سؤال المواطنة:

إشكاليات النزعات الطائفية في البيئة العربية

مركز حوار الثقافات

01-12-2025

في لقاء حواري، ضمن برنامج "تجديد"، استعرض الدكتور فريد بلقاسم، مُقدم البرنامج، مع الدكتور مرشد القُبي، أستاذ الحضارة بجامعة صفاقس في تونس، مفهوم المواطنة وكيفية ترسيخه في البيئة العربية والإسلامية، في ظل ما شهدته هذه البيئة، خلال سنوات مضت، من نزعات طائفية ونزاعات أصولية.

وإلي ما دار في هذا اللقاء الذي بدأه فريد بلقاسم بقوله: 

- مرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "تجديد"..

موضوع حلقتنا اليوم يتعلق بـسؤال المواطنة. هذا المفهوم الذي ابتدعه العقل الإنساني لمواجهة مشاكل الاجتماع السياسي، في ظل التحولات التي عرفتها البشرية في العصر الحديث، ولمواجهة المشاكل المتعلقة بـالنزعات الأصولية، والنزعات الطائفية، والانقسامات المجتمعية.

للتداول في هذا الموضوع ومشاكل تأصيله في البيئة العربية الإسلامية المعاصرة، استضفنا لكم الأستاذ الدكتور مرشد القُبي، أستاذ الحضارة بجامعة صفاقس..

- مرحباً بك دكتور مرشد، وشكراً على قبول الاستضافة..

- مرحباً بك سيّدي الأستاذ فريد، وشكراً أيضاً على هذه الدعوة، وهذا الاهتمام بالموضوع الذي نقدّر أنه موضوع على قدر كبير من الأهمية.

- نعم دكتور مرشد، لو بدأنا في سؤالنا الأول حول دلالة هذا المفهوم: ماذا يعني مفهوم "المواطنة" في السياق الفكري الحديث؟ وهل يمكن أن نجد له جذوراً في موروثنا الإسلامي؟

- دائماً وأبداً، التعاطي مع المفاهيم يحتاج إلى نوع من التعهُّد، وإلى محاولة نزع البداهة التي تبدو عالقة بالمفهوم؛ علماً بأنه من المفاهيم التي تبدو على قدر كبير من التداول المكثف في الخطاب السياسي والفكري عامة.

والحقيقة، هاتان الميزتان أو الحاجتان للاهتمام بهما، هما: التعهُّد ونزع البداهة.. "نزع البداهة"، أمر مطلوب بالنسبة إلى المفاهيم التي تبدو متواترة التداول والاستعمال، لأنه يُظَن أن مفهومها واضح ولكنها غير ذلك. وهذا أمر مهم جداً حتى نبني "حواراً عقلانياً"، يلتزم بمقتضيات المفهوم، ويكون "حواراً مُنتجاً"، لنتحرر أو لنتخلص ما أمكن من ضروب السجال والتنازع الأيديولوجي، ومحاولة احتواء المفهوم من منظور أيديولوجي ضيّق؛ ولا نضيّع على أنفسنا أن نبني توافقات مهمة، لأنها من المفاهيم الخلافية في نهاية الأمر، وفق المرجعيات الأيديولوجية والفكرية والفلسفية، إلى غير ذلك. فالمفهوم تاريخه مُثقَل. 

أمّا الحاجة الثانية، فما أسميها: أن المواطنة راسخة في المجتمعات الغربية، ولكن لا يفتأ هذا الموضوع ليكون محل تتبع ومراجعة ونقاش بين الفلاسفة وفلاسفة السياسة وأساتذة القانون والعلوم السياسية، والمهتمين بالشأن الفكري والسياسي والفلسفة السياسية في الدوائر الفكرية والأكاديمية الغربية. ونحن أيضاً بحاجة ماسة لإنجاز هذا التعهُّد الفكري للمفهوم، وللقضايا والمسائل الشائكة المتصلة به.

في هذا الإطار، عندما نتحدث عن المواطنة، فإننا نتحدث عن مفهوم تأخَّرَ حضوره كثيراً في الخطاب العربي. صحيح أن النصوص الدستورية والقانونية حافلة بالمفهوم، في الكتابات التي ظهرت في المدوّنات القانونية بُعيد مرحلة الاستقلال وبناء ما يُسمى بـالدولة الوطنية.

لكن صحيح كذلك أن المواطنة موضوع فكري تأخَّرَ حضوره؛ وأنا أقول إلى حدود ثمانينيات القرن العشرين، وبات المفهوم موضوع حديث جدي منذ بداية الألفية، وهذا ما حاولت الاستدلال عليه فيما كتبته مؤخراً. ويبدو أن تأخر حضور المفهوم يعود إلى أنه لم يكن يُنظر إلى المواطنة النظرة الجدية المطلوبة، لأنه كان يُنظر أنها من متعلقات منظومة التفكير الديمقراطي. 

الديمقراطية شيء، والمواطنة شيء آخر، بالرغم من متانة العلاقة بينهما. حقوق المواطنة شيء وحقوق الإنسان أيضاً شيء آخر، بالرغم مما يبدو بينهما من ظروف التعالق أو الالتباس أو التشابك.

صحيح أنه في الفكر الإنساني، المفهوم له تاريخ طويل جداً، يعود إلى حوالي القرن السادس قبل الميلاد في الحضارة اليونانية؛ لكن السؤال الذي يُطرح: هل أن المفهوم الحديث هو استعادة للحضارة اليونانية؟ وهل أن المفهوم الحديث هو استعادة للقديم؟.. بطبيعة الحال، لا.

صحيح أن التجربة اليونانية قدّمت بذرة لهذا المفهوم، وجسّدته في مستوى المشاركة السياسية، في إطار ما يُسمى آنذاك بـ"الديمقراطية المباشرة"، وتطور بعد ذلك في التجربة الرومانية؛ لأنه تم تعميمه وتغليب الجانب القانوني على الجانب السياسي، ليحتضن أكبر عدد ممكن مما يُسمى بـمواطني الإمبراطورية الرومانية.

لكن هذا المفهوم سيغيب تماماً عن ساحة التاريخ، ولن يعود إلا في بداية تشكّل ما يُسمى بـمفهوم "الدولة الأمة" (État-Nation). وأنا أعتبر أن الإطار أو "البارادايم" الذي يمكن أن نفسر به عودة المفهوم وظهوره بالمفهوم الحديث، هو بناء ما يُسمى بـمسار بناء الدولة الأمة (Nation) في الغرب، بدايةً من القرن الثامن عشر، خاصة في تجارب ما يُسمى بـالليبراليات الغربية الحديثة.

والمسار، أيضاً، لتطور هذا المفهوم كان بشكل تراكمي، ولم يكتمل إلا قبيل النصف الأول من القرن العشرين؛ لأنه كان مفهوماً حكراً على الذكور دون الإناث، على الرجل الأبيض دون غيره من الأجناس، على مالك الثروة أو مؤدي الضريبة "دون غيره من مواطني هذه الدول". ولم يعد مفهوماً يتصف بالعمومية والتجريد، وقابلاً للمساواة بين مكونات الجسم السياسي إلا في منتصف القرن العشرين. ولهذا قلنا ننزع عنه البداهة التي يُظن أن هذا المفهوم هو من مكتسبات الحداثة، وأنه حاصل بالمعنى أو بالمحمول الذي نحمله في أذهاننا في اللحظة الراهنة.

ثم بعد ذلك، في إطار تفاعل المجتمعات العربية مع مكونات الحداثة الغربية، تم الالتفات إلى هذا الموضوع بعد عقود من (أستطيع أن أقول)، من معاداة، أو من إهمال، التيارات الأيديولوجية لمكونات الحداثة السياسية المرتبطة بـمفهوم الدولة الأمة، النظام الديمقراطي، المواطنة، حقوق الإنسان؛ باعتبار أن هذه الموجة الأيديولوجية، التي غطت على الكتابات العربية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، كان رهانها هو أن تبني الدولة القوية التي تواجه وتحرر الدول العربية من إرث استعماري؛ وفي الوقت نفسه، تبني التنمية، وتقود عملية بناء مجتمع ودولة قوية لمواجهة هذه الأخطار، ولم تفكر البتة في الداخل، أي في بناء مواطن له حقوقه، وله فرص أن يكون مواطناً يحظى بـمنظومة حقوقه، ويحظى بـالكرامة. وهذا أمر تأخّر كثيراً في تجاربنا السياسية.

- لو سمحت دكتور مرشد، ما يمكن أن نخلص إليه من هذا العرض الذي تفضلت بتقديمه هو أن مفهوم المواطنة مفهوم تاريخي، تشكل عبر سيرورة تاريخية في الغرب. هناك انقطاع عن مفهوم المواطنة كما وضعه فلاسفة اليونان القدامى؛ وفي اجتماعهم السياسي القديم، ارتبط بتأسيس الدولة الأمة أو الدولة القومية الحديثة. هناك فلاسفة كُثر ساهموا في ذلك، فلاسفة ما يُسمى بـ"العقد الاجتماعي"، وتطور هذا المفهوم في إجرائيته عبر جملة من المراحل التاريخية، إلى أن استوى مفهوماً (يعني مبدأ)، المساواة بين جميع التشكيلات والأفراد الذين يشكلون مجتمعاً واحداً وينتمون إلى دولة واحدة.

لكن، في الناحية العربية الإسلامية، تأخَّرَ كما تفضلت حضور هذا المفهوم، وتأخّر التعامل معه. وذكرت أن هناك أولويات ارتبطت بالخروج من الاستعمار وبناء الدولة الوطنية الحديثة، التي هي بناء حديث في الاجتماع السياسي العربي. كيف تلقت الآن التيارات السياسية والفكرية من مختلف المشارب والتوجهات هذا المفهوم؟ وكيف تعاملت معه وحاولت أن توظفه أو تقدمه وفق توجهاتها الفكرية والأيديولوجية؟

- ملاحظة أولى: تدقيق المفهوم القائم راهناً هو حصيلة التراكم، ولكن ما زال يخضع للكثير من المراجعات والنقاشات. 

أولاً: السياق الغربي.. المراجعات المستمرة

- هناك معطيان أساسيان في الفكر الغربي، يحددان تقريباً أهم الآراء أو يلخصانها..

(1) تراجع "دولة الرعاية الاجتماعية": إن التجربة المكتملة لمفهوم المواطنة ارتبطت بتجربة قصيرة في تاريخ الدولة الحديثة في أوروبا، وهي ما تم تسميتها "دولة الرعاية الاجتماعية" (État Providence)، التي آمنت بالمواطنة بوجوهها المكتملة: حقوق مدنية وسياسية، وحقوق اقتصادية واجتماعية، وحقوق ثقافية أيضاً إلى حد ما. بدأت هذه التجربة تتراجع في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، مع ظهور الاقتصاد المُعَوْلَم وبداية تخلي الدولة عن الدور الاجتماعي في الليبراليات العريقة.

(2) العولمة والتعددية الثقافية: المعطى الثاني هو أن العولمة وحركة المجتمعات والهجرات المكثفة (الجماعية والفردية)، وتنوع المجتمعات الغربية، بدأ يُعاد النظر إلى المفهوم فيه، وخاصة علاقته بـالمرجعية الثقافية والهوية الثقافية. 

- نتحدث هنا عن مسألة الهجرة.. 

- نعم، والتعدد الثقافي في المجتمعات الغربية، وقابلية المفهوم لاحتواء العناصر الوافدة على المجتمعات الغربية، والتي هي في نهاية الأمر تطرح أكثر من سؤال حول الهويات المتجانسة والقيم المشتركة، لأن المواطنة، أحببنا أو كرهنا، تتطلب حداً أدنى من التجانس، ليتم الحديث عن شروط تطبيق مواطنة متساوية؛ وتتطلب حداً من الولاء، أي ولاء الفرد للكيان السياسي الذي ينتمي إليه. هذا بالنسبة إلى السياق الغربي، والأمر قيد المراجعة؛ وهناك أعمال كثيرة في هذا المجال (يُذكر على سبيل المثال: أعمال دومينيك شنايبر، وأعمال هابرماس، وجون راولس، ومارتينيالي من إيطاليا، إلى غير ذلك).

ثانياً: السياق العربي والإسلامي.. تحديات الاحتواء

- بالنسبة إلى السياق العربي والإسلامي، يجب أن نتبين أن دخول المفهوم كان، دائماً وأبداً، في إطار نوع من محاولة الاحتواء والتفاعل بدوافع مختلفة.

(1) التيارات الإسلامية والمصالحة: أول ما يلفت الانتباه، أن دخول المفهوم كان في إطار رغبة بعض التيارات الأيديولوجية في المصالحة واحتواء المفهوم. أتحدث هنا أساساً عن التيار الإسلامي الذي كان سبّاقاً، مقارنة بالتيارات الأخرى؛ لأنه أدرك مثلاً أن الحديث عن الدولة الإسلامية سيصطدم بمشاكل نظرية عويصة جداً، من قبيل وضعية غير المسلم في الدولة الإسلامية المنشودة. وهنا انبرى عدد من الإسلاميين للحديث عن أن الإسلام لا يتنافى مع مفهوم المواطنة الحديث، وأن الدولة الإسلامية قادرة على استيعاب الاختلاف (أي غير المسلم)، في دولة تحكمها الشريعة (في مستوى النص المرجعي الأول، الذي يُسَيِّر العمل السياسي والتشريعي داخل هذه الدولة). وحاولوا أن يُبيّنوا أن هذه المواطنة لها جذور في التاريخ الإسلامي؛ بالعودة إلى كتابات عبد الوهاب الأفندي، وعلي خليفة الكواري، وفهمي هويدي. كانت هذه الكتابات تُبيّن أن تجربة المدينة وتاريخ الإسلام هو تاريخ اعتراف بالتعدد وقبول للاختلاف ومحاولة للاحتواء. إذاً، حديثاً يمكن للدولة الإسلامية أن تحتوي المفهوم، وأن تُقرّ مواطنة للمسلمين ولغير المسلمين في الإطار السياسي العام.

(2) القوميون ومراجعة التجانس: القوميون بدورهم أدركوا فداحة تأخر التفات الفكر القومي لمسألة المواطنة؛ لماذا؟.. لأنهم كانوا مهووسين بـفكرة التجانس القومي، بين جميع مكونات الدولة العربية الموعودة (الدولة الواحدة)، ولكنهم تبيّنوا لاحقاً أن هناك تعددية إثنية وقوميات غير عرب (الأكراد، والتركمان، والبربر)، ويجب الاعتراف بهم. وأن الفكر القومي عليه أن يُراجع نفسه في اتجاه أن يعترف بمثل هذه التعددية التي هي تعددية تُثري، ولا يمكن أن تكون الفكرة القومية فكرة صهر قصري لغير العرب في إطار هذه الدولة الواحدة.

(3) التحول النقدي وغياب الممارسة: شيئاً فشيئاً ستتطور الكتابات في اتجاه، أُسمّيه اتجاهاً نقدياً؛ بمعنى أن هذا المفهوم علينا أن نتعاطى معه، بمقتضيات الاستيعاب الفكري وفهم المرجعيات التي تُؤسس هذا المفهوم؛ وأن يتم قبوله باعتباره مكوّناً أساسياً من مكونات الحداثة السياسية، وباعتباره شرطاً لتقويم بناء الكيان السياسي القائم، وهو ما يُسميه القوميون "الدولة القطرية"، وما يُسمى عادةً "الدولة الوطنية".

(4) المواطنة الفعلية والتفاوت في الحقوق: الدولة الوطنية لا يمكن أن تترسخ عملية بنائها ما لم تكن هناك مواطنة فعلية. هذه المواطنة هي، على النصوص، قائمة في الدساتير والتشريعات؛ لكن على مستوى الممارسة، هي بعيدة تمام البعد.. لأن المواطنة، من مقتضياتها أن تكون هناك منظومة حقوق متساوية، وهو أمر ليس بديهياً؛ لأننا نعرف أن هناك تفاوتاً بين مساواة الحقوق بين بلدان (دون ذكر أسماء)، فهناك بلدان لا يحق للمرأة أن تُسافر بمفردها، فالمساواة ليست مُعطىً بديهياً بين الجنسين. ثم هناك حقوق أيضاً سياسية، وحقوق مدنية، وحقوق مشاركة فعلية في الحياة السياسية؛ وهناك حقوق كذلك ذات بعد اقتصادي واجتماعي، وما إلى ذلك؛ وحقوق دينية بطبيعة الحال، باعتبار التنوع الطائفي في كثير من البلدان. وهذا الأمر يجعل النخبة المثقفة تُدرك أن هناك مجالاً للتفكير والنظر والإقناع بأن هذا المفهوم له متطلباته ومقتضياته الفكرية والفلسفية وما إلى ذلك، التي تجعله قابلاً لأن يُستبطن في الضمير والفكر، وأيضاً في السلوك والممارسة في الواقع السياسي.

ثالثاً: تحديات التأصيل في البيئة العربية

- إذاً، هناك حاجة إلى تأصيل هذا المفهوم حتى يقع دخْلنته أو استبطانه، كما هو موجود في النصوص الدستورية والقانونية، وأيضاً من ناحية السلوك والممارسة؛ خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية الراهنة. تحديات استكمال بناء أسس الدولة الوطنية، وتحديات إدارة التعدد والتنوع والاختلاف، الإثني والديني والطائفي والفكري والأيديولوجي، إلى غير ذلك.. وكذلك في ظل التحديات الإقليمية والدولية، واتجاهات العولمة ومفهوم "السيولة" اليوم؛ والعلاقة بمفهوم "الهوية".. ما هي أسس التأصيل؟ وكيف يمكن أن نُؤصّل لهذا المفهوم؟.. ما هي المرجعيات التي يمكن أن نعتمد عليها، والأسس والطرق التي نتوسلها لنؤصل هذا المفهوم في البيئة العربية والإسلامية؟

- لا نقصد بـ"التأصيل" تلك الشحنة الدلالية، التي نجدها حاضرة بقوة لدى الأصوليين.. 

- هم من التحديات التي تواجه مفهوم المواطنة؛ يعني الجماعات الأصولية، إلى غير ذلك، رغم أنها تحاول أن تتكيف مع هذا المفهوم، ولكن هناك جملة من التحديات النظرية والمعرفية، وحتى من حيث السلوك الذي تمارسه هذه الجماعات في مستوى التأصيل، بمعنى تأسيس هذا المفهوم وترسيخه في البيئة العربية الإسلامية..

- التأسيس، وهذا ما أسميه بـ"التعهد"، هي عملية النظر الثاقب ومحاولة تفهم سيرورة نشوء المفهوم. وهناك شروط متضافرة، ولا يمكن النظر إليها على أنها مجموعة من الحقوق..

هذا التأسيس، التعهد، يتطلب ضوابط عامة:

(1) النظرة المتكاملة: علينا أن نعي أن لهذا المفهوم شروطاً ومكونات متضافرة، ولا يمكن أن ننظر إلى المواطنة على أنها مجرد منظومة حقوق وواجبات. هي كذلك، وهي مشاركة سياسية فاعلة؛ وهي أيضاً فيها بعد ثقافي هوياتي مهم جداً. لا يمكن الحديث عن مواطنة دون هذا "السُّمْك" الثقافي الهوياتي، الذي يجعل هناك نوعاً من الروابط التي لا تُقاس بالقانون ولا بالتشريعات.. وهي روابط الانتماء والولاء، وما يُسمى عندنا "المواطنة والوطنية"، هذا المفهوم الذي يجعل الناس تنهض بوطنها وتعمل من أجله. وعندما نتحدث عن المفهوم بهذا التعاضد بين مكوناته، فإننا نؤمِّن على الأقل هذه النظرة المتكاملة التي تجعلنا نحرص على بناء المفهوم، وهذا البناء هو سيرورة (عمل تراكمي)؛ بمعنى: لا يعني أننا لدينا تشريعات، والممارسة تغيب فيها المواطنة؛ أننا نيأس من ذلك، لا، لأن مسار تجارب المواطنة في تجارب أخرى كان طويلاً جداً ومعقداً.. إذاً، هناك عمل تراكمي يجب أن نُثمن كل خطوة أنجزت في هذا الصدد.

(2) القيم المشتركة: علينا أن نحذر أن المواطنة اليوم حاجة أساسية لاستكمال بناء الدولة الوطنية، لأن هذه الدولة اليوم عرضة، كما تفضلت بالقول، لتهديدات خاصة مع الدول ذات التركيبة الطائفية المعقدة؛ تحدثنا عن لبنان وسوريا والعراق، وبدرجة أقل دول أخرى كمصر، وغيرها.. لماذا؟ لأننا إذا كنا اليوم نتحدث عن التعدد واحتواء التعدد، في المجتمعات الراسخة في تجربتها مع المواطنة، فهذا أمر يختلف؛ لأن هذه المجتمعات جربت المواطنة، ومرت بنوع من "الصهر القصري"، بين ظفرين، للقيم المشتركة، وبعد ذلك انفتحت في اتجاه استيعاب التعدد.. 

أما مجتمعاتنا، ما زالت مفككة؛ وعندما نتحدث عن الاعتراف بالتعدد، وحماية الحقوق الثقافية للطوائف، فهذا أمر قد يكون مهدداً للكيان الوطني ذاته.. إذاً فـ"المواطنة" تقتضي أولاً إرساء قيم مشتركة في هذه الدول، يتوافق عليها الجميع ويلتزم بها الجميع، حتى نحافظ على هذا الكيان السياسي الجامع؛ ثم بعد ذلك نمر إلى تدبير التعدد والاختلاف، وهذا الأمر قد يكون ضماناً لعدم تفكك بعض الدول، التي يتهددها فعلاً "خطر التفكك" نتيجة هذه المحاصصة الطائفية، أو هذا الهوس باحترام حقوق الطوائف على حساب ما يسمى بالمصلحة الوطنية والقيم المشتركة.. أكبر مثال على ذلك، الديمقراطية التوافقية التي طبقت في لبنان بعد "اتفاق الطائف"، في 30 سبتمبر 1989، ولم تنجح إلى اليوم في حماية لبنان من مخاطر كثيرة مر بها على امتداد 30 سنة تقