عرش المقدس:

تفاعلية الثقافة والدين في البعد الاجتماعي

مركز حوار الثقافات

13-08-2025

يتناول المفكر السوري عبد الهادي عبد الرحمن في كتابه "عرش المقدس: الدين في الثقافة والثقافة في الدين"، مفهوم المقدس باعتباره إحدى أهم القضايا الشائكة في الفكر العربي قديماً وحديثاً، وينتقل به من كونه مفهوماً ثابتاً مُتعالياً إلى مفهوم له بنية دلالية متغيرة، وفق الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية. كما يتناول مفهوم "المُتغير" وتوظيفه وعلاقته بالتأويل البشري والرمزية الجماعية، ويُفكك العلاقة بين المقدس وبين الهوية والعلمانية والجسد البيولوجي، منطلقاً من أن المقدس مُنتج ثقافي وتاريخي، يمكن فهمه وتحليله لأنه خاضع لتحولات الوعي والثقافة، فالمقدس يخضع للزمن ويتحقق فيه، وما هو مقدس في عصرٍ ما قد لا يكون مقدساً في زمن آخر.

مركزية المقدس

يذهب عبد الرحمن إلى أن العلاقة بين المقدس والدين مُركّبة وتتجاوز التصنيفات الثابتة، خصوصاً وأن المقدس "يتشكل في لحظة ثقافية وتاريخية محددة"، ويجتهد في تفكيك العلاقة بين المقدس والثقافة من جهة، وبين المقدس والدين من جهة أخرى؛ ويسعى بذلك إلى تجاوز ثنائيات تبدو متناقضة، مثل ثنائية الدين والعلمانية، وثنائية الهوية والآخر والنص والتاريخ، ويوضح أن هدف دراسته ظاهرة المقدس هو الإنصات إلى صوته "المتعدد كما يظهر في الخطاب الديني والثقافي والتاريخي".

ويستعرض الكاتب النظريات السابقة في دراسة مفهوم المقدس، مثل عالم الاجتماعي الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917م)، الذي رأى المقدس "تعبيراً عن الوعي الجمعي للجماعة"، وينتقل إلى الفيلسوف الروماني مرسيا إلياد (1907-1986م)، الذي يرى في المقدس "انكشافاً للوجود المُتعالي"، لينتهي بالفهم الحديث للمقدس الذي يراه "نظاماً من الدلالات الرمزية أكثر منه كياناً ميتافيزيقياً"، بينما يرى أن ثنائية "المقدس والمدنس"، أساسية في فهم المقدس الذي لا يمكن معرفته إلا بمعرفة ضده "المدنس"، لا سيما أن الثقافات جميعها دون استثناء، القديم منها والحديث، "تحتفظ بمراكز مقدسة تشكل المحور الذي تنتظم حوله المعاني والحدود".

يقول عبد الرحمن، إن المقدس يرتبط بمركزية النص التي تُشكل معناه، فالنص لا يكون مقدساً بذاته، ويصبح مقدساً حين يُدمج في آلية تأويل اجتماعية دينية، تعيد إنتاج النص بوصفه مركزاً دلالياً ورمزياً، كما أنه يُعاد إنتاج المقدس ضمن الطقوس باعتبارها "آليات تُعيد تشكيل المعنى داخل الجماعة، وتعطي للمقدس بُعداً حياتياً في الذاكرة الجماعية"؛ ومن ثَم، يتناول ما وصفه بـ"المقدس المُعلمن"، أو ظاهرة "العلمانية المقدسة"، ويوضح بأنها تشكيل أنماط التفكير الديني للحقول والمجالات العلمانية، كالدولة والقانون والهوية القومية، فالمقدس تجاوز كونه مفهوماً مقتصراً على الجانب الديني، وتحول إلى "بنية ثقافية تخترق الحقول الاجتماعية دون استثناء"، وفق قوله.

بيولوجيا المقدس

يوضح المؤلف أن ثنائية "الديني والعلماني" لم تكن موجودة في الفكر البشري، بل ظهرت بسبب تحولات تاريخية وثقافية في العالم الغربي، ويرى أن "العلماني ليس نقيضاً للديني". ورغم فصل الغرب للدين عن الدولة، فإن الغرب لم يفصل الديني عن المجالات الثقافية والرمزية، ويرى أن العلمانية نظام رمزي ينتج خطاباً عن الدين وحدوده ودوره، ما عرضها إلى أزمة مجتمعية في العالم الإسلامي، حينما "استوردت مفاهيم وأنماطاً عالمية تصادمت مع أنماط التدين المحلي"، خاصة أن الدين يمكن استخدامه وسيلة لتعريف الذات والانتماء، ورد فعل على تفكك الهوية؛ إذ يوجد "استخدام للدين بوصفه هوية واستخدام للانتماء الديني لتعريف الذات الفردية أو الجماعية في سياقات سياسية أو ثقافية مختلفة"، حسب قوله.

ويجتهد عبد الرحمن في إيجاد تفسير بيولوجي للمقدس، فهو يرى أن المقدس له "جذور بيولوجية وفطرية في الإنسان"، فبعض مظاهر المقدس تعود إلى بنى بيولوجية وعصبية، تجعل الإنسان يميل إلى الرمزية والانفعال والدهشة والخوف من المطلق، وهي مظاهر ذات أبعاد دينية، موضحاً أن "المقدس ليس فكرة عقلية فقط"، بل في "جوهره تجربة انفعالية رمزية مرتبطة بالخوف والحماية والذنب والطهارة". 

