صورة الصحابي:

وظيفة اجتماعية تحمي نمط الاتِّباع

مركز حوار الثقافات

24-11-2024

تساؤلٌ عن الصحابة يفتح البحث عن الماضي ويضعه في مقارنة مع، أو أمام، مرآة الحاضر والمستقبل. من هنا، ينطلق الكاتب والباحث والأكاديمي التونسي نادر الحمامي، في كتابه "صورة الصحابيِّ في كُتب الحديث"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 2014، عن المركز الثقافي العربي، وفيه يؤكد الكاتب أنَّ "على هذا المنوال من النظر إلى الماضي يكون حال الناس في كل زمان.. حنين دائم إلى أمس".

ويضيف الكاتب بأنه إذا كان للعوامل النفسية والاجتماعية دور مُهم في تكريس النظرية التمجيدية إلى السَّلَف، فإن العامل الدينيَّ يبقى هو الأهم، ذلك أن ديانات الوحي النبوي (اليهودية والمسيحية والإسلام)، تتفق على تقسيم التاريخ إلى ثلاث فترات متميزة:

- فترة الضلال والظلمات التي تسبق الوحي.

- فترة النور والهدى، وهي الفترة الممتازة من التاريخ.

- الفترة التي تلي الوحي، التي يخفت فيها النور.

منزلة الصحابة

يقول الكاتب إن منزلة الصحابة في الضمير الإسلامي قد شهدت تحولات كثيرة؛ فهم بحسب الكاتب، لم يتمتعوا بهذه المكانة التاريخية التي اكتسبوها لاحقاً بعد استقرار المذاهب الكلامية.

ويتابع أنه في القرن الثالث تحديداً انتهى الأمر إلى إقامة صرح نظري وسياج دوجمائي، يحمي أصحاب النبي محمد من كل ما يمكن أن يمس مكانتهم في الفكر والوجدان؛ وهذا الصرح كرّسته كتب العقائد السُّنّية بالأساس، مستشهداً بما ذكره الأشعري، إمام المتكلمين:

"ندين بحب السَّلَف الذين اختارهم الله لصحبة نبيِّه عليه السلام، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين، ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله، أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم عليّ بن أبي طالب، فهؤلاء الأئمة، بعد رسول الله، وخلافتهم خلافة نبوة، ونشهد بالجنة للعشْرة الذين شهد لهم رسول الله بها، ونتولى سائر أصحاب النبي، ونكفُّ عما شجر بينهم".

ويقول الكاتب إن الأخبار المتداولة عن صحابة النبي شُكّلت تشكيلاً فنياً لخدمة أغراض مختلفة، متلونة بمشاغل صانعيها وناقليها، حسب قوله، ما يجعلها أخباراً مندرجة بامتياز في مبحث "المتخيَّل الإسلامي"، وهو مبحث غدا منذ عقود مبحثاً مهماً في دراسة الفكر الإسلامي، استناداً إلى استقراء النصوص مباشرة وتحليلها في ضوء العلوم الإنسانية الحديثة. 

وليس بعيداً عن ذلك ما يشير إليه الكاتب في ما أنجزه جمال الدين بن الشيخ، الذي جعل "العجيب والغريب"، وهو شكل من أشكال "المتخيَّل"، جزءاً لا يتجزأ من النظام المعرفي العربي الإسلامي، خصوصاً في ما يتعلق منه بالتراث الديني؛ فقد تتبع ذلك، ليس فقط من خلال قصص كتاب "ألف ليلة وليلة" الشهير؛ إذ ربطها بالمعتقد السائد والمنظومة الفكرية في المجتمع، بل كذلك من خلال دراسة القصص الديني نفسه، مثل قصة الإسراء والمعراج، فضلاً عن دراسة أهم كتب التراث في العجيب والغريب، وهو كتاب زكريا القزويني "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات".

نقد الصحابة

يقول الكاتب إن موت النبي محمد كان سبباً مباشراً لإحياء الخلافات السياسية والانتمائية القبلية بين أصحابه من بعده، فقد اتضح أن الرسول لم يستطع أن يقضي على هذه الخلافات بينهم تماماً، بل دُجِّنت لفترة بسبب حضوره الشخصي؛ لذا كان موته شرارة انطلاق الخلافات، بدءاً من مسألة الخلاف حول الخلافة؛ إذ بموته اشتد الصراع بين الأنصار والمهاجرين القرشيين، كما أعادت هذه الوفاة الصراع بين الأوس والخزرج، فضلاً عن الصراع المعهود بين القبائل القرشية ذات النفوذ الاقتصادي والاجتماعي من ناحية، والعشائر الأقل نفوذاً منها من ناحية أخرى.

ويلفت الكاتب إلى اشتعال نار النقد لأصحاب الرسول بعد وفاته في فترة عودة الصراعات، ومنهم المبشّرون بالجنة، لكن بقيت الصورة العامة للصحابة في الوجدان والتاريخ خالية من العيوب والنقائص، باعتبارها "امتداداً للنبوة".

ويُشير إلى أن الصراعات المذهبية والعقائدية بدأت تتفاقم في التاريخ الإسلامي بعد موت النبي، سواء لغايات سياسية أو إيمانية، وقد ولّدت هذه الصراعات فِرَقاً اختلفت في ما بينها، خصوصاً في حكمها على الخلفاء الأربعة الأوائل، وكذلك على الحسن بن علي ومعاوية، وهؤلاء الستة هم الذين اجتمعت فيهم الخلافة وصُحبة النبي محمد؛ لافتاً إلى قول هذه الفرق في الصحابة، وهو قول وثيق الصلة بعقائد الإسلاميين في "صاحب الكبيرة"، وتأرجحه عندهم بين الإيمان والكفر، ولم يكن ذلك القول، بحسب الكاتب، في "صاحب الكبيرة" سوى البذرة الأولى التي أنتجت مقالة "الخروج"، التي استوجبت مقالات رادّة عليها، فكانت المُرجئة والجبرية والقدرية التي خرجت المُعتزلة من رحمها، ثم قامت الحنبلية رادّة عليها، وبينهما كانت الأشعرية ساعية إلى التوفيق.

ويقول الكاتب إن ما يهمنا هنا أن مقالة الخوارج، المتولدة عن التحكيم، كانت قائمة على إكفار صاحب الذنب الكبير، ولم يكن صاحب الذنب في البداية سوى معاوية بن أبي سفيان، وعليّ حين حكّم، والحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري؛ لذلك، لم يكن بُدٌّ عند أهل السُّنة، بداية من ابن حنبل، إلا الدفاع عن صحابة النبي وتحريم الخوض في ما جرى بينهم من صراع وتقاتُل.

ويعود الكاتب ليؤكد أن ما قرره المتكلمون لم يكن كافياً لتنزيه الصحابة والكفّ عما شجر بينهم، فطفق المسلمون يُعلون من شأن الصحابة، فزيَّنوا وهذَّبوا وكفُّوا وسكتوا، لكن دون أن يمحوا بالكلية ما قد يكون حصل في التاريخ من نزاعات بين الصحابة، ما يجعل كثيراً من الروايات تُفلت من سُلطة المعتقد.

الصحابة والحديث 

آثر الكاتب البحث عن صورة الصحابة في الحديث النبوي، بدلاً عن المفترض بالبحث عنها في كتب التراجم والطبقات والرجال، لأسباب تتعلق بأن البحث غير متعلق بما حصل تاريخياً في الإسلام المبكر، بقدر سعيه إلى ما استقر في الضمير الإسلامي عن جيل الصحابة؛ إذ إن كتب الحديث "وهي في حاجة ماسة إلى تعديل كل الصحابة حتى تشرع لرواياتها وتحفظ أمانتها"، بحسب الكاتب، تسعى جاهدة من خلال الفضائل وغيرها من الأخبار والأحاديث إلى درء ما شجر بين صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، والحكم على كل ما يُخلُّ بعدالة أحد الصحابة بـ"الوضع والاختلاق"، بحسب المؤلف.

لقد اتخذت فضائل الصحابة، المبثوثة عبر كتب الحديث النبوي، شكلاً قصصياً، حُمّل رموزاً وأبان عن تصورات المسلمين، سواء كانت أصيلة أو طارئة، وغذَّاها المتخيَّلُ الذي اقترن خطأ بما يُطلق عليه "الثقافة الشعبية"، دون الثقافة العالمة.

ويؤكد الكاتب أنه باطلاعه على كتب الحديث، المنتمية إلى أرقى اختصاصات الثقافة العالمة، لقيامها نظرياً على التحري والتثبت في الرواية وطرقها، قد رأى أنها "كتبٌ اخترقها المتخيَّل بوصفه نمطاً من أنماط التفكير"، حسب قوله.

وقد برزت لدى الكاتب مسألة "ترتيب الصحابة" عند القدامى؛ فقد وجد معايير مختلفة لترتيبهم، فابن سعد يقدم الصحابة على أسس السابقة في الإسلام والهجرة والمشاركة في بدر ومدى القرابة من النبي، في حين كان المعيار الأبرز عند ابن خيّاط هو القرابة من النبي، فكان النَّسب فيه المحدد لترتيب الصحابة، وبعد هذين المحدّدين اتجه الأمر نحو التوحيد بتبني ترتيب الصحابة ترتيباً أبجدياً لا يقيم وزناً للسابقة أو البلاء في الإسلام أو القرابة من النبي محمد.

أما صورة الصحابيّ السياسية كما قدمتها كتب الحديث، بحسب الكاتب، لم تكن سوى انعكاس لما وقر في الضمير الإسلامي، ولكنها كانت أيضاً تمثُّلاً لصورة الخليفة الكامل "الذي يكون ظل الله على الأرض".

غياب النبي

يحفظ المسلمون واقعة وفاة النبي عبر موقفي أبي بكر وعمر بن الخطاب، فهما أهم ما حفظته المصادر عن هذه الواقعة المحورية في تاريخ الإسلام، بحسب الكاتب، ففي الوقت الذي كان فيه عمر غاضباً ورافضاً خبر الوفاة، متوعداً كل من يزعم وفاة محمد، كان أبو بكر أكثر اتزاناً وحكمة بقوله الشهير: "مَن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت"؛ كما تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ...﴾ [آل عمران: 144]، فكأنَّ الناس وقتها لم يسمعوا بالآية ولم يعلموا أن الله أنزلها قبل أن يتلوها أبو بكر عليهم في هذه اللحظة.. وكأن الناس قد صاروا يتلقون القرآن من أبي بكر، بعد النبي، ما جعل أبا بكر يكتسب "شرعية" فيقوم في الناس "خليفة لمحمد"، حسب قول الكاتب. 

غير أن هذه الواقعة احتاجت من أبي بكر إلى مواقف أخرى، تدعمها وترسخها في نفوس الناس، فطفق المسلمون يُلبسون أبا بكر الفضائل، ما يجعله يكون "الخليفة الوحيد للنبي"، فكانت هذه الفضائل مشكّلة لصورة "خليفة النبي الشرعي".

نظرية الاصطفاء

لقد كان النبي محمد بالنسبة إلى المسلمين، بحسب الكاتب، في قمة الهرم، فقد كان "سيّد ولد آدم ولا فخر"؛ غير أن اللافت، في نظر الكاتب، أن اصطفاء محمد قد شمل اصطفاء أصحابه، فقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ".

وختاماً، يلخص الكاتب ما رآه عن صورة الصحابي في الأحاديث بقوله إنها اتسمت بوظائف محددة؛ أهمها إيجاد مرجعيات من السلَف لتنظيم المجتمع وتحديد أدوار فئاته سياسياً وعلمياً وأخلاقياً، ما يجعل لصورة الصحابي وظيفة تأصيلية لتنظيم اجتماعي، فلا يكون ما هو مُتَّبَع ضرباً من الابتداع، ويتخذ بذلك كل تصرُّف سياسي أو أخلاقي أو غيرهما مشروعية اجتماعية تستند إلى عمل الصحابة وما نُقل عنهم.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة