"هذا ليس كتابًا من الدين، إنه كتابٌ في السياسة".. هكذا يُصدّر الكاتب والمفكر اللبناني نصري الصايغ كتابه "محمد.. السيرة السياسية"، الصادرة طبعته الأولى عام 2019، عن دار الفارابي؛ فعنوان الكتاب يُفصح عن مضمونه، الجديد فيه؛ فهو محاولة لوضع النبوة بالسياسة، ولفصلها كذلك، من حيث إن السياسة بنت الاختيار، وتصوّب بمنطق التجربة والخطأ.
السيرة السياسية للرسول في المدينة تختلف عن سيرته النبويّة في مكة، حسب المؤلف، دون أن يعني ذلك انقطاعًا نبويًا؛ فمحمد في مكة نبي، وفي المدينة نبي وقائد، في السياسة والقتال بمزايا عبقرية لم يتمتع بها قائد في التاريخ. محمد وحده، بين قادة العالم، مَن أنشأ إمبراطورية عظمى من لا شيء قبله، وبشَّر بدين "مسكوني" - بمعنى قائم على الوحدة والتوحيد والتعاون والتفاهم - انتشر وعبَّر عن نفسه بطرق مختلفة وبلا انقطاع حتى عصرنا الراهن، ليس مدعيًا اليقين أو امتلاك الحقائق.
ويقدم الكتاب محاولة لقراءة السياسة التي اجترحها محمد في بيئة المدينة وظروفها، فسيرته السياسية هي إبداع عبقريته وبُعد بصيرة وشدة إيمانه بربه ودعوته، وهي سيرة غنية جدًا ومتنوعة كثيرًا.
هذا الكتاب محاولة لإلقاء الضوء على ما يمكن تسميته "بشرية الرسول"، وقيادته وتجاربه ومهاراته وإبداعاته، طبقًا للشروط التي تؤمِّن انتصارًا، وتأييدًا لدعوته الدينية.
وقائع التاريخ
يوضح الصايغ أن السياسة هي اختيارات بين احتمالات متاحة تحتمل الصواب والخطأ، وهي ليست خطًا مستقيمًا بين نقطتين، بل متعرجة ومتلونة وتفترض المناورة، تحتاج إلى تفكير ومشورة، تقدُّم وتراجُع، وقائع في حاجة إلى إدراك، وأحداث في حاجة إلى إحاطة، وهذه كلها من أعمال العقل.
يقول الصايغ إن السيرة السياسية للنبي محمد عليه الصلاة والسلام تحتاج إلى تجريد نصوص التاريخ من كل ما لا يقبله عقلٌ، والإضافات التي كان سببها تصوير محمد باعتباره فوق البشر، ورفعه إلى مستوى المقدَّس الذي يأتي الخوارق التي تبلغ حدود الأساطير.
ويرفض الصايغ من يسميهم "كَهَنة الهيْكل" الذين يرفضون إخضاع الموروث للبحث العلمي، تماشيًا مع العقلية الدوجمائية الخاصة بالمؤمنين التقليديين في كل الأديان، وليس في الإسلام وحده؛ إذ يشكِّل المقدَّس عندهم حقلًا عامًا يصل إلى أدق التفاصيل الحياتية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية.
يقول الصايغ إن التمسك بـ"وقائع التاريخ" هو حجر الأساس والمنطلق في أي تفسير حديث للقرآن، فلا يمكن معرفة الحقيقة من النص القرآني وحده، فالقرآن لا ينطق، إنما ينطق عنه الرجال، كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ويوضح الصايغ أن الأخبار والمعلومات والروايات من المصادر القديمة ليست وصفًا محايدًا لما حدث، وأن فيها مساحة واسعة للتدخل الأيديولوجي، وحجب حوادث وتظهير أخرى، وفيها ألوان مختلفة من السلوك المعرفي الذي يجعل منها هي الأخرى قراءة، وإن بدت خبرًا، وإنه لا بد من جهد مدروس ودقيق لعزل السياسي عن الديني، حتى تظهر صورة محمد قائدًا وفاعلًا سياسيًا لأحداث ساقها وأدارها بعقلية الربح والرهان على اﻵتي.
ويقول الصايغ في كتابه إن التدوين لم يبدأ مع أزمنة الحوادث الإسلامية، واعتمد على روايات شفهية، ويفترض بالباحث أن يَحذر المصادر دون الوقوع في الشكِّ المطلق؛ إذ ينتفي التاريخ في هذه الحالة، وتمتنع إمكانية الكتابة نهائيًا.
ومن المعروف أن بدء التدوين كان في العصر العباسي في منتصف القرن الثاني الهجري، وقد تعددت السِّيَر على مرّ الأزمنة، مما يجعلها مجرد مادة يُبنى عليها، ولا يمكن الركون إلى جُلّ وقائعها؛ بعد أن أفسدت السياسة الدين وعاثت خرابًا في سرديات الأحداث والأحاديث. ويوضح الصايغ أن الكتابات المتأخرة لابن هشام في السيرة غرقت في الخيال والأساطير والخوارق، مما جعل للنبي صورة فوق البشر، ولكن يعوّض ذلك اعتماد القرآن الكريم، باعتباره مُحتضنًا لمحتوى الرسالة، وشاهدًا تاريخيًا يتزامن مع حياة النبي، وهو الذي نطق بالأحداث التي وقعت، وقد تأكدت نصوصه بضمانة كبار الصحابة وخلفاء الرسول الذين يعرفونه جيدًا.
صحيفة المدينة
يقول الصايغ إن محمدا كان في مكة يبشر بالله والعدل والمساواة ونصرة المظلومين والإيمان بالتوحيد المطلق، وانتهت هذه المرحلة بسبب صلابة قريش؛ لأنها رأت في دعوة محمد عليه الصلاة والسلام شبهة تغيير تقود إلى زعزعة كيانها الاجتماعي السياسي، وتهديدًا لمستقبلها ومصالحها، خصوصًا أن القرآن الكريم قد تعرض للتجار وندد بافتخارهم بالثروة والمكانة التي كانوا يستحوذون عليها.
ويوضح الصايغ أنَّ الملأ المكي، وهم الطبقة المسيطرة في قريش، كانوا يريدون الحفاظ على الآلهة وعلى الحرم وعلى التجارة، وهذا كافٍ لكي يقفوا ضد الدعوة الدينية الجديدة. أما في المدينة، فقد ظهرت عبقرية محمد السياسية، متمثلة في "صحيفة المدينة"، باعتبارها دستورًا جديدًا، وهو نتيجة إجماع القبائل والعشائر، والظروف الموضوعية والمبادئ الضرورية لحفظ الجماعة وتعايشها وتحقيق مطالبها، والحصول على حقوقها والتآخي والموادعة بينها.
ويوضح الصايغ تحوُّل المدينة إلى وحدة سياسية من نوع جديد، هي الأمة أو الجماعة، بما يمثل فيدرالية العشائر أو القبائل البدوية؛ إذ يجري التوحيد في ما بينها باتفاق مقدّس، ولا يفرض الشروط نفسها على جماعات تختلف في بنيتها وطبيعتها ومشكلاتها، فما يجوز مع قبيلة لا يجوز مع أخرى مختلفة عنها، وهو هنا قائد أكثر مما هو رجل دعوة ودين.
ويقول إن الميثاق بين محمد وأهل المدينة في بدر، كان ينص على أن أهل المدينة ملزمون بالدفاع عنها إذا هوجمت من الخارج، فيما كانت معفاة من المشاركة في أي معركة لا تهدد سلامتها. ويضيف بأن محمدًا جاء إلى المدينة رجُل سلامٍ يعيد إليها الوئام، وليس رجل حربٍ يستدرجها إلى حروب فوق طاقتها، ولكن في غزوة بدر شارك أهل المدينة.
يهود المدينة
يقول الصايغ إن محمدًا كان يريد التخلص من يهود المدينة، من بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير، بعد أن يئس من إقناعهم بدعوته، وكان يخشى من اليهود على سلطته المتنامية بسبب دوام اتصالهم بأعدائه. ويوضح بأن محمدًا قد اكتفى بإجلاء بني قينقاع وبني النضير من المدينة دون إراقة دماء، وقد خلفوا وراءهم أملاكًا وأراضي صالحة للزراعة، وكان النبي يريد تلك الأراضي ليوزعها على أتباعه من المهاجرين، مما يؤكد أن البُعد الاقتصادي لهذه العملية كان في صُلب نيَّات ورغبات مُحمد.
وبعد صُلح الحديبية، بدأ محمد حملته على خيبر؛ فالإقامة المديدة في المدينة بعد صُلح الحديبية -المُهين في نظر أتباعه - سيكون فرصة لزيادة الشقاق والتذمر، وكان لا بد من إشغالهم بغزوة تُعيد إلى رجاله روحهم الجهادية، وتعود عليهم بالمغانم السخية، وهو ما حدث بالفعل، حسب الكاتب. الذي يختتم بقوله إنه لا بُدَّ للإسلام أن يصل في النهاية إلى مرحلة يحاسب نفسه فيها، ويقول بحسم "إن الإسلام شيء والسياسة (الدولة) شيء آخر".
وختامًا، يلفت الصايغ إلى أن أسباب التغيير الذي حدث في غزوة بدر، حيث شارك أهل المدينة، ليست معروفة، ويتساءل: هل هو الإيمان أم الطمع في الغنائم، أم يوجد اتجاه آخر بدأ يرتسم في أفق العلاقة مع محمد؟. ويرى أن شهية المغانم أدت دورًا كبيرًا في هذا التغيير، على الرغم من أن دافع محمد لم يكن الغنائم ولا الأموال، وأنه كان يريد ضرب قريش في الصميم، وهو قطع الخط الحيوي لتجارتها مع بلاد الشام.