أيضاً، يتناول علاقة الإنسان بالموت ويعتبرها أهم دافع لإنتاج المقدس، ويرى أن الطقوس الدينية، أو "طقوس المقدس"، حلقة وصل بين البنية البيولوجية وبين الانفعال والرمزية، فالطقوس وفقاً لقوله "ليست دينية فقط، بل هي نشاطٌ بيولوجي يساعد على إعادة توازن الفرد والجماعة".

خطاب تحرري

يوضح الكاتب أنه رغم ارتباط المقدس بفكر السلطة، بوصفه أداة للخضوع السياسي، فإنه يمكن اعتباره خطاباً تحررياً يدعو إلى المقاومة؛ ويضرب مثلاً ببعض الأنظمة السياسية التي استخدمت المقدس لترسيخ سلطتها وتبرير إلهية القوانين، كما حدث في أوروبا في القرون الوسطي والسلطة الكنسية، أو ما يقابلها في العالم الإسلامي آنذاك، بما وصفه بـ"الإسلام السلطوي". 

ويرى الكاتب وجود عديد من النماذج استخدمت المقدس باعتباره خطاباً للمقاومة والتحرر، لا سيما أن المقدس يتوزع كخطاب بين نداء "الطاعة" المتمثل في الخضوع للقدر والشرع، وبين نداء "التحرر" المتمثل في العدل والكرامة والشهادة، وهو خطاب يمكن تأويله وتفسيره وفقاً للظروف التاريخية، خاصة أن النصوص الدينية غير مسؤولة عن استخدام المقدس، سواء بالمقاومة أو بالخضوع، بل المسؤول عن ذلك تأويلها وفهمها وفقاً للفهم البشري والظروف الاجتماعية.

وبالتالي، فالهوية سواء كانت دينية أو وطنية أو ثقافية، وفقاً لـ"عبد الرحمن"، تحتاج دائماً إلى "مركز رمزي" يمنحها الشرعية والثبات. هذا المركز هو المقدس الذي يراه يمنح للهوية "مشروعية متعالية" تجعلها غير قابلة للنقاش أو التفكيك، مؤكداً أن الهوية يمكن صياغتها وفق رموز جماعية، مثل "اللغة والعلم والأرض والطقوس"، وهي رموز تكتسب صفة القداسة حينما يُنظر إليها كمصدر لمعنى الجماعة وتاريخها وشرعيتها. 

فالمقدس الديني، وفقاً للكاتب، يُعطي للهوية صفة تعالٍ أخلاقي ورمزي؛ لذا، يحذر من تحول الهوية الدينية إلى أدوات فرز اجتماعي وطائفي تسعى للإقصاء، فيحدث صراعات طائفية ودينية، ما يدفعه إلى رفض تقديس الهوية لأنها تغلق الباب أم التحولات والتعددية وتجعل الجماعة كُتلاً مغلقة غير قابلة للانفتاح.

المقدس والتاريخ

يُعطي الكاتب للمقدس أبعاداً تاريخية، ويرى إمكانية تشكله وتحوله وإعادة إنتاجه، وفقاً للظروف الاجتماعية والثقافية، فيتجاوز فكرة المقدس المطلق إلى التأكيد على أن المقدس ليس سابقاً على التاريخ، بل يُنتج داخل التاريخ بواسطة آليات التقديس وإضفاء المعنى والرمزية، ما يجعل المقدس يتغير بتغير الأنظمة الاجتماعية والرمزية والثقافية والتاريخية. 

ويفسر عبد الرحمن ذلك بأن ما "قد يُعتبر مقدساً في عصر ما قد يفقد قدسيته في عصر آخر"، لأسباب منها تغير التأويل والإنتاج الجماعي للمقدس عبر التجربة المشتركة، فالمقدس يخضع لتغيرات الوعي والتحولات الثقافية؛ وهو يشدد على أن المقدس ليس نقيضاً للزمن، بل يتحقق فيه، ويدعو إلى الانتقال من المقدس الثابت إلى تقدير "المقدس الممكن" الذي يُنتج المعنى دون أن يتحول إلى رمز مغلق.

وختاماً، يوضح المفكر السوري عبد الهادي عبد الرحمن، في كتابه "عرش المقدس: الدين في الثقافة والثقافة في الدين"، أن المقدس مفهوم ليس جوهراً ثابتاً أو متعالياً، بل هو بنية ثقافية متحولة تتشكل في الزمان والمكان وفقط، ومن ثَم، لا يمكن فصل المقدس عن الثقافة أو فصل الثقافة عن المقدس. لذا، فهو يرفض الماهية الثابتة للمقدس التي تجعله غير خاضع للنقد، ما يُسبب الجمود والتفكير الديني المنغلق غير المتجدد؛ ويُطالب بتفكيك البنية التأويلية للمقدس التي تنتج معناه في الأزمنة المختلفة، مؤكداً على أهمية استخدام النقد والتحليل في فهم المقدس لتجاوز ثنائيات الدين والعلمانية والمقدس والمدنس، حتى يمكن تأسيس إطار معرفي قادر على فهم المقدس وفهم آليات تأويله وتغيره.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة