يُعيد المفكر الباكستاني الأمريكي شهاب أحمد (1966-2015م)، تعريف التصورات السائدة عن الإسلام، التي يرى أنها تختزله في جانب واحد فقط هو العقائد والتشريع، وتتجاهل باقي الجوانب الأخرى التي شكلت الظاهرة الإسلامية تاريخياً واجتماعياً؛ ويسعى إلى نقد التصورات الاختزالية للإسلام، التي حصرته في نواة ضيقة وتجاهلت أفقه الرحب والواسع.
المشروع الفكري لـ"شهاب"، الحاصل على الماجستير في الدراسات العربية من الجامعة الأمريكية في القاهرة، والدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة برينستون الأمريكية، وشغل مناصب أكاديمية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعتي برينستون وهارفارد والجامعة العالمية بباكستان، لا يهدف إلى هدم الفكر الإسلامي أو إلغاء التراث، بل يسعى إلى زيادة الرقعة الفكرية الإسلامية لتتسع وتُنتج إطاراً تأويلياً شاملاً للإسلام، يلغي الانقسام الفكري التقليدي بين مركزية الإسلام وبين هامشه الديني والثقافي والفكري، حتى يتسع التفكير الإسلامي ويتمكن من فهم كيفية تشكل الحقيقة التي تشكل الظاهرة الإسلامية.
وقد ضمن مشروعه وآراءه الفكرية والدينية في عديد من مؤلفاته، مثل كتبه "ما الإسلام؟.. في مغزى أن تكون منتمياً إلى الإسلام"، الذي أدرج في قائمة أفضل الكتب الأكاديمية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، و"ابن تيمية وعصره"، و"لا الجنة ولا النار: فهم الإسلام من خلال العثمانيين"، و"قبل الأرثوذكسية: الآيات الشيطانية في بدايات الإسلام"، وغيرها؛ إضافة إلى عديد من الدراسات والأبحاث الفكرية والأكاديمية.
نقد الاختزالية
ينتقد شهاب ما يُطلق عليه "التصورات الاختزالية للإسلام"، فهي تصورات تحصر الإسلام في "نواة ضيقة"، سواء كانت عقائدية أو فقهية تشريعية؛ فهي تصورات تتسبب في إقصاء التعبيرات الثقافية والفنية المتنوعة الأخرى، وتضعها في خانة الهامشية أو غير إسلامية، وهو منهج انتقائي يركز على العقيدة والشريعة في الإسلام دون غيرهما، ويتجاوز "ظواهر تاريخية وإنسانية هائلة خارج تعريف الإسلام الصحيح كما هو سائد".
ويوضح أن الظواهر الثقافية والفنية، مثل الشعر والفن والتصوف والفلسفة، هي جزء لا يتجزأ من الإسلام، وليست مجرد "بدائل" أو انحرافات عن المسار "الصحيح"، وهي رافد رئيس للتجربة الإسلامية التاريخية، تُظهر الثراء الحقيقي للظاهرة الإسلامية؛ بينما إقصاء وإبعاد هذه الظواهر من الإسلام يؤدي إلى تجاهل جزء كبير من هوية المسلمين وتاريخهم، ما يجعل أي تعريف أو دراسة للإسلام مقصوراً على مجرد قراءة جزئية له، حسب قوله.
يصف شهاب الإسلام بأنه إطار تأويلي شامل يتسع تجارب بشرية متنوعة ليست كياناً ثابتاً جامداً؛ تجارب قد تبدو متعارضة، موضحاً أن هذا التناقض في الظاهرة الإسلامية ظهر في التراث والتاريخ الإسلامي. ففي مجال الشعر والفن، فإن حافظ الشيرازي الذي عاش في القرن الثامن الهجري اشتُهر عنه شرب الخمر، وفي الوقت نفسه استلهم معاني شعره من القرآن، ورغم تناقضه فإن شعره لقي قبولاً واسعاً في العالم الإسلامي؛ إذ أصبح جزءاً من الظاهرة الإسلامية.
ويضرب أمثلة أخرى في مجالات الفلسفة والتصوف، مثل "الفلسفة الإشراقية" عند شهاب الدين السهروردي (1155-1191م)، و"وحدة الوجود" عند محيي الدين بن عربي (1165-1240م)؛ وهي أفكار يظهر أنها تتعارض مع العقائد الإسلامية التقليدية، أو "العقائد الأرثوذكسية الإسلامية" وفقاً لوصفه؛ إلا أنها رغم تعارضها الظاهر مع الأفكار "الأرثوذكسية الإسلامية"، فهي أفكار لا يمكن فصلها عن الحضارة الإسلامية، أو وصفها بأنها "غير إسلامية"، لأنها كانت جزءاً من "السياق" الذي شكَّل الحضارة الإسلامية.
تناقضات ظاهرة
يحاول شهاب توضيح حقيقة أن الإسلام هو "إطار مفهومي شامل"، يُمكن المسلمين من التعبير عن ذواتهم وفهمها، ولا يسعى إلى إثبات أن الأمثلة الشعرية والفلسفية والصوفية للشيرازي والسهروردي وابن عربي موافقة للشرع أو مخالفة له؛ بل يوضح أن الإسلام ظاهرة كاملة يجب النظر إلى جميع تجلياتها، بما في ذلك "التناقضات الظاهرة" بين النصوص الشرعية والممارسات الثقافية، ويُشدد على أهمية التأويل في الإسلام؛ ويُقدم لذلك نموذجاً تأويلياً لفهم الوحي، جرى تأسيسه على عناصر رئيسية ثلاثة:
- ما قبل النص: ويعني الظروف التاريخية والثقافية التي سبقت نزول الوحي.
- النص: الوحي المنزل نفسه وهو القرآن الذي هو محور العملية التأويلية.
- السياق: يمثل التفاعل البشري التأويلي مع النص عبر التاريخ، وما يفرزه من تعبيرات ثقافية ودينية متنوعة كالفقه والشعر والفن والتصوف والفلسفة.
يقول شهاب إن إهمال أحد هذه العناصر الثلاثة يتسبب في قراءة مشوهة للإسلام؛ فالقراءة التي تركز على "النص" وحده وتتجاهل "ما قبل النص" و"السياق" تؤدي إلى تصورات اختزالية للإسلام.
تعريف الإسلام
يتعامل شهاب مع الإسلام باعتباره "وحياً" يتجاوز النص، ويتضمن "عملية إنتاج المعنى بأكملها التي أنتجها المسلمون عبر تاريخهم الطويل"؛ ويرى أن الفهم الصحيح للإسلام يكمن في إدراك التفاعل المستمر بين الوحي والتجربة الإنسانية، الأمر الذي يُفسِّر كيف يمكن أن يظل شيء ما "إسلامياً"، حتى ولو كان يبدو متناقضاً مع بعض القراءات الأصولية للنص الديني. ويوجه انتقادات إلى التراث الإسلامي والفكر التقليدي، تتمثل في رفضه اختزال الإسلام في جانب واحد، فالفكر التقليدي يختزل الإسلام في العقيدة والفقه فقط، دون باقي جوانبه الفكرية والثقافية والاجتماعية الأخرى.
ويرى "تمييزاً خاطئاً" في الإسلام بين "اللب والهامش"، وذلك بفصل ما هو ديني كالعقيدة والشريعة، عما هو ثقافي وفكري كالفلسفة والتصوف والشعر والفن، رغم أنها أجزاء لا تتجزأ من "الظاهرة الإسلامية"؛ وهي انتقادات للتراث والفكر الإسلاميين لا يسعى من خلالها إلى هدم التراث، أو تقويض الفكر الإسلامي التقليدي، بقدر ما هي انتقادات نقدية الهدف منها تقديم إطار شامل قادر على استيعاب وتنوع التجربة الإسلامية عبر التاريخ، لا سيما أن الفكر التقليدي فشل في كشف كيفية تشكل الحقيقة في السياق الديني الإسلامي، وفق قوله.
جهود شهاب في "إعادة تعريف الإسلام"، تهدف في المقام الأول إلى توسيع الرقعة الفكرية والثقافية للإسلام، لتتضمن النواحي التاريخية والاجتماعية والفكرية والثقافية والفلسفية والصوفية والشعرية، وغيرها من الجوانب التي أسهمت في تقديم صورة للإسلام بشكل مباشر، أو غير مباشر؛ لينتقل بالإسلام من الصورة التقليدية، التي تعتمد على العقيدة والفقه فقط، إلى صورة إطارية أوسع وأشمل.
ولتحقيق هذه الصورة، ابتكر منهج "التناقض المتسق"، الذي يرى من خلاله أن الإسلام لم يكن كياناً أحادياً أو ثابتاً، بل هو إطار فكري وتاريخي واسع يتسع لاستيعاب تناقضات ظاهرية، قد تبدو متعارضة معاً، ومع ذلك تظل مُنسجمة ومتماسكة داخل الإطار الأكبر للظاهرة الإسلامية. لذلك، يطالب بالجمع بين النص الديني المتمثل في القرآن والسنة وبين السياق الذي يتمثل في الممارسات التاريخية والاجتماعية والثقافية، ولو لم تتفق هذه الممارسات والأفكار مع القراءة الحرفية للنص الديني.
وختاماً، يركز المفكر الباكستاني الأمريكي شهاب أحمد، في مشروعه الفكري، على تقديم إطار فكري لإعادة تصور الإسلام يتجاوز التعريفات الضيقة، التي تختزل الإسلام في العقيدة والشريعة فقط، ويُقدم رؤية واسعة أكثر شمولية للإسلام وللظاهرة الإسلامية التاريخية والتراثية، مؤكداً على أهمية دراسة جميع جوانب الظاهرة الإسلامية؛ الأمر الذي يسهم في إيجاد تأويل جديد للنص القرآني يقترح له منهجاً ثلاثياً يعتمد على الوحي والظروف التاريخية والاجتماعية قبل وفي أثناء الوحي، وسياق الوحي الذي يتضح في التفاعل البشري مع الوحي، الأمر الذي يفتح الباب أمام تأويلات عصرية للنص الديني تتناسب مع الاحتياجات الجديدة والطارئة.