علي حرب:

جدلية الحداثة والتراث واعتماد العقلانية

مركز حوار الثقافات

30-04-2025

الحداثة والوصول إليها وتجاوزها، هي المرتكز الرئيس في المشروع الفكري للمفكر والفيلسوف اللبناني علي حرب (1941م)، الذي يرى أن العالم العربي حتى يُحقق التقدم يجب عليه أن يصل إلى الحداثة الغربية ويتجاوزها دون تقليدها بشكل أعمى؛ بل عبر اقتباس طُرق التفكير والاعتماد على العقلانية وتطبيق النقد العقلي حتى على الحداثة نفسها.

المفكر والفيلسوف اللبناني علي حرب، الذي درس الفلسفة وعمل على تدريسها في لبنان، يربط في مشروعه الفكري بين الحداثة والتراث؛ إذ تبنى نقد التراث وفهم جوهره للاستعانة به في مشروعه الحداثي، لا سيما وأنه لا يُمكن عزل التراث عن الحداثة، وذلك دون محاولة إحياء التراث أو العودة إليه بشكل تقليدي، بل لتغييره وتحديث الفكر العربي.

والمفكر اللبناني له العديد من المؤلفات التي ضمنها مشروعه الفكري، منها: "التأويل والحقيقة"، و"نقد الحقيقة"، و"نقد النص" الذي اعتُمد مقرراً رئيساً في جامعة باريس.

 الحداثة الغربية 

يرى حرب أن الحداثة مصطلح ظهر في العصر الحديث في العالم الغربي تحديداً، وارتبط بتطور الإنسان في جميع المجالات، الفكرية والعقلية والثقافية والاجتماعية والسياسية؛ والحداثة عنده "ضرورية وهامة ولا مفر منها"، مثلها مثل المصطلحات الحديثة التي ظهرت تزامناً معها، كالعلمانية والديمقراطية والعقلانية.. فيقول عن الحداثة، إنها "عملة رمزية فكرية متداولة بين المثقفين العرب، شأنها شأن المفردات المطروحة في سوق التداول الفكري: العقلانية والعلمانية والديمقراطية"، حسب قوله.

يوضح حرب العلاقة الجدلية التداخلية بين الحداثة وبين "الإنسان المحدث"؛ إذ إنه ابن الحداثة، بينما الحداثة وليدة الإنسان المحدث الفاعل، فالحداثة "خلق مستمر" وفعل دائم، ولا تنحصر في الجانب النظري فقط، بل تجمع معه الفعل الحداثي الذي يتمثل في الجانب التطبيقي لها، والمتمثل في العلوم والمناهج، وهو أمر هام في المشروع الحداثي الذي يصفه بأنه "ليس دعوة أو رسالة ولا استعراضاً لمنجزات الفكر الحديث، إنما حسب ما نفكر فيه ونصنع، فهو خلق مستمر"، حسب قوله.

الحداثة عند حرب هي انطلاقة جديدة "تشكلت بالثورة على ما سبقها والعمل على إقصائه إلى حظيرة التقليد، أو إلى دائرة الظلام، أو إلى عالم الخرافة واللا معقول"؛ فالحداثة ثورة وتمرد على ما سبق عليها وحلقات لا متناهية من الانتقادات، وفق قوله. والحداثة ليست صداماً بين جبهتين متضادتين أو فصيلين مختلفين، فصيل تقليدي سلفي جامد، وفريق حداثي تنويري؛ بل "تتمثل في كيفية التعامل مع الأحداث والمواقف الراهنة والطارئة، وكل ما يستجد من أحداث أو تجارب حضارية"، حسب قوله.

الإنسان والحداثة

ويؤكد حرب أن الإنسان هو المحور الرئيس للحداثة، وخاصيته الأساسية تكمن في العقل، الذي تعتبره الحداثة "جوهراً خالياً من الشوائب واللا معقول"؛ فالعقل هو المحرك الأساسي للحداثة، ويجب استعماله بشكل دائم حتى لا يتوقف عن النقد والاستكشاف والبحث والإنتاج العقلي، ما يُمَكِّن الإنسان من استعمال مناهج عقلية حديثة، تُعينه على التقييم والفصل بين ما يمكن معرفته ودراسته وفهمه واكتشافه والعمل وفقاً لذلك، وبين ما يُمكن معرفته أو دراسته.

ويشدد حرب على أهمية النقد العقلي في الحداثة، وأهمية تطبيقه على الحداثة نفسها؛ إذ إنه من الهام على المُشارك في صناعة الحداثة "أن يتعامل معها تعاملاً نقدياً"؛ وذلك لبناء إمكانيات جديدة للفكر وتطبيقه، وتوسيع إمكانياته، فالسؤال النقدي في الحداثة: "ليس مَن أكون؟ وكيف أحافظ على هويتي؟ وكيف أكون وفياً لتراثي؟.. وإنما كيف يمكن أن أتغير عما أنا عليه، بتوسيع مساحة الإمكانيات وقلب الأولويات"، حسب قوله.

يستخدم "حرب" ما وصفه بـ"المنطق التحويلي" الذي يتجاوز في نظرته للعالم على أنه "موضوع أو ماهية محددة"، فيرى العالم بنية متكونة من علاقات خاصة قابلة للتحويل والتوليد، للتحول إلى فروقات واختلالات ستظل موجودة إلى ما لا نهاية، ولا يمكن القضاء عليها أو تحقيق الانسجام بينها إلا عبر الفكر والعقل، الذي يستخدم التأويل والتفكيك والتركيب والتحويل للعلاقات التي تمثل العالم، ما يُعطي للإنسان قدرة على التكيف مع أي ظروف طارئة أو جديدة وفقاً للمنطق التحويلي الذي اشتقه حرب.

التراث والهوية

يرى حرب أن التراث يحتل مكاناً كبيراً في العصر الحالي؛ لأنه "محور من محاور الثقافة السائدة"، ارتبط البحث فيه بالبحث عن الهوية، التي لا تتضح إلا عبر الرجوع إلى الماضي الفكري والثقافي؛ الأمر الذي أدى إلى انتشار عديد من الدراسات والأبحاث الفكرية عن التراث، لإيجاد حل لإشكالية العلاقة بين الماضي والحاضر، أو بين التراث والحداثة، أو الأصالة والمعاصرة، حسب قوله.

يقول حرب، إن الدراسات الحديثة والمعاصرة التي تبحث في التراث، وقعت في خطأ الفصل بين الماضي والحاضر، والفصل بين الأصالة والمعاصرة؛ لأن الماضي يمثل "هوية ناطقة" للإنسان؛ إذ إنه "لا انفكاك لأحد عن ماضيه، بل الإنسان هو علاقته بقديمه وبتواريخه وترسباته، والفرق بين شخص وآخر هو كيفية التعامل مع المعطَى الذي يحمله بين جنبيه"، حسب قوله.

ويوضح حرب أن الطريقة المُثلى للتعامل مع التراث، هو الدراسة النقدية التي تهدف إلى إضافة جديد إليه وأشكال حديثة به؛ ومن ثَم، يقسم طرق التعامل مع جدلية التراث والحداثة أقساماً ثلاثة: الطريقة الأولى: تقديس التراث ومحاولة إعادته، وهي طريقها يتبعها السلفيون التقليديون؛ والطريقة الثانية: تحفيز التراث ونقده، ليمكن فهم جوهر التراث وحقيقته للاستعانة به بوصفه أحد معطيات الحداثة؛ والطريقة الثالثة: تتمثل في محاولة الانطلاق إلى الحداثة عبر المعطيات التراثية التقليدية التي تكون بالنسبة لأصحاب هذا الفريق بدهيات ومسلمات.

ويتبنى حرب الطريقة الثانية في التعامل مع التراث، التي تتمثل في نقده وتحفيزه لفهم جوهره والوصول إلى روحه للاستعانة به ضمن روافد الحداثة، وذلك انطلاقاً من تأكيده ضرورة التعامل الحسن مع التراث، فلا يجب على الحداثي أن "يتجاهل أصوله"، كما أنه لا يمكن للأصولي أو التراثي أن يتجاهل حداثته، وفق قوله.

الحداثة والتراث 

يؤكد حرب احتياج الحداثة للتراث واحتياج التراث للحداثة، فلا مجال لعزل أحدهما عن الآخر، الأمر الذي يستلزم النظر السليم من كل منهما للآخر؛ لكنه يشدد على أن العودة إلى التراث لا تعني إعادة إحيائه وإعادته كما كان، ولا يجب العودة إلى التراث بهدف التفكير والعمل على حل المشكلات كما كان يحدث في التراث، بل هدف العودة إلى التراث هو العمل عليه وتغييره بهدف "تحديث الفكر وتجديد المعرفة"، حسب قوله.

يقول حرب إن التراث الذي يجب العودة إليه يتجسد في النصوص التراثية؛ إذ إن النصوص الهامة المتميزة في التراث تحول دون الانقطاع والانفصال عن الماضي، فالعلاقة بين التراث والحداثة هي نفسها علاقة النص والحداثة، باعتبار أن النص روح التراث أو "التراث الملموس الذي يصل إلينا على نحو مكتوب". ويجب على الحداثي التعامل مع أصوله التراثية و"نصوص التراث"، معاملة مبدعة وخلاقة وتحديثية "تمكنه من معالجة النص التراثي وتحويله إلى فعل معرفي"، حسب قوله.

ويطالب حرب بالاستفادة من الحداثة الغربية، خصوصاً ما يتعلق بـ"ازدهار العقل" وممارساته النقدية، والمجال الأهم لدى الغرب الذي تجب الاستفادة منه هو "النقد العقلي وتعامل العقل مع ذاته وطريقة تدبره أزماته"، وسيرورة العقل الغربي وتجاربه وعلاقته النقدية مع ذاته وإعادة النظر في أنظمته المعرفية والعلمية، لا سيما أن الغرب لم يبلغ ما بلغه من تقدم وازدهار إلا من خلال نقد العقل ذاته، والعودة المستمرة على كل منتجات العقل بالنقد والتفكيك، حسب قوله.

ويُشدد حرب على قيمة العقلانية في الحداثة الغربية، التي تأتي عبر تحرر الذات، ما يُعطي العقل المقدرة على فعل التقدم والحرية، حتى يمكن الوصول إلى "المعرفة الحرة واكتشاف آفاق جديدة، دون محاولة فرض هيمنة العقل وسطوته"، حسب قوله. 

وختاماً، يدعو حرب إلى التعامل مع الحداثة الغربية على أنها "نموذج قوة"، يجب تحليل أسبابها ومعرفتها، والانطلاق منها باعتبارها نقطة بداية للحداثة العربية؛ إذ رغم أسبقية الحداثة الغربية على محاولات الحداثة العربية، فإنه يمكن بلوغها دون تتبعها والتزام نفس مسارها؛ لأن تقليد الحداثة الغربية تقليد أجوف لن يُمكِّن من الوصول إليها أو الاقتراب منها لاستمرارية تجدد الحداثة، بل إنه يُمكن الوصول للحداثة وتجاوز الحداثة الغربية عن طريق اقتباس طرق تعاملها مع الإشكاليات وتجاوز الأزمات.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة