تجديد الفكر الفلسفي العربي المعاصر، هدف رئيس للمفكر المغربي عمر بوفتاس، الذي يسعى إلى ربط الفلسفة العربية بقضايا الواقع المعاصر، الأمر الذي دفعه إلى تدشين فلسفة الأخلاق الحيوية العربية "البيوإتيقا العربية"، التي جعل منها محور مشروعه الفلسفي ووسيلة يهدف منها إلى تحرير الفكر الفلسفي العربي من قيود التنظير والميتافيزيقيا، حتى يصبح قادراً على تقديم حلول علمية لإشكاليات العصر.
بوفتاس، الحاصل على الدكتوراة في الفلسفة الأخلاقية من جامعة محمد الخامس، ويشغل منصب أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يسعى إلى بناء جسور بين التقاليد الفكرية العربية الإسلامية وبين المعاصرة والحداثة وقيمها، ما يمكن الفكر العربي الديني والفلسفي من مواجهة تحديات العولمة والتطور العلمي. وهو، في مشروعه الفلسفي، جعل الإنسان قيمة وغاية؛ وذلك ضمن مشروعه الذي ضمنه في العديد من كتبه؛ وأهمها: "البيوإتيقا: الأخلاقيات الجديدة في مواجهة تجاوزات البيوتكنولوجيا"، و"الأخلاقيات التطبيقية ومسألة القيم"، إضافة للعديد من الأبحاث الفلسفية والفكرية، ومنها: "التجديد الفلسفي في الفكر العربي المعاصر"، و"التراث وسؤال الحداثة"، وغيرها من المقالات والدراسات الفكرية.
تجديد فلسفي
يسعى بوفتاس إلى تجديد الفلسفة العربية، عبر جعلها أكثر ارتباطاً بقضايا الواقع المعاصر، ما دفعه إلى تدشين فلسفة "البيوإتيقا العربية"، أو فلسفة "الأخلاق الحيوية"، التي توصف بأنها أحدث أوجه الفلسفة العلمية، أو هي وفقاً لتعريفه لها "أسلوب حياة للفلسفة يمكنها من مناقشة وإيجاد حلول لمشكلات العصر بدلاً من أن تبقى حبيسة سماء الميتافيزيقا".
ويصف "البيوإتيقا" أو علم فلسفة الأخلاق الحيوية بأنها: "مجموعة من القواعد الأخلاقية العملية والمجالية، التي تسعى لتنظيم الممارسة داخل مختلف ميادين العلم والتكنولوجيا، وما يرتبط بها من أنشطة اجتماعية واقتصادية ومهنية". ويوضح أن فلسفة البيوإتيقا هي تجديد لفرع فسلفي رئيس من فروع الفلسفة التقليدية الكلاسيكية، هو مبحث القيم "الأكسيولوجيا"، ويرى أن الهدف الرئيس لفلسفة الأخلاق الحيوية هو "تقدير التتبعات الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية، لاستثمار ملكيات الكائن الحي"؛ إضافة لوضع حدود أخلاقية للتجاوزات العلمية والاجتماعية.
ويضع بوفتاس مجموعة من القواعد الأساسية لفلسفة الأخلاق الحيوية، ويُطلق عليها "المبادئ الأخلاقية الحاكمة"، التي يشدد على أهمية تطبيقها في الممارسات العلمية والطبية والاجتماعية والحياتية؛ ومنها:
- مبدأ كرامة الإنسان واحترام الحياة: الذي يتمثل في اعتبار كرامة الإنسان وحقه في الحياة ركيزة أساسية؛ إذ يسعى هذا المبدأ إلى إبطال النظرة الأداتية للإنسان، التي جعلت منه وسيلة لغايات أخرى.
- مبدأ الاستقلالية: إتاحة القدرة للإنسان، بوجه عام في جميع حالاته، لأن يكون له الحق والقدرة على تقرير ما هو خير له؛ ويتضمن هذا المبدأ أمرين: الأول، إيجابي بمعنى حرية الاختيار؛ والثاني، سلبي بمعنى الحماية من الإكراه.
يقول بوفتاس إنه يتبنى موقفاً فلسفياً يعتبر الإنسان غاية في ذاته، وليس وسيلة لغايات أخرى؛ ويضع في قلب موقفه الفلسفي من مركزية الإنسان كرامته وحريته واستقلاليته.
حوار مباشر
يهدف بوفتاس في فلسفة الأخلاق الحيوية، ومشروعه الفكري عامة، إلى "إدخال الفلسفة العربية في حوار مباشر مع إشكالات العصر"، حتى تتجاوز الجانب النظري وتصل إلى جميع مناحي الحياة، لا سيما المستجدات العلمية الحديثة؛ ويربط فلسفة الأخلاق بالقانون، ويدعو إلى إيجاد عملية تداخل بين القانون والفلسفة والدين، لإيجاد قواعد أخلاقية يجب مراعاتها حتى يمكن إيجاد فكر قانوني جدديد شامل ويتناسب مع تطورات العصر.
يذهب بوفتاس إلى أن البيوإتيقا، أو فلسفة الأخلاق الحيوية، لديها القدرة على إعادة النظر في القيم الإنسانية، ومراجعة طابعها المطلق الذي يؤكد على العديد من القيم والمبادئ الأخلاقية والقيمية الحداثية، مثل: الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والعدالة؛ ويشدد على أن هذه الحقوق الإنسانية تعكس وتمثل "أهم متطلبات النوع البشري خاصة في العصر الراهن".
ويشدد بوفتاس على أهمية تجديد الفلسفة العربية المعاصرة، ويرى أن التركيز على الأخلاقيات التطبيقية يجعل الفلسفة أكثر ارتباطاً بالواقع وإشكالياته؛ ففلسفة الأخلاق الجديدة أو فلسفة الأخلاق الحيوية "البيوإتيقا"، يمكن أن تجدد الفكر الفلسفي في العالم العربي وتنقله من مستوى التنظير إلى "واقع الممارسة الفعلية".
يتجاوز بوفتاس عمله الفكري في فلسفة الأخلاق التطبيقية "البيوإتيقا"، ليتناول العديد من المفاهيم الفلسفية والحداثية وقضايا الفكر العربي، مثل الحداثة التي يرى إنها تُمثل تحدياً وفرصة في آن واحد. فالتحدي الرئيس في الفكر العربي المعاصر هو "كيفية امتلاك الحداثة دون أن تؤدي إلى سلب الهوية"؛ إضافة إلى تحدٍّ آخر، لا يقل أهمية، هو "الحفاظ على الأصالة دون الوقوع في أصولية تُعادي الحداثة". ويسعى إلى الانخراط في الحداثة عبر تناول إشكالياتها المعاصرة، ما يساهم في تجديد الفلسفة العربية. ويدعو إلى الاستفادة من التراث عبر إعادة قراءته وتفعيل قيمه ومبادئه العليا وروحه الفاعلة، لا عبر إعادة إحيائه أو حفظه وتقديسه، حتى يتحول التراث إلى رافد للحداثة، قادر على الإسهام في إيجاد حلول معاصرة للإشكاليات الحالية.
مُعاصرة فلسفية
المعاصرة محور رئيس في مشروع بوفتاس الفكري؛ إذ يسعى في عمله الفلسفي إلى تحقيق المعاصرة الفلسفية، أو "تجديد الفكر الفلسفي في المجالات التطبيقية والحياتية"؛ ويشدد على أن الفلسفة العربية المعاصرة لا يجب أن تظل حبيسة التنظير، بل يجب أن تنتقل إلى الواقع الفعلي والتطبيق والممارسة الفعلية. كما يشدد على أهمية أن يواجه الفكر العربي المعاصر الإشكاليات التي تفرضها الحداثة والعولمة والتطور العلمي والتكنولوجي، حتى تصبح الفلسفة العربية فلسفة عملية قادرة على مناقشة وإيجاد حلول لإشكاليات العصر.
يقول بوفتاس، إن التطور التكنولوجي الهائل يفرض تحديات كبيرة على الإنسان المعاصر، هذه التحديات جزء لا يتجزأ من واقع العولمة، وهي تحديات يجب الاستجابة لها لا تجاهلها أو القفز عليها؛ ويذهب إلى أن البيوإتيقا أو فلسفة الأخلاق الحيوية هي استجابة فكرية لهذه التحديات، لأنها تتجاوز النواحي العملية، لتشكل نواة للتفكير في كيفية تنظيم فلسفي وأخلاقي وقانوني للممارسات الاجتماعية والفكرية والمهنية بشكل عام، في المجتمعات العربية المعاصرة.
تجديد ديني
يدعو بوفتاس إلى التجديد الديني والفقهي؛ إذ يرى أن الأخلاقيات الحيوية يجب أن يكون لها دور في تطوير وتجديد الفكر الديني والفلسفي معاً، ويدعو إلى ضرورة إعادة النظر في القضايا الحديثة والمعاصرة، التي طرأت على العالم العربي الإسلامي، سواء القضايا العلمية أو الفكرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وفق رؤية معاصرة تتيح للخطاب الديني إيجاد حلول لهذه الإشكاليات الطارئة والحادثة؛ الأمر الذي يُمكن أن تساهم فيه فلسفة الأخلاق الحيوية بقدرتها العملية في النظر إلى الواقع والتعامل معه.
وبالتالي، يتيح للخطاب الديني إيجاد رؤية جديدة لفهم القضايا المعاصرة، وحل إشكالياتها، والاستجابة لمتطلباتها الفكرية والدينية؛ وينادي بأهمية بناء جسر بين الحداثة والمعاصرة من جانب، وبين التقاليد الفكرية العربية الإسلامية من جانب آخر، بما يمكن الخطاب الديني من الإجابة عن الأسئلة الحديثة التي تطرحها الثورة العلمية والفكرية، حسب قوله.
وختاماً، يمثل المشروع الفكري للمفكر المغربي عمر بوفتاس، محاولة أصيلة لتجديد الفكر والفلسفة العربية وإخراجها من الجانب النظري، وإدخالها في الجانب العملي ومعترك الحياة وقضايا الواقع المعاصر. ويمثل تطويره وتدشينه للفلسفة الأخلاقية الحيوية العربية "البيوإتيقا" محاولة جادة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان العربي والعلم، وربط الإنسان وكرامته وحريته واستقلاله بالتقدم الحضاري؛ وهو يجعل من التجديد الديني والفلسفي فرصة للحداثة، يجب اغتنامها لبناء جسور بين الأصالة الفكرية والمعاصرة.