علي مبروك نموذجاً:

ظاهرة الوحي في الدراسات القرآنية الحديثة

مركز حوار الثقافات

26-11-2025

لعل الرؤية التي جاء بها المفكر المصري الراحل علي مبروك، بشأن دينامية النص القرآني في لحظة التنزيل، تستحق التوقف عندها والاشتباك معها مراراً، باعتبارها تتيح استكشاف أبرز المنطلقات المعرفية التي انطلقت منها أطروحاته، وتكشف عن الآليات الفكرية التي سعى من خلالها إلى فهم النص القرآني، في أفق تفاعلي وتحليلي منفتح على التاريخ.

يرى مبروك أنّ القرآن في زمن النبي لم يكن مجرد نص مكتوب ثابت الشكل الخارجي كما نقرؤه اليوم، بل كان خطاباً حراً نزل وتشكل ضمن مواقف تواصلية بين النبي ومخاطبيه (السياق، والحادثة، والمتلقي). بمعنى أنّ النص كان جزءاً من فعل تواصلي حي، يُتلى على يد النبي، ويُفهم في مقامه، ويخاطب واقعاً اجتماعياً وسياسياً محدداً، ما يجعل حيوية النص ناتجة عن تداخله مع الخطاب التاريخي والفاعل البشري.

تساؤلات مركزية

ويبدأ علي مبروك التساؤلات المركزية حول القرآن من قضية الأطلقة وعلاقتها بالسياسة، وهو ما يضع النص ضمن إطار التحديدات الإنسانية، منطلقاً من اللغة. فبالنسبة له، تُعد تحولات الوضع الإنساني الأساس المنطقي للانتقال من لحظة إلى أخرى في تركيب ظاهرة الوحي، أي إنّ تنزيل الوحي داخل لغة ما ينطوي على تحديده بهذا النظام الكامن. 

إضافة إلى ذلك، فإنّ كون الوحي حواراً مع واقع المخاطبين به، يكشف عن ارتباطه بالتاريخ الحي الذي يعيشونه بالفعل، وهذه الروح التي تخاصم الأطلقة وتناهضها، وترفض اعتبار الوحي مجرد أصل يُنتج الأطلقة كآلية تفكير، تقتضي التمييز بين المطلق الإلهي، الذي انفتح بوحيه على البشر تفكيراً وتاريخاً، وبين فعل الأطلقة، باعتباره آلية يسعى من خلالها البعض إلى إخضاع كل ما يدخل في تركيب التجربة البشرية إلى نظام شامل، يتجاوز التحديدات الإنسانية للتفكير والتاريخ. وهو ما كان الجيل الأول من المسلمين قد أدركه وفهمه في التعامل مع النص القرآني (مبروك، 2015). 

هذا الطرح يتقاطع منهجياً مع قراءات حداثية للنص القرآني، كنص تاريخي وثقافي، مؤكداً البعد التفاعلي للتجربة القرآنية في لحظة التنزيل. وعليه، اعتمد مبروك إطاراً تأويلياً ولغوياً يميز بين المطلق الإلهي من جهة، وآليات العرض من جهة أخرى، وهي الآليات التي تتيح إنتاج معانٍ بشرية تخدم غرضاً تواصلياً. وبناءً عليه، فإنّ فهم النص القرآني يتطلب إدراك صيرورته التاريخية، وليس الاقتصار على شكله الخارجي الثابت فقط. 

سبعة أحرف

يشتبك علي مبروك مع رواية عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم؛ إذ إنّه سمع ابن حكيم يقرأ سورة الفرقان بطريقة تختلف عن تلك التي كان النبي يقرؤها بها، فاستوقفه وأحضره إلى النبي. فأذن له النبي بالقراءة، وأكد أنّ ما قرأه هشام هو كما أنزل الله القرآن، قائلاً: "هكذا نزلت". ثم أمر النبي عمر بالقراءة فأكد أيضاً صحة قراءته قائلاً: "هكذا نزلت". وأوضح النبي أنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ويجوز قراءة كل ما يتيسر منها. كما ورد في حديث ابن عباس أنّ جبريل علّم النبي القرآن على حرف واحد، فكان يراجع ويزيده حتى أكمل النبي عليه الصلاة والسلام تعلُّمه على سبعة أحرف (أبو داوود، 2009). 

وعليه، يمكن فهم عبارة "نُزِّلَ على سبعة أحرف"، ليس كتقييد صرف لحروف كتابةٍ ثابتة؛ بل كمؤشّر على إمكانية التنوع "الصوتي/اللغوي" في القرآن، والمرونة الخطابية في سِيَر التلقي. أي سبعة أحرف تعكس مجالات لتنوع أداء القراءة والاستعمال التداولي للنص، ما يعني رصد تعدد أشكال العرض والتلقي، بما يشير إلى بُعد التعدد التداولي للقراءات؛ وهو ما يعيد تأويل الدلالة من زاوية نظرية جديدة، تبيّن علاقة هذا التعدد بالحرية الخطابية في زمن الوحي. 

ويتوقف علي مبروك طويلاً عند المأزق الذي تؤول إليه أطلقة اللغة، الذي ينبع مباشرة من أطلقة الدلالة، باعتبارها تفسيراً لحقيقة أنّ من يذهبون إلى أطلقة اللغة حرفاً وصوتاً ورسماً، هم من يقرؤون القرآن على أساس الدلالة الظاهرة أو نص التنزيل فقط، دون تأويل أو تفسير. فكون اللغة مطلقة يستلزم بالضرورة أن تكون الدلالة التي تتماهى معها مطلقة أيضاً؛ إذ إنّ التأويل والتفسير مرتبطان بتصور للدلالة لا يمكن أن يكون مطلقاً ونهائياً، وهو تصور يتطلب لغة مفتوحة، غير مطلقة، وغير مقدسة (مبروك، 2015).

وعليه، فاللغة المقدسة، باعتبارها لفظاً وحرفاً وصوتاً من الله، لا يمكن أن تكون ساحة لتعدد الدلالات؛ إذ لا يمكن أن تتجاوز الإشارة إلى قصده الثابت، الذي لا يخضع للتباين أو الاختلاف. ومن ثم، فإنّ القول بأزلية الدلالة يستلزم القول بوحدتها، وعدم تعددها، وما يترتب على ذلك من تثبيت التصور السلطوي للدلالة؛ إذ تصبح الدلالة مرهونة بالسلطة أكثر من كونها فضاءً مفتوحاً للتأويل والفهم التاريخي.

القرآن الحي

يطرح علي مبروك رؤيته لمفهوم "القرآن الحي"، على أنّه يشير إلى خطاب "تاريخي-لغوي" متفاعل، يتجاوب مع الظروف والسياقات والألسنة والذوق الجمعي في لحظة النزول، وليس نصاً جامداً بمعزل عن متلقيه أو تاريخه. ويشدّد على أنّ الحرية التي اتسم بها الخطاب القرآني في زمن الوحي، تُعد عنصراً جوهرياً في حيويته واستمراريته التأويلية. 

ويمضي مبروك في تحليل الكيفية التي حظي بها الشافعية في الفقه، والأشعرية في العقيدة، بأعلى درجات التعالي المعرفي في ثقافة الإسلام، من خلال ما يصفه بالاصطفاء "الإلهي/النبوي" الذي وضعهما في مقام كاد أن يجعلهما متلقين للوحي. وقد تحقق هذا التعالي عبر آليات مزدوجة: أولاً، من خلال ما قام به الآخرون من تعالٍ خارجي، عبر حشد الروايات والاستدلالات التي تجعل منه موضوعاً مباشراً للاصطفاء والتمييز من جانب مراكز السيادة العليا (الله والنبي)؛ وثانياً، عبر ما يقوم به الشخص نفسه من تعالٍ على الأصول التي يشيد عليها بناءه الفقهي، بحيث تكتسي هذه الأصول رداء المفارقة والتقديس، بمعزل عن الشرط الإنساني الذي يدخل في تكوينها وفهم معناها. 

وقد هيمنت هذه المنهجية على تفكير الشافعي في النص القرآني؛ إذ قامت طريقته على عزله الكامل -عزل النص- عن مجمل الشرط المحدد، ليس فقط في عمليات فهمه للنص، ولكن أيضاً في سيرورة بناء الفقه نفسه، ممّا يعكس نوعاً من التعالي المعرفي الذي وضع النص في مقام شبه مستقل عن التجربة الإنسانية والاجتماعية التي ينتمي إليها (مبروك، 2015).

ويرى مبروك أنّ جمع المصحف بوصفه ثباتاً شكلياً وخطياً، أدى إلى تثبيتٍ خارجي للنص الذي كان أكثر مرونة في العرض والتلقّي الشفوي؛ وبالتالي، قيد حركة النص بوضعه في شكل كتابي موحّد أحادي القالب. هذا التقييد كانت له آثار منهجية جعلت النص أقل قدرة على الانفتاح على سياقات جديدة، مما أدى إلى تقديس الخط والكتاب، وإغلاق المعنى، فقد كانت عملية الجمع لحظة مفصلية عطَّلت الوجوه التداولية للقراءة، الأمر الذي قوض فهم النص بوصفه خطاباً تاريخياً متحرِّكاً ومتفاعلاً. 

ويمكن القول إنّ القرآن، مثل كل النصوص الكبرى، يمثل نقطة التقاء بين البعد التاريخي المحدّد جزئياً، والبعد المتجاوز بشموله وكليته. فإذا كان البعد التأسيسي يشير إلى القيم الكبرى والشاملة، فإنّ البعد الإجرائي يتمثل في التحديدات الجزئية التي تحقق هذه القيم عملياً.

ويشير مبروك إلى أنّ فهم منطق ظاهرة الوحي لا يتحقق إلا من خلال الإحاطة بتاريخ الظاهرة بشكل شامل؛ حيث يظهر الطابع الإنساني المرتبط بالأصل الذي نشأت منه الظاهرة، الذي يعود إلى لحظة فردوسية أولى عاش فيها الإنسان وعياً بالله. ومع تعذر العودة إلى هذه الحالة، بسبب النزوع إلى التعالي بالمطلق والانفصال عن الله، طوّر الإنسان وسائل استعادة الاتصال، وكان الوحي أبرزها. 

وختاما، يؤكد مبروك أنّ الوحي كظاهرة تاريخية لم يظهر مكتملاً دفعة واحدة، بل تطور عبر مراحل زمنية طويلة ومن خلال لحظات جزئية متتابعة، يحكمها منطق يمنحها المعقولية وقابلية التفسير (مبروك، 2015). ومن ثم، فإنّ تنوع صور الوحي، على مر التاريخ الإنساني، يعكس مواقف عقلية وتاريخية مختلفة للمخاطبين، ويمنع فرض صورة سابقة على وضع لاحق أو العكس. ويخلص إلى أنّ القابلية للتجاوز جزء أساسي من تركيب ظاهرة الوحي، يمكن من خلالها دخول الإنسان، وعياً وواقعاً، في تركيب الظاهرة، سواء على المستوى العام أو الخاص، ومن ثم، فإنّ الصور المتنوعة للوحي لا تسبق المعرفة الإلهية المطلقة، ولا تستنفدها، بل تُعد تمثيلات نسبية لها ضمن التجربة الإنسانية.

 

الهوامش

- علي مبروك (2015)، نصوص حول القرآن: في السعي وراء القرآن الحي. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص ص 13-15.

- أبو داوود السجستاني (2009)، السنن، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العلمية، ص 1475. 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة