يُعد كتاب "التأزم السياسي عند العرب.. وسوسيولوجيا الإسلام"، للمفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، رحمه الله، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 1999 (الطبعة الثانية)، من الكتب المهمة التي تقدم قراءة نقدية وتحليلية للواقع السياسي العربي، من خلال مقاربة تجمع بين الفكر السياسي والسوسيولوجيا الدينية.
الأنصاري يعالج في هذا الكتاب أزمة العقل السياسي العربي ويضعها في سياق أوسع يتعلق بتأثير الدين والثقافة على البنية السياسية العربية. الكتاب يحتوي على أفكار جريئة عن طبيعة العلاقة بين الإسلام والسياسة في المجتمعات العربية، ويركز في جزء كبير منه على استعراض التفاعل بين مفاهيم الإسلام والبيئة البدوية والحضارية العربية.. تاريخياً.
الدين والمجتمع
سعى محمد جابر الأنصاري من خلال أعماله إلى تقديم تفسيرات عميقة للأزمات التي تعيشها المجتمعات العربية، خاصة في المجال السياسي. يهدف مشروعه الفكري إلى تحليل الأسس الاجتماعية والثقافية التي تؤثر على العمل السياسي في العالم العربي؛ وفي كتاب "التأزم السياسي عند العرب"، يحاول الأنصاري الكشف عن الأسباب الكامنة وراء الأزمات السياسية في العالم العربي، من خلال تفكيك العلاقة بين الدين والسياسة، وأثر البيئة الاجتماعية والثقافية على تشكيل العقل السياسي العربي.
ويستند الأنصاري في تفكيك هذه العلاقة إلى مقولة "المجتمع المتقدم يُفسر دينه تفسيراً متقدماً، والمجتمع المتخلف يُفسر دينه تفسيراً متخلفاً"؛ مؤكداً أن الإسلاميين من مختلف مواقعهم، يمكن أن يتقبلوا هذه المقولة، التي تعود في حقيقتها إلى المفكر سمير أمين، أياً كان افتراقهم الفكري أو العقيدي عنه.
وفي إطار محاولة إثبات صحة هذه المقوله، يتساءل الأنصاري: هل يمكن نقض هذه المقولة؟ ثم يحاول الإجابة منطلقاً من الاستفهام التالي "أليس الإسلام الذي يعتنقه الأفغان، هو الإسلام الذي يعتنقه الملاويون؟"؛ مسترسلاً بالقول: "ولكن هل يفسر المجتمع القبلي المتخلف في أفغانستان دينه كما يفسره المجتمع الماليزي المتحضر؟ وهل تفسير طالبان للإسلام هو كتفسير الحزب الماليزي الدستوري الحاكم لهذا الدين؟".
وهنا، يصل الأنصاري إلى ملامح الإجابة، بالقول: "إذن فالعبرة بتطور القاعدة المجتمعية، إن أردنا للإسلام تفسيراً وتطبيقاً متحضراً يتلاءم مع روح دعوته". ومؤكداً هذه الإجابة بالاعتماد على آيات التنزيل الحكيم، فيقول: "عندما قال القرآن الكريم للأعراب الذي قالوا "آمنا"، قل: ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ [الحجرات: 14]؛ ألا يعني ذلك أن المستوى المجتمعي التحضري للمسلم –في البنية التحتية– يؤثر في كيفية تمثله واستيعابه لعقيدته؟!".
البداوة والحضارة
لا يتوقف الأنصاري عند حدود هذه الأطروحة الفكرية في كتابه، ولكنه يركز على عديد من القضايا المحورية التي تتعلق بالتأزم السياسي، والفهم السوسيولوجي للإسلام، ومفاهيم الحكم والحكومة في المجتمعات العربية والإسلامية.
ويتناول الأنصاري مفهوم الإسلام في البداوة والحضارة، من خلال تحليل الفروق بين المجتمعات البدوية والحضرية، وتأثيرها على فهم الإسلام وتطبيقاته السياسية والاجتماعية. إذ يركز الأنصاري على كيفية تفاعل الإسلام مع البيئة الاجتماعية، مشيراً إلى أن الإسلام بوصفه ديناً ظهر في سياق بدوي ولكنه توسع إلى حضارات كبرى.
فمن جهة الإسلام في السياق البدوي، يرى الأنصاري أن الإسلام نشأ في بيئة بدوية؛ حيث كانت العلاقات الاجتماعية مبنية على القبيلة والتحالفات السياسية التي تعتمد على الولاء القبلي. هذا السياق، في رأيه، أدى إلى تكوين فهم خاص للإسلام، يرتبط بالقيادة الأبوية والسلطة المطلقة؛ ومن هنا، يعتبر الأنصاري أن هذا الفهم للسلطة استمر في التأثير على الفكر السياسي الإسلامي، حتى في الحضارات التي جاءت بعد الإسلام.
ومن جهة تأثير البداوة والحضارة في تشكيل الفكر السياسي، يوضح الأنصاري أن التناقض بين البداوة والحضارة أثر بشكل كبير على الفكر الإسلامي؛ إذ بينما ركزت المجتمعات البدوية على البساطة والحكم الفردي، نشأت في المجتمعات الحضارية تقاليد أوسع للحكم المشترك والمؤسساتية. ومع ذلك، ظل الفكر السياسي الإسلامي متأثراً بالبنية القبلية التي وُلد فيها الإسلام.
أما من جهة المقابلة بين الإسلام الحضاري والإسلام البدوي، فيميز الأنصاري بين الإسلام كما ظهر في بداية دعوته في المجتمع البدوي البسيط، وبين الإسلام الذي أصبح جزءاً من حضارات معقدة مثل الأموية والعباسية؛ حيث يرى أن الإسلام الحضاري استطاع بناء أنظمة سياسية معقدة ومؤسسات حكم، لكنه ظل يحمل آثار البيئة البدوية في ثقافة "الشخصانية" في الحكم.
الحكم والحاكمية
ضمن أهم أطروحات الكتاب، تأتي مناقشة الأنصاري وتقديمه تحليلاً معمقاً لمفاهيم الحكم والحكومة في التراث الإسلامي والعربي؛ حيث يركز على كيفية تفسير النصوص الدينية المتعلقة بالسلطة والحكم، وكيف أثرت هذه التفسيرات على الأنظمة السياسية في المجتمعات العربية.
ويؤكد الأنصاري أن "المعنى المحدد للحكم، بمعنى تولي وممارسة السلطة السياسية، لم يرد إطلاقاً في الاستعمال اللغوي الأصلي لدى العرب، في الجاهلية وفي صدر الإسلام"؛ مُشيراً إلى أن "الأهم من ذلك كله أنه لم يرد لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ولا في سائر المصادر الإسلامية الأولى".
وضمن العديد من آيات القرآن الكريم، يستند الأنصاري إلى قوله سبحانه: ﴿يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا﴾ [مريم: 12]، وذلك للدلالة على أن مفهوم الحكم في التنزيل الحكيم لا يمت بصلة للمعنى السياسي للحكم المعاصر؛ مؤكداً أنه "ليس معقولاً ولا وارداً في هذا النص القرآني تولية السلطة السياسية ليحيى وهو صبي"؛ مشيراً إلى أن "الله أعطاه الحكمة والبصيرة والقدرة على تمييز الحق من الباطل منذ صغره، وهذا هو المعنى الأساسي لكلمة حكم في القرآن الكريم"، حسب قوله.
ويناقش الأنصاري مفهوم الحكم في الإسلام من خلال تحليل آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية المتعلقة بالسلطة والحاكمية؛ ويرى أن القرآن الكريم لم يقدم نموذجاً محدداً للحكم، بل ترك المجال مفتوحاً للتفسيرات والاجتهادات، مما سمح بظهور أنظمة سياسية متنوعة عبر التاريخ الإسلامي، بدءاً من الخلافة الراشدة إلى الحكم الملكي الوراثي.
ويستدل الأنصاري على ذلك، عبر العديد من آيات التنزيل الحكيم، مثل قوله عزَّ وجل: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 79]، مؤكداً أنه "من المعروف دينياً وتاريخياً أن عيسى بن مريم لم يتولَّ الحكم بالمعنى السياسي، ولم تتضمن رسالته دعوة سياسية، والحكم الذي آتاه الله هنا مع الكتاب والنبوة هو الحكمة وتمييز الحق من الباطل".
ثم يتناول الأنصاري مسألة الحاكمية، وهي فكرة تروج لها بعض التيارات الإسلامية التي تنتهج "الإسلام السياسي"، والتي تقوم على ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الوحيد للسلطة والحكم. ينتقد الأنصاري هذه الفكرة، مؤكداً أن الحاكمية في الإسلام ليست مرتبطة بنصوص قطعية تفرض شكلاً معيناً من الحكم، بل هي مسألة اجتهادية يمكن أن تتغير وفقاً للسياق الاجتماعي والتاريخي.
ويؤكد الأنصاري أن مصطلح الحاكمية الذي شاع استعماله حديثاً قد ساهم في "الالتباس الدلالي لمفهوم حكم، بين أصله اللغوي–القرآني، وبين مصطلحه السياسي الشائع في العصر الحديث"؛ مُشيراً إلى أن بدء صياغة هذا المصطلح يعود إلى مفكر إسلامي "لا تمثل اللغة العربية لغته الأم أو لغته الأولى، هو الداعية الباكستاني أبو الأعلى المودودي... الذي لم يلتزم –في صياغة المصطلح– الأصول الإسلامية والعربية"، فأدى إلى هذا الالتباس، حسب قوله.
وهكذا، يعرض الأنصاري كيف أن الفجوة بين النصوص الدينية والتطبيق العملي للحكم الإسلامي، كانت قد أسهمت في تعقيد المفاهيم المتعلقة بالحكم والحكومة؛ إذ يرى أن الأنظمة السياسية في المجتمعات الإسلامية لم تلتزم دائماً بالنصوص الدينية، بل كانت تفسرها بشكل يخدم مصلحة الحكام، خاصة في المراحل التاريخية التي ضعفت فيها الدولة الإسلامية.
وختاماً، يُعد كتاب "التأزم السياسي عند العرب.. وسوسيولوجيا الإسلام"، من الأعمال الفكرية الهامة التي تسعى لفهم أزمة السياسة في العالم العربي، من خلال تحليل شامل يجمع بين الفكر الديني والسوسيولوجيا السياسية. الأنصاري قدم في هذا الكتاب نقداً حاداً للعقل السياسي العربي، مسلطاً الضوء على التفاعل بين الدين والثقافة والسياسة.
من خلال هذا الكتاب، يسعى الأنصاري إلى تقديم قراءة نقدية وتحليلية للعقل السياسي العربي، مستنداً إلى فكرة أن الفهم التقليدي للدين والسياسة هو جزء من الأزمة، وأن التحرر من هذا الفهم يتطلب جهوداً فكرية وإصلاحية كبيرة.