايش معه ومع المجتمعات المغايرة للمجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يُمكن الاعتماد عليه في إصلاح التعليم الإسلامي التقليدي بما يتماشى مع الحداثة وعلومها، دون خوف على الهوية الإسلامية، حسب قوله.

 منهجية جديدة

باعتباره القرآن الكريم المرجعية الرئيسية في تدبير شؤون حياة المسلم والمجتمعات الإسلامية، يُشدد فضل الرحمن على ضرورة "تحرير القرآن من التأويل المتسلط والتطبيق الناتج عنه"، فيدعو إلى النظر العقلي واستعمال النقد في محاولة فهم وتعديل آليات تفسير النص القرآني التي سادت، دون تغير يُذكر في التاريخ الإسلامي.

ويرى ضرورة نبذ تبني الأساليب القديمة في فهم النص الديني، لا سيما القرآن الكريم، إضافة إلى رفض التقليد سواء باتباع التأويلات القديمة، أو التزام نفس أساليب التأويل والتفسير التراثية، التي تسببت في "العجز عن فهم وحدة القرآن وشموليته"؛ داعياً إلى استخدام المناهج الحديثة والعلوم الإنسانية في إعادة تأويل النص القرآني وتفسيره وفهمه، بما يتوافق مع أغراضه السامية وقيمه العليا وصلاحيته لكل مكان وزمان، حسب قوله.

ويؤكد أن الأساليب القديمة لتفسير القرآن أصبحت حجر عثرة أمام فهمه وتأويله وتفسيره، لا سيما استخدام القياس الذي وقف حائلاً أمام أي محاولة منهجية لاستنباط المبادئ والقيم من القرآن الكريم؛ لأجل ذلك أوضح "فضل" أهمية إيجاد تفسيرات وتأويلات للنص القرآني جديدة وبديلة عن التفسيرات القديمة وتطبيقها الفقهي، على أن تكون هذه التأويلات وفق منهج عقلي متماسك، يجعل من السهل ربط النص القرآني وأحكامه بالمجتمعات الإسلامية المعاصرة، ربطاً قادراً على تلبية التطورات التاريخية والاجتماعية والإنسانية المستمرة دون توقف، وفقاً لقوله.

ويضع فضل الرحمن أسلوباً جديداً لفهم القرآن وتأويله وفهمه بما يتوافق مع معايير الحداثة المعاصرة، يتمثل في فهم القرآن بشكل متماسك مع مراعاة وحدته الكلية، والبحث عن مقاصد النص عبر النظر إلى ظروفه التاريخية والخلفية الاجتماعية، وذلك ضمن وحدة القرآن وكلياته، مع الأخذ في الاعتبار أسباب النزول، دون فهم القرآن بشكل متقطع، الأمر الذي يُظهر المفاهيم المركزية الكبرى في القرآن والقيم العليا والسامية فيه.

ويطبق فضل الرحمن منهجيته في فهم وتأويل القرآن لتطبيقه على الفقه الإسلامي؛ إذ يدعو إلى تحليل التشريعات الفقهية وفقاً لمنهج تاريخي يضع البُعد التاريخي والاجتماعي في الاعتبار، حتى يمكن معرفة كونها أحكاماً وقتية زمانية أو كونها مبادئ عامة تستند إلى مرتكزات القرآن، الأمر الذي يتسبب في إنتاج فقه جديد يتناسب والتطورات التاريخية والاجتماعية، حسب قوله.

 تحديث الخطاب 

يدعو فضل الرحمن إلى تجديد الخطاب الديني وتحديثه، وذلك عبر تحديث العلوم الدينية الإسلامية المختلفة، مثل علوم التفسير والفقه والتصوف وغيرها، حتى يمكن نزع ثوب الماضي والتقليد عنها، ويمكنها أن تواكب التطور والحداثة، الأمر الذي يستلزم البدء في دراسة منهجية شاملة لتطوير العلوم الإسلامية، وعلى رأسها التفسير والفقه، على أن تتميز هذه الدراسة باستخدام المنهج التاريخي والنقد العقلي وفقاً للأدوات المنهجية والعلوم الإنسانية الغربية الحديثة، التي يجب أن يتخلى العالم الإسلامي عن رفضه لها من باب أنها "منتجات غربية"، بل يجب الاعتماد عليها بوصفها أدوات عقلية معرفية ناجعة، حسب وصفه.

ويقول فضل الرحمن "إن الفهم التاريخي للإسلام وعلومه يعطي إمكانية الاستمرارية لكينونة العالم الإسلامي وعقله وروحه، فلا يعني البحث عن المستقبل التنصل من الكينونة التاريخية"؛ فالتجديد والتحديث والإصلاح لا يحدث إلا إذا حدثت إعادة بناء جديدة للعلوم الدينية الإسلامية، وربطها بالحالة الإنسانية والمجتمعية الحالية وقدرتها على التطور.

وكما يرى فضل الرحمن، فإن تحقيق الحداثة الإسلامية يكون عبر شقين: الأول، هو إعادة المبادئ الأساسية في القرآن وقيمه العليا إلى دائرة الاعتبار والاهتمام، والانطلاق منها، وعلى رأسها المبادئ الروحية للقرآن الكريم التي تتضمن تفسير الكوني روحياً، والتحرر الروحي للفرد؛ والاستفادة، ثانياً، من تطورات الحضارة الغربية والمجتمعات البشرية على أساس روحي، الأمر الذي يُحقق "الحداثة الإنسانية"، ويتلافى عيوب الحداثة الغربية، التي رغم محاولتها تطبيق القاعدة الروحية لها فإنها نصت عليها في بداياتها واجتهدت في الوصول إليها.

 وختاماً، يعتمد فضل الرحمن على العلوم الإنسانية الغربية والمناهج العقلية والنقدية والتاريخية، باعتبارها أدوات معرفية هامة لا يوجد حرج في استخدامها في التعامل مع التراث الإسلامي والنص الديني بما فيه القرآن الكريم؛ بل يشدد على أهمية استخدام هذه الأدوات العلمية والعقلية الغربية، وذلك للقضاء على الجمود العقلي والتخلف الذي يعاني منه العالم الإسلامي ومجتمعاته، حتى يتمكن من تفعيل الحداثة واللحاق بركب الحضارة.

ويُشدد فضل الرحمن على أهمية إعادة النظر في مناهج التعليم في العالم الإسلامي، بما فيها التعليم الديني، وربطه بالعلوم الإنسانية والأدوات والمناهج الغربية المعرفية، حتى يُمكن الوصول إلى فهم "القيم الأخلاقية للقرآن"، التي تتضمن القيم الإنسانية العليا بما يُحقق مشروع الحداثة بما يتوافق مع طبيعة العالم الإسلامي ومجتمعاته واحتياجاتها.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة