يتمحور المشروع الفكري للمفكر والباحث السوري فراس السواح (1941م)، حول فهم التجربة الروحية والتاريخية للإنسان في الشرق، ويهدف إلى تحرير العقل العربي من الجمود الأيديولوجي، ويسعى إلى تقديم مقاربة نقدية للتراث الديني لا تهدف إلى النفي أو الإلغاء، ولكن إلى وضع الأفكار الدينية والأسطورية في سياقها التاريخي الحقيقي، وتحريرها من التصلب العقائدي الذي يحولها إلى أداة قمعية أو أيديولوجية.
السواح، الذي عمل أستاذاً للحضارة العربية وتاريخ الأديان في الشرق الأوسط بجامعة بكين، ضَمَّن مشروعه الفكري في عديد من المؤلفات، منها: "مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة"، و"دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني"، و"الأسطورة والمعنى: دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية"، و"الله والكون والإنسان"، و"الرحمن والشيطان"، و"مدخل إلى نصوص الشرق القديم"، و"طريق إخوان الصفا"، و"القصص القرآني ومتوازياته التوراتية"، وغيرها؛ إضافة إلى إشرافه على تحرير ونشر موسوعة تاريخ الأديان.
الوعي التاريخي
يرى السواح أن الوعي التاريخي أساس الحضارة الحديثة، ولا يمكن للإنسان أن يفهم نفسه ودوره في الوجود دون فهم ماضيه وتاريخ أفكاره، لأن الفكرة هي المحرك الأساسي للتاريخ. لذلك، يبحث في الأسطورة وتاريخ الأديان، وينطلق من منهج علمي صارم يبحث من خلاله في آثار ووثائق حضارات الشرق القديمة، ليفهم عالم الأسطورة الذي "مضى إلى غير رجعة"؛ حيث يرى أن دراسة التاريخ تفيد في استنتاج حكمة البشر وثقافاتهم، وتجسدها بشكل أعمق في الأسطورة والدين كنتاج جمعي، أكثر من تجسدها في الفلسفة كنتاج فكري لشخص بعينه.
ويستخدم الفينومينولوجيا -دراسة "علم الظواهر"- للبحث في ماهية الدين، ويعتمد مقاربة ظاهراتية لفهم ماهية الدين، ويقدم تعريفاً للظاهرة الدينية بوصفها "التعبير الجمعي عن الخبرة الدينية الفردية"؛ وهي خبرة تُرشد وتُصاغ عبر قوالب فكرية وأدبية وطقسية، تتمتع بطاقة إيحائية عالية للجماعة. وهو يُحدد المكونات الأساسية الثلاثة التي ترشد الحس الديني، وتحوله إلى ظاهرة جمعية قابلة للدراسة، وهي: المُعتقد والطقس والأسطورة؛ ويسعى عبر هذا التصنيف إلى فك الارتباط بين "الدين" كظاهرة إنسانية شاملة، و"الدين" كعقيدة أيديولوجية محددة، يكشف من خلالها الثابت والمتغير في تاريخ الأديان.
الأسطورة والأيديولوجيا
يرفض السواح اختزال الأسطورة في كونها "حكاية كاذبة أو خرافة"، ويرى أنها "خزان جبار من الأنماط الأصلية"، وأن النزوع الأسطوري متجذر في السيكولوجية الفردية والجمعية؛ مؤكداً أن الأسطورة "لم تمت ولن تموت"، وتظل ساكنة وتترك بصماتها على كل تفاصيل الحياة. ويشير إلى أهمية دراسة الأساطير القديمة، مثل الأساطير السومرية المتعلقة بخلق الإنسان، لفهم الأصول المشتركة للسرديات اللاحقة؛ والأساطير القديمة كما في "ملحمة جلجامش" التي تطرح "أسئلة الوجود الأولى"، التي حاولت الأديان اللاحقة الإجابة عنها وتعزية الإنسان من خلالها.
ويستخدم مفهوم الأسطورة كمنطلق لإنقاذ الروحانية الإنسانية من التفسير المادي الضيق. فعندما تنحسر الأسطورة عن مواقعها التقليدية، لا يعني ذلك استئصال النزوع الأسطوري، وإنما يظهر تأثيرها الإيجابي في الشعر والفن؛ إذ يعملان على "إعادة برقعة الطبيعة بذلك الستار الصوفي الأخاذ"، ويحاربان النزعة العقلانية الميكانيكية التي جردت الكون من قداسته.
ويُحذر السواح من تحويل الأسطورة إلى حقيقة مفروضة أو عقائد جامدة (أيديولوجيا)، فعندما تتحول الأسطورة إلى حقيقة يفرضها النص، فإنها تفقد وظيفتها المعرفية وتصبح أداة أيديولوجية، يحدث من خلالها "قمع النقد وتحريم التشكيك وتجريم البحث العلمي"، مُشدداً على أن الدين بدأ كأسطورة مفتوحة للتأويل؛ إلا أنه لا يهدف بذلك إلى نفي الدين أو التقليل والسخرية منه، بل إلى وضعه في سياقه التاريخي الحقيقي، ما يسمح بتحويل العقائد التي كانت ذات طابع رمزي إلى معانٍ روحية بدلاً من تحولها إلى "أوامر عقابية".
وفي تحليله لتاريخ الأديان، يرى السواح وجود "تطور واغتناء في تصور الإله عبر الديانات التوحيدية"، وهو تطور نابع من "التجارب البشرية ونمط الحياة"، ويعتقد أن مفهوم "دين الإنسان" يركز على الدافع الديني المشترك، ولا يهمل الفروقات الجوهرية بين الأديان؛ فيُشير إلى أن بعض الأمور غير المشتركة بين الأديان قد تكون ذات أهمية قصوى داخل كل دين.
النزوع الأسطوري
يذهب السواح إلى أن التحول من الطابع الرمزي إلى الحرفية الجامدة هو التحدي الأكبر للخطاب الديني المعاصر؛ فالقصص الدينية التي كانت تعبيراً عن المخيلة الجماعية أو ذات طابع رمزي، أصبحت حقائق لا يجوز نفيها أمام الأدلة العلمية والأثرية، الأمر الذي يصفه بأنه "تجميد يُؤدي إلى تحويل الثقافة إلى عبء، والدين إلى ذاكرة جامدة".
أيضاً، يعطي لمفهوم الشيطان في الأديان والفكر الإنساني طابعاً رمزياً؛ إذ يُمثل الاختيار المُخالف والرغبة في المعرفة ورمزاً لحرية الإنسان؛ ويسعى بهذا التفسير الرمزي إلى تحرير المفهوم من الإطار العقائدي ونقله إلى إطار فلسفي وجودي يعظم الإرادة الحرة. وهو يشدد على أهمية التعامل مع الظواهر الإنسانية دون معيار مسبق أو حكم أخلاقي؛ مؤكداً على أهمية الكشف عن ماهيتها بعيداً عن الاستنتاجات الأيديولوجية.
يرى السواح أن التصوف يمثل تجسيداً أكثر إيجابية وحيوية للنزوع الأسطوري الباقي في الأعماق؛ خاصة أن هذا التجسيد الإيجابي يأتي كرد فعل على العقلانية الغربية، التي حولت "الكون العضوي الحي" إلى "كون ميكانيكي آلي لا حياة فيه"، ما أدى إلى تجريد الطبيعة من قداستها.
ويؤكد السواح أن الشعر والفن أشكال للتصوف يعيدان الحدس الخلاق والإدراك الباطني للقدسي، ويستعيدان وحدة الإنسان مع "الوسط الطبيعي". ويصف التجربة الروحية بأنها: "تجربة انفعالية غير عقلية تأبى على الوصف بالمصطلحات المعتادة"، ويُعلي من قيمة "الحقيقة النفسية"، لأنها تكون في كثير من الأحيان "أبلغ تأثيراً في الأفراد والمجموعات وفي تاريخ البشرية" من الحقائق الموضوعية.
إلا أنه، رغم ذلك، يُعلي من "قيمة العقل".
تقديس البدايات
يهدف السواح إلى "تحرير العقل"، ويرى أن المجتمعات التي "تقدس بداياتها تموت في تكرارها"، بينما "المجتمعات التي تحترم جذورها دون أن تعبدها، فهي التي تجرؤ على صناعة بداياتها الخاصة". ويقدم إطاراً تنويرياً مبنياً على فكرة أساسية، مفادها أن "التقدم لا يبدأ من الأصل بل من نقد الأصل وتجاوزه"؛ الأمر الذي يستلزم قدرة على تحرير الجذور من "قدسيتها المتصلبة"، والوعي بأن تلك الجذور كانت "ممكنات تاريخية لا أوامر أبدية".
وينتقد بشدة الثقافة التي تروج ما وصفه بـ"الحنين القاتل"، الذي يُعرفه بأنه "مشروع كامل لإعادة إنتاج السيطرة وتجميد الزمن"، الأمر الذي يجعل التغيير في هذه البيئة خطراً، فيتحول الدين إلى ذاكرة والتعليم إلى يقين، ما يعوق عمل العقل الذي يُجذَب إلى الوراء كلما حاول التقدم.
ويؤكد السواح أن دراسة "تاريخ الأفكار"، في حقيقته، دعوة لتبني منظور تاريخي شمولي، يرى أن الفكرة هي المحرك الأساسي للتاريخ، وأن هذا المنظور يرفض الفصل بين "التاريخ المقدس" و"التاريخ الإنساني"؛ ومن ثم، يجعل الدين موضوعاً خاضعاً للتاريخ والدراسة، مثله مثل أي نتاج ثقافي آخر؛ ويهدف بذلك إلى إعادة إحياء الرمزية كأداة معرفية لمواجهة تحويل الدين إلى أيديولوجيا جامدة، ويستخدم في نقد ذلك أدوات النقد الغربية، مثل علم الأديان المقارن والتحليل النفسي، ويرى أن الأدوات النقدية الغربية الحديثة جسر لإنقاذ الروحانية وتحرير العقل.
وختاماً، يسعى المفكر السوري فراس السواح إلى إحداث قطيعة معرفية مع "الخطاب الديني الأيديولوجي" الجامد، ويستند مشروعه الفكري إلى منهج مقارن يجمع بين البحث التاريخي في الشرق القديم والتحليل الظاهراتي للخبرة الدينية، ويسعى إلى تحرير الوعي عبر الرمزية، ويهدف إلى إصلاح ثقافي يتجاوز النقد الفكري إلى الدعوة المباشرة لنقد "الأصل" وتجاوز "الحنين القاتل" الذي يعوق التقدم.