فرحان صالح:

دعوة إلى استئناف مشروع التنوير العربي

مركز حوار الثقافات

29-10-2025

يسعى المفكر اللبناني فرحان صالح (1947م) في مشروعه إلى نقد البنى الفكرية التقليدية، لبناء رؤية نقدية عقلانية تتجاوز النقل والتقليد، وتؤسس لفكر جديد يرتكز على العقلانية والتحليل العلمي والاجتماعي، وتواجه الخرافة وأوهامها و"تُرهاتها" السائدة في التاريخ والفكر العربي المُعاصر.

صالح، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة والأديان، ومؤسس ورئيس تحرير مجلة الحداثة، ينادي بقراءة التراث نقدياً، ومزجه بالفكر القومي والحداثي، ويشدد على أهمية الدولة المدنية الحديثة، وضع مشروعه الفكري في عديد من مؤلفاته الفكرية، منها: "جنوب لبنان: واقعه وقضاياه"، و"المادية التاريخية والوعي القومي عند العرب"، و"جدلية العلاقة بين الفكر العربي والتراث"، و"لغة الجنوب"، و"هموم الثقافة العربية"، و"في الهوية والتراث"، و"التراث والتاريخ: قراءات في الفكر التاريخي"، وغيرها.

النقد العقلاني

يلتزم صالح منهجاً نقدياً عقلانياً يجمع بين التحليل التاريخي والاجتماعي والرؤية الحداثية، ويمارس من خلاله نقد البنى الفكرية التقليدية والعقليات الانهزامية في الفكر والثقافة العربيين، بهدف تفكيك "تُرهات" وأوهام الفكر والثقافة، وتمهيد الطريق لبناء فكر عربي جديد يرتكز على العلم والمعرفة، ويسعى إلى فهم الواقع معتمداً على العقلانية العلمية، بوصفها أداة أساسية لاستيعاب الواقع وتغييرهِ، حتى يتمكن من الفصل بين ما يطلق عليه الوهم والعلم. 

وفي رأيه، فإن ذلك يتم عبر تحليل المعطيات الفكرية والثقافية بموضوعية، بهدف استبدال وتغيير "ثقافة الخرافة"، إلى ثقافة "التفكير العلمي" المبني على الدليل والتحقق والتجربة؛ كما يستخدم منهجه هذا في نقده للفكر والثقافة وللأساطير المؤسسة للفكر الديني والقومي، ويزامنه بالتحليل المادي التاريخي لفهم تطور المجتمعات والأفكار، ويمارس عملية التفكيك النقدي على الروايات التاريخية "المثقلة بالأسطرة"، للوصول إلى فهم أكثر واقعية للتاريخ العربي والتراث. كما ينادي بالنقد الذاتي في مراجعة المفاهيم والأيديولوجيات السائدة، ويسعى إلى النقد الذاتي حتى يتجنب انحرافه نحو الجمود أو تحوله إلى عقيدة مغلقة، مُشدداً على أهمية ثقافة النقد الذاتي والبناء للفكر العربي والإسلامي المعاصر، الذي "يواجه أزمات حادة تتطلب المراجعة والتصحيح"، حسب قوله.

التراث والمعاصرة

يركز صالح في مشروعه الفكري على النقد الذاتي، الذي يُعزز النهضة الفكرية الحقيقية، لذلك يدعو إلى التخلص من "العُقد المعرفية" التي تعوق التكوين العلمي للعقلانية، ومنها ما يصفه بـ"الثلاثية التُرهاتية"، وهي وصم التجديد باتهامات ثلاثة "الزندقة والهرطقة والعلمانية"، ويرى أنها قيود ثلاثية أعاقت مشروع التنوير العربي. لذلك يدعو إلى تحرير الفكر من هذه القيود، عبر إعمال العقل والدعوة إلى الحوار وقبول الاختلاف؛ ما يمكن من خلاله تجاوز ثنائية التقليد والحداثة "العقيمة"، نحو تركيب عقلي وفكري أكثر انفتاحاً وتقدماً، مع مراعاة خصوصية الثقافة العربية، ما يؤسس لرؤية نهضوية شاملة تنقل الوعي العربي، من ثقافة الاستسلام والخرافة إلى ثقافة المعرفة والوعي وتبني قيم الحداثة والعقلانية والتنوير، بوصفها أدوات لتحرير الإنسان العربي وانطلاقه نحو مستقبل أفضل.

يمزج صالح بين الفكر القومي والوطني وبين "التراث والمعاصرة" في فكره، ويسعى بهذا المزج إلى إعادة النظر في قضايا مثل جدلية الدين والحداثة وتحديات التنوير والنهضة، وإشكاليات الفكر القومي، ويدعو إلى الاستفادة من التراث الفكري دون جمود أو تقديس، ويُطالب بالانفتاح على الفكر الإنساني الجديد والعلوم الحديثة دون ذوبان أو تبعية، ما يمكن الإنسان العربي من استنهاض قدرته الفاعلة.

يقول صالح، إن "الحداثة ضرورة ملحة يستوجبها واقع الأمة للخروج من أزماتها، وليست ترفاً فكرياً"؛ لذلك، ينتقد النزعات الفكرية التي ترفض الحداثة بحجة الدفاع عن التراث والدين، ويوضح أن هذه النظرة تقف عائقاً أمام أي نهضة عربية، فالتحديث لا يتناقض مع الأصالة، والفكر الديني يحتاج إلى الحداثة حتى يتجدد وينسجم مع متطلبات العصر.

التنوير العربي

يضع صالح أسساً فكرية للحداثة العربية، تتمثل في الدعوة إلى دولة مدنية حديثة، ترتكز على ثلاثية المواطنة والقانون والعلم؛ ورفض تحويل التراث إلى مقدس جامد ضد التطور؛ والاستفادة النقدية من التراث والانفتاح الواعي على العصر. ويصف مشروع النهضة العربية التاريخي بأنه تعرض لانكسارات وإخفاقات عديدة، سواء بفعل التدخلات الاستعمارية أو بسبب عوامل داخلية، كهيمنة الفكر التقليدي وضعف البنية العلمية والثقافية. 

وفي المقابل، يرفض اعتبار إخفاقات النهضة مبرراً لليأس أو لنبذ فكرة الحداثة، ويدعو إلى مراجعة نقدية لتقييم تجربة النهضة لاستخلاص الدروس وتصحيح المسار، ويشدد على أهمية إصلاح الفكر الديني، وتحديث التعليم ومناهجه وحرية البحث العلمي، كما يطالب بضرورة تجاوز التبعية للغرب، لأنه لا حداثة في ظل تبعية للخارج، وينادي بتجاوز مشروع النهضة العربي "حدود الدولة القطرية الضيقة إلى آفاق الوحدة والتكامل العربي".

ويُطالب صالح بإعادة إحياء مشروع التنوير العربي، الذي بدأ في القرن التاسع عشر دون أن يكتمل، بشرط أن تكون إعادة إحياء مشروع التنوير، غير المكتمل، وفقاً لروح نقدية جديدة تستفيد من الدروس السابقة، وتُرسخ لقيم التفكير النقدي الحر، وتشجع على الإبداع واحترام كرامة الإنسان وحريته في التفكير. 

ويوضح أن أبرز معوقات التنوير العربي النظرة السلطوية التقليدية لرجال الدين، الذين تعاملوا مع مفاهيم مثل العلمانية والحرية على أنها تهديدات للدين والقيم والمجتمع؛ لكنه، في المقابل، يرى أن المجتمعات العربية باتت مُهيأة لاستئناف مشروع التنوير، بسبب ارتفاع نسبة التعليم وانتشار وسائل المعرفة الحديثة، لذلك يُشدد على أهمية تغيير مناهج التعليم في جميع مراحله، حتى يتأسس التعليم على التفكير النقدي وطرح الأسئلة وعدم تقبل الأفكار الجاهزة دون نقد.

الحوار المفتوح

يدعو صالح إلى الحوار وقبول الآخر واختلافه وآرائه، فـ"الحوار المفتوح" بالنسبة له أداة نقدية تسمح بتعدد الآراء وتناول الأفكار بحرية، ويرفض تكفير وتخوين أي اجتهاد فكري أو ديني، ويضع شروطاً رئيسة للحوار النقدي المفتوح لا يجب أن يخلو منها، وذلك بأن يتسم بالعلمية والعقلانية. 

ولأجل ذلك، ينادي ويرفع شعار "إعمال العقل وتحكيم المنطق العلمي"، ومن ثَمّ نشر الثقافة العلمية وتعميم منهجية التفكير النقدي في التعليم والمجتمع؛ حيث يولي أهمية بالتراث الإنساني عامة، لا سيما الفلسفات العقلية مثل تجارب التنوير الأوروبي في عصر النهضة، والفكر العربي الإسلامي العقلاني كإرث المعتزلة، الذي يوضح من خلاله أن العقل جزء أصيل من الثقافة العربية الإسلامية وليس دخيلاً كما يُشاع. كما يدعو إلى مصالحة حضارية بين العقل والتراث، يُعاد من خلالها قراءة التراث بعين العقل النقدي لكشف كنوزه من ناحية، وتصحيح ما يحتويه من خرافات أو لا معقوليات من ناحية أخرى.

وينادي صالح بثورة ثقافية تحررية، قائمة على قيم "التحرر الفردي ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية"، فالفرد الحر الواعي لبنة أولى لمجتمع متحرر ومتقدم، وتحرير العقل العربي جانب آخر في دعوته لثورة ثقافية؛ فالعقل يجب أن يتخلص من القيود المفروضة عليه، سواء كانت قيوداً على الفكر أو التعبير أو قيوداً تفرضها البنى الاجتماعية والثقافية التي تمارس رقابة على العقل، مثل "التابوهات الدينية والاجتماعية"، ما يكبل حرية الفكر والإبداع العربي، الأمر الذي يجب مواجهته وتجاوزه وإطلاق حرية التفكير والإبداع والتجديد. كما يدعو إلى مواجهة "الجماعات الأصولية" التي يمثل وجودها وصعودها خطراً على حرية "الأوطان والعقول"، فالتصدي لها "جزء من معركة تحرر شاملة يخوضها الفكر العربي النهضوي"، حسب قوله.

وختاماً، فإن الحرية والعقلانية حجر الزاوية في مشروع المفكر اللبناني فرحان صالح، الذي يدعو إلى استئناف مشروع التنوير العربي بروح جديدة، تستند إلى النقد العقلي وتستفيد من التجارب السابقة، وتمكن من تحرير العقل من أوهام "القداسة الزائفة" و"التقليد الأعمى"، ويسعى إلى تأسيس بنية فكرية تستند إلى الحرية والعقلانية والوعي، ويدعو إلى إعادة الاعتبار للإبداع والتجديد بما يوجه العالم العربي ويسير به إلى نهضة شاملة وحقيقية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة