عبد الحسين شعبان:

تفكيك التراث عبر النقد والتجديد والاجتهاد

مركز حوار الثقافات

27-11-2025

يقدم المفكر العراقي عبد الحسين شعبان (1945م)، مشروعاً حداثياً يعيد من خلاله القراءة النقدية للتراث والهوية، ويتجاوز به الجمود التقليدي والانبهار الغربي، ويؤكد من خلاله أهمية فتح أبواب التجديد وتحرير العقل من التقليد.

شعبان، الحاصل على الدكتوراه في فلسفة العلوم القانونية، من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية ببراغ، ونائب رئيس جامعة اللا عنف وحقوق الإنسان اللبنانية "أونور"، الذي حاضر في عديد من الجامعات العربية، يرفض الثنائية المفتعلة بين الأصالة والمعاصرة ويدعو إلى أصالة إيجابية قادرة على الإبداع والتفاعل. وقد وضع مشروعه الفكري في عديد من مؤلفاته، منها: "الهوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة"، و"تحطيم المراية في الماركسية والاختلاف"، و"فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي"، و"جدل الهويات في العراق: الدولة والمواطنة"، و"المجتمع المدني: سيرة وسيرورة"، و"الإسلام وحقوق الإنسان: المشترك الإنساني للثقافات"، وغيرها من الأعمال والدراسات الفكرية. 

التراث والتجديد

يرى شعبان أن التراث ظاهرة تاريخية معقدة، تحمل في طياتها عناصر "النور والظلام والتحرر والقمع"، ولا يجب اعتباره كتلة واحدة متجانسة، كما أنه ليس نصاً مقدساً فوق النقد؛ بل هو إنتاج بشري خاضع لشروطه التاريخية والاجتماعية. ولذلك يطالب بإعادة النظر إلى التراث وتفكيكه، لفهم وتحليل آليات عمله ووظيفته في السياق المعاصر. وينتقد بشدة "الخطاب التراثي الجامد" الذي يقدس الماضي ويجعل منه معياراً للحاضر، ويعتبر أن هذا الخطاب هو إحدى الإشكاليات الحداثية التي يعاني منها العالم العربي؛ فالتراث، عند شعبان، يجب أن يكون مصدر إلهام وليس سجناً فكرياً.

وينادي بالتجديد الديني الذي يراه ضرورة وجودية، لمواجهة التحديات المعاصرة التي يعيشها العالم الإسلامي، وليس ترفاً فكرياً؛ ويشدد على أن التجديد يجب أن ينبع من داخل العالم العربي والإسلامي، ولا يجب أن يفرض عليه من الخارج؛ إذ لا يمكن للتجديد الديني أن ينجح دون حرية فكرية، لأن المجتمع الذي لا يسمح بتنوع الآراء وحرية التعبير لن يكون قادراً على إنتاج فكر ديني متجدد قادر على مخاطبة العصر.

التجديد والاجتهاد

ينادي شعبان بالاجتهاد، ويرى أنه "المفتاح الذي يمكن من خلاله فتح أبواب التجديد الديني على مصراعيها"، ويتجاوز النظرة الضيقة للاجتهاد التي تحدده في "الاجتهاد الفقهي في المسائل الجزئية"؛ وهو يوسع مفهوم الاجتهاد ليشمل الاجتهاد في فهم النصوص، وبناء المفاهيم، وصياغة الرؤى. كما يدعو إلى إحياء مقولة "أبواب الاجتهاد لم تُغلق قط"، ويرى أن العودة إلى الاجتهاد بمعناه الواسع هو السبيل الوحيد لتحرير العقل المسلم من ربقة التقليد والجمود، مؤكداً أن الاجتهاد لا يجب أن يكون حكراً على الفقهاء أو رجال الدين، وإنما هو حقّ لكل "مثقف واعٍ يمتلك الأدوات المعرفية اللازمة لفهم النصوص وسياقاتها"، حتى يُصبح كل فرد مسؤولاً عن فهم دينه وبناء رؤيته الخاصة.

وينتقد شعبان الخطاب الديني التقليدي الذي يقدم الدين كمجموعة من الأوامر والنواهي الجامدة، ويُهمل البُعد الأخلاقي والإنساني فيه، ويصف هذا الخطاب بأنه أسهم في نشر ثقافة الخوف والكراهية، بدلاً من ثقافة الحب والتسامح التي يفترض أن يكون الدين مصدراً لها.

ومن ثم، فالصراع الدائر بين الأصالة والمعاصرة، عند شعبان، صراع مفتعل، اتخذ أبعاداً أيديولوجية وثقافية متعددة؛ حيث يفترض هذا الصراع أن الأصالة شيء جامد والمعاصرة شيء مستورد. إلا أنه يوضح أن الأصالة الحقيقية تتمثل في القدرة على التجديد والتفاعل مع العصر، وهي "ليست انعزالاً عن العالم، بل القدرة على الإسهام فيه بذاتية واعية". أيضاً، يفرّق بين الأصالة السلبية التي تتمثل في "التمسك بالشكل دون الجوهر"، و"الخوف من الآخر"، و"الاستعاضة عن الحاضر بالحنين إلى الماضي"، وبين الأصالة الإيجابية المؤسسة على الإبداع والتفاعل والاستيعاب النقدي، وهي أصالة قادرة على إنتاج حضارة حية قادرة على مواجهة التحديات العصرية. 

ويرى أن المعاصرة لا يجب أن تكون تقليداً أعمى للغرب، فالمعاصرة الحقيقية هي "القدرة على الانخراط في الحداثة العالمية بوعي ونقد". ويشدد على رفضه "الانبهار بالنموذج الغربي"، ويدعو إلى "معاصرة عربية أصيلة"، تأخذ من الحداثة الغربية ما يتوافق مع قيم العدالة والحرية، دون أن تتخلى عن خصوصيتها الثقافية. 

أركان الحداثة

يرى شعبان أن العالم العربي يعيش أزمة هوية وحالة انقسام، وذلك بسبب فشل إرساء أسس الحداثة؛ ويرى أن العالم العربي يعاني من "صعود الهويات الفرعية تحت الوطنية"، التي يتحكم فيها الانتماء الديني والطائفي والمذهبي والعشائري. وينادي بالعروبة المحدثة، التي يُفرق فيها بين "الفكرة القومية" كأيديولوجيا، و"الفكرة العروبية" كرابطة إنسانية اجتماعية ووجدانية. وحتى تكون هذه الرابطة سبباً للتقدم، وقابلة له، يجب أن تتحول، في رأي شعبان، إلى "تيار عروبي تقدمي"، وذلك عبر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ما يؤسس لدولة عصرية مؤسسة على المواطنة الكاملة، دون تبعية أو هيمنة.

يرى شعبان أن التعددية مسألة كونية هامة وضرورية ويوضح أهمية "التعددية والتنوع الثقافي والقومي والديني واحترام حقوق الهويات الفرعية وخصوصياتها"، ويشدد على ضرورة تأمين حقوق "المجاميع الثقافية"، وينتقد الثقافة المهيمنة التي تميل إلى عدم احترام خصوصيات "الأقليات" أو التقليل من شأنها، ويرى أن المواطنة الحقيقية تؤسس على تعايش الهويات المصغرة والفرعية مع الهوية العامة في إطار من المساواة والحرية، حتى يكون الهدف تحقيق "التنوع في إطار الوحدة" دون "التنافر والاحتراب". 

ويضع أركاناً أساسية أربعة يرى أنه لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق الحداثة، تشكل محتوى وجوهر أي تغيير اجتماعي، وهي: المدنية والعلمانية والعقلانية والديمقراطية؛ فالمدنية ضامن للمساواة والحقوق دون تمييز، والعلمانية أو الركن الثاني للحداثة يراها شرطاً قادراً على مواجهة التنوع الديني والطائفي، ويضمن المساواة الكاملة والمواطنة العضوية. ويصف العقلانية كركن ثالث للحداثة عنده، بأنها تمثل مرجعية التفكير المنهجي النقدي، ونقيض الجمود الأيديولوجي والدوغمائية؛ وأخيراً، الديمقراطية التي تشتمل على التعددية والتنوع وقبول الآخر والاعتراف بحق الاختلاف. ويشدد على أن الحداثة عملية عقلانية شاملة، وليست استيراداً للتقنيات أو للمؤسسات الغربية، ويرى أن غياب مفهومي الهوية والمواطنة يحول دون حداثة حقيقية، حسب قوله.

ثقافة التسامح

يربط شعبان بين الحداثة والتسامح، الذي يراه إحدى القيم الأساسية التي يجب أن تستند إليها الحداثة العربية، ويذهب إلى أن التسامح يتجاوز كونه "فضيلة زائدة" أو "هدية من القوي إلى الضعيف"، لأنه مطلب حداثي وحضاري وشرط وجودي لبناء مجتمعات مدنية؛ حيث يصف التسامح بأنه "نتاج نضج فكري وحضاري"، ويرى أن إحدى إشكاليات المجتمعات العربية هو غياب ثقافة التسامح. 

ولذا، يذهب إلى أن التراث الإسلامي ممتلئ بفكرة التسامح، رغم وجود "خطابات تعصّبية" في التراث؛ لكنه يرفض تعميم هذه الخطابات لأن "التراث ليس كتلة واحدة"، وإنما هو "مجال صراع بين خطابات متعددة". ويستعرض أقوال فلاسفة ومفكرين إسلاميين من التراث، مثل الفارابي وابن رشد والغزالي وابن عربي، مؤكداً أن "التسامح موجود في التراث، لكنه كان دائماً في موقع الدفاع، وليس في موقع الهيمنة"، وذلك بسبب سيادة الخطابات الفقهية التي كانت تميل إلى التشدد والانغلاق.

ويقول شعبان، إن الطائفية نقيض التسامح الأكبر، ويُعرفها بأنها "سياسة الهوية المغلقة"، التي تحوّل الدين من رسالة روحية إلى أداة للتمييز والاستبعاد؛ إذ يرى أن التعايش بين المذاهب والديانات المختلفة في تسامح لا يضعف الهوية بل يُغنيها، لأن "التسامح ليس تنازلاً عن الهوية، بل هو اعتراف بأنها ليست سجناً".

وختاماً، يرتكز المشروع الفكري الحداثي عند المفكر العراقي عبد الحسين شعبان على مبادئ ثلاثة رئيسة: النقد والتجديد والاجتهاد؛ فهو يرفض القطيعة الكاملة مع التراث، ويدعو إلى الحوار النقدي معه، بهدف استخلاص عناصر القوة فيه لخدمة الحاضر والمستقبل. ويربط بين التجديد الديني وتبني أركان الحداثة، لتحقيق تكامل يتجاوز أزمة الهوية ويواجه "صعود الهويات الفرعية"، ويؤدي إلى تأسيس المواطنة الكاملة والتعددية. كما يعتبر التسامح شرطاً وجودياً لبناء مجتمعات مدنية متحررة من الانغلاق والطائفية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة