صادق جلال العظم:

مشروع الحداثة عبر نقد الذات والآخر

مركز حوار الثقافات

27-11-2024

يُمثل النقد دعامة أساسية في المشروع الفكري التنويري للمفكر السوري صادق جلال العظم (1934-2016م)، الذي تمحور في نقد التراث وقراءات النص المقدس والنصوص التراثية الأخرى، ونقد الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر والمشاريع الحداثية، ما يشكل نقد الآخر في منهجه النقدي. 

هذا، إضافة لنقده الذاتي أو "التفكير في التفكير" الذي تَمثل في تراجعه عن بعض آرائه التي أخذ بها في بداية مشروعه الحداثي، مثل رأيه في عدم مواءمة الدين والعلمانية، الذي تراجع عنه بعد ذلك إلى إمكانية تحقيق التواؤم بينهما، في سبيل تحقيق المشروع الحداثي.

"العظم"، الذي شغل منصب أستاذ الفلسفة الأوروبية الحديثة بجامعة دمشق، إضافة إلى جامعات عالمية أخرى، تمكن من رصد إشكاليات تراثية ومعاصرة، مثل استمرار سيطرة التراث على الواقع الحالي، وغياب التأويل في الفكر الإسلامي المعاصر، وهروب رجال الدين من محاولة حل إشكاليات هامة، مثل المواطنة والذمة والمساواة بين الرجل والمرأة، وذلك عبر منهجه التاريخي التحليلي الذي يتعامل مع النصوص التراثية وفق السياق الزمني والتاريخي والاجتماعي.

المشروع الحضاري عند "العظم" استمر لأكثر من خمسين عاماً، وعبر عنه في العديد من مؤلفاته، مثل: "دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة"، و"نقد الفكر الديني"، و"الاستشراق والاستشراق المعكوس"، و"دفاعاً عن المادية والتاريخ"، و"أثر الثورة الفرنسية في عصر النهضة"، و"ذهنية التحريم" و"ما بعد ذهنية التحريم"، و"نقد الفكر الديني"، و"الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية"، و"الأصولية الإسلامية".. وغيرها. 

هذا، بالإضافة للعديد من الأبحاث الأكاديمية والمقالات المختلفة. 

الاجتهاد والتأويل 

يحتاج الفكر الإسلامي المعاصر إلى "اجتهاد وتأويل وإعادة قراءة للنصوص الدينية"، بما يتناسب مع المجتمعات العربية والإسلامية الحالية واحتياجاتها، والتطورات الجديدة والحديثة التي تميز بها العصر الحالي، وفقاً لـ"العظم"، الذي يرى أن هناك تجاهلاً من "رجال الدين والمفكرين للعديد من القضايا التي لم يجدوا لها حلولاً، مثل أهل الذمة والمواطنة، ومساواة المرأة بالرجل وقضاياها، فما زال العديد من رجال الدين متمسكين بالنظرة التقليدية لمثل هذه المسائل، وبعضهم يهرب من تناولها"، حسب قوله.

ويعترف "العظم" بأن التراث حقيقة واقعة –مثل التاريخ- تفرض سيطرتها على الواقع الحالي؛ والتراث قوة مسيطرة في المجتمعات العربية المعاصرة، تفرض حدود سيطرتها إلى المستقبل العربي، ورغم هذا الوجود المسيطر للتراث، فإنه يجب التخلص من هذه السيطرة التراثية، وأن لا نسمح للتراث أن يكون معياراً ومنطلقاً لمحاولة تحسين الواقع العربي، لا سيما وأن العصر الحالي له سمات لم تتوفر في العصور التراثية، فلا يجب الانطلاق في أي مشروع تنويري أو تجديدي من التراث، حسب قوله.

ويقول "العظم" إن محاولات التخلص من السيطرة التراثية بدأت مع النهضة العربية منذ إرهاصاتها الأولى على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، إلا أنها تعرضت لهجوم من "اليمين الديني" الذي استهدف كل محاولات التنوير، الأمر الذي أدى إلى تراجع محاولات النهضة العربية وتشويهها، بادعاء أنها سبب جميع المصائب التي أصابت العالم العربي منذ انطلاقها؛ وفي المقابل فإن التيار التنويري أهمل في القضايا التنويرية مثل الحريات والعلمانية، الأمر الذي أدى إلى استمرار السيطرة التراثية.

التيار الأصولي 

استمر "اليمين الديني، المتمثل في التيار الأصولي، في خوض معارك شرسة ضد أي محاولات تجديدية أو إصلاحية، لأنه في طبيعته حالة مناهضة للحداثة، تشكل رد فعل معاكس لأي فكر جديد، يرفض أي قواعد أو قيم تسعى لتحقيق النهضة، ويقف حائلاً ضد المفاهيم التي تمكن من تطبيقها. والتيار الأصولي بتجلياته الفعلية المتمثلة في جماعات الإسلام السياسي، تسعى إلى استرجاع الماضي، مستخدمة في ذلك دعوات تطبيق الشريعة، بهدف أسلمة المجتمعات العربية، وإبقائها بعيدة عن التجديد الديني والتطوير الحداثي"، حسب قوله.

ويرى "العظم" أنه في مقابل محاولة التوفيق بين التراث والحضارة، ظهرت نزعتان متناقضتان؛ النزعة الأصولية السلفية، التي تدعو إلى العودة للتراث والتمسك الحرفي بالنص واستنساخ الماضي، وإعادة إحياء تجربة "السلف الصالح"؛ والنزعة العلمانية، التي تطالب بقطيعة معرفية مع التراث، وقطع الطريق على الدعوات التي تطالب بإحياء الماضي، وعزز من هذه النزعة ظهور الحركات الإسلامية المتشددة، مثل السلفية الجهادية بمسمياتها المختلفة وما نتج عنها من إرهاب وعنف، حسب قوله.

ويوضح "العظم" أن العوامل الخارجية، وعلى رأسها الاستعمار الأوروبي، وعوامل داخلية أهمها محاولة تقييم الذات العربية، تسببت في عودة "الصراع التراثي" بين العقل والتجديد من جانب، وبين التقليد والجمود من جانب آخر؛ وبدأت إرهاصات عصر النهضة العربية في الظهور، التي نادت بالإصلاح والفصل بين الدين والدولة، والاستفادة بالعلوم الحديثة، واستمرت في البحث في قضايا مثل الهوية والحداثة والأصالة والمعاصرة، وبرزت محاولة إيجاد صيغة توافقية بين التراث من جانب، وبين الحضارة العصرية من جانب آخر.

الإسلام والعلمانية 

"العظم" من الداعين إلى العلمانية، لتحقيق التنوير الحداثي، ويرى أنها تتمتع بمزيتين فريدتين: 

- حياد إيجابي إزاء المذاهب والطوائف، يساوي بين جميع الطوائف الدينية والمذهبية.

- قدرة على استيعاب التنوع الديني والمذهبي والطائفي.

والعلمانية ضرورة حياتية، يرى "العظم" أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الاختلافات الدينية والمذهبية والطائفية، حسب قوله. 

 يقول "العظم" إن إشكالية العلاقة بين الإسلام والعلمانية، قديمة في التاريخ الإسلامي، عبرت عن نفسها في صور عديدة، أهمها العلاقة بين العقل والنقل في المسألة المعرفية والتفضيل والأولية بينهما، فبينما تبنت الفرق الكلامية والفلاسفة المسلمون الاتجاه العقلي، تبنى الاتجاه الفقهي الأصولي الاتجاه النقلي؛ وتبنى فريق آخر المسألة من جانب تأويلي، يوائم بين العقل والنقل، فذهب إلى تأويل النقل حتى يتواءم مع العقل، وكان أبرز ممثلي هذا الاتجاه ابن رشد.. إلا أن الاتجاه الفقهي التقليدي، المؤيد للنقل والنابذ للعقل، هو الذي ساد بصورة شبه كاملة، ما زاد التراث الإسلامي جموداً وتراجعاً وانهياراً، حسب قوله.

ويُقسم "العظم" الإسلام إلى عقائد ثابتة لا تتغير تنسجم مع نفسها، وإيمان بشري قابل للتطوير والتجديد ومجاراة التغيرات التاريخية والمجتمعية، ما مكن الإسلام عبر شقه الثاني من الانسجام مع جميع الأشكال السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة، الأمر الذي يجعل الانسجام بين الإسلام والعلمانية أمر ممكن الحدوث، حسب قوله.

يقول "العظم" إن الإسلام الشعبي المتمثل في العبادات والمعاملات، التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمجتمعات العربية والإسلامية، لا يوجد بينه وبين "العلمانية" أي مشاكل عقائدية أو علاقات تصادمية؛ وفي المقابل، فإن الإسلام السياسي يصطدم مع العلمانية ومفاهيمها التي تُمكن المجتمعات من التعايش، رغم ما يوجد فيه من اختلافات دينية أو مذهبية أو طائفية، ويضع مفاهيم مقابل مفاهيم العلمانية مثل مفهوم "الحاكمية" الذي أنتج المناهج التكفيرية والعنف والإرهاب.

الذات والآخر

يعتمد "العظم" بشكل رئيسي على منهج تاريخي تحليلي، يتعامل مع النصوص التراثية عبر السياقات التاريخية والمجتمعية، إضافة إلى اعتماده على منهج نقدي، ينقسم إلى قسمين:

- النقد الخارجي: ويتمثل في نقد التراث ونصوصه التراثية والمقدسة، ونقد المشاريع الحداثية ما يُمكن تسميته بـ"نقد الآخر".

- النقد الداخلي: ويتمثل في نقد العقل نفسه، أو "التفكير في التفكير"، وبما في ذلك نقده لآرائه نفسها، الأمر الذي جعله يتراجع عن بعض آرائه التي أخذ بها في بداية مشروعه الحضاري، مثل عدم إمكانية المواءمة بين العلمانية والدين، الذي تراجع عنه بعد ذلك ورأى إمكانية المواءمة بين العلمانية والدين، عبر الإيمان البشري بالدين القابل للتطوير والتجديد والانسجام مع جميع النُّظم السياسية والاجتماعية، وهو النقد الذي يمكن وصفه بنقد الذات عند "العظم".

ويوضح "العظم" في كتابه "نقد الفكر الديني"، أنه لا يقصد بمنهجه النقدي الدين المتمثل في الإيمان الروحي النقي، بل يعمد إلى نقد الجانب الديني المتمثل في "مجموعة من المعتقدات والتشريعات والشعائر والطقوس والمؤسسات التي تُحيط بحياة الإنسان"، والتي تؤثر في بنيانه الفكري وردود أفعاله وتكون جزءاً لا يتجزأ من السلوك والعادات التي نشأ الإنسان عليها، وتقف ضد أي محاولات للتجديد الديني، حسب قوله.

ويرفض "العظم" تحول النصوص الدينية والتراثية إلى أيديولوجية ثابتة، تتسبب في تكوين "وعي زائف" للمجتمع، عبر نزعها من سياقها الزمني والتاريخي والمجتمعي، فتتحول إلى "إطار رمزي" لا يتجاوز مظاهر الشعائر والطقوس الدينية دون أن يكون لها مضمون حقيقي أو فاعلية، ما يعطي انطباعاً غير حقيقي بأن النص الديني لا يقدر على التواصل مع الواقع والتطورات الحداثية، حسب قوله. 

الاجتهاد الديني 

يُطالب "العظم" المؤسسات الدينية المهتمة بالعلوم الشرعية والفقه بإدخال العلوم الحديثة والتطورات التكنولوجية والاطلاع عليها، حتى لا تُصاب بحالة من الجمود والعجز، وتتجنب حالة الجهل العلمي، حتى تسير وفق العصر الحديث وتفهم متطلباته، ما يمكنها من إيجاد إبداعات نحو التطوير الديني ومواءمة العصر وإيجاد خطاب ديني حداثي، وفق قوله.

ويشدد على ضرورة بناء مؤسسات دينية تعليمية، تهدف إلى إعادة تفعيل "الاجتهاد الديني" وإعمال العقل، ما يؤدي دوراً هاماً في عملية الإصلاح الديني وتوسيع رقعته بين المجتمع، ويدعو إلى إعادة النظر في المناهج التعليمية لوضع مفاهيم النقد العقلي وتطبيقها، إضافة إلى تطبيق العلمنة ومفاهيمها، وأهمها مبدأ المواطنة، الذي يساوي بين جميع أفراد المجتمع وفئاته المذهبية والطائفية والدينية، حسب قوله.

ويرى أن أهم السبل لتحقيق "الحداثة" يتمثل في العلمانية، التي حرص في كتابه "الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية"، على الربط بينها وبين الإسلام، وإيجاد حالة من الانسجام بينهما، مع توضيحه مزايا العلمانية وإمكانية التوافق بينها وبين الإسلام الذي تمكن من التعايش مع أنظمة مختلفة.

يوضح "العظم" المعوقات التي تقف أمام العلمانية والتنوير، التي تتمثل في انتشار التيار الأصولي وتجلياته في جماعات الإسلام السياسي، التي تسعى لرفض أي محاولة تجديد أو إصلاح ديني، وتتجاوز الجمود إلى المطالبة بالعودة إلى الماضي ونزع نموذج تراثي من سياقه الزمني والتاريخي، وتطبيقه على الواقع الحالي المغاير والمختلف والمتطور عنه.

وختاماً، يهدف "العظم" في مشروعه الحداثي إلى وجود إصلاح ديني من داخل المؤسسة الدينية، متمثلاً في الأخذ بالعلوم الحديثة، وفهمها جيداً وتطبيقها، ما يُمكن من إيجاد حلول فقهية ودينية تتسم بالإبداع والقدرة على مواجهة تطورات العصر، إضافة إلى إعادة النظر في المناهج التعليمية عبر تدريس المناهج العقلية التحليلية والنقدية، ما يمكن أن يُشكل قاعدة مجتمعية لمشروع الحداثة والنهضة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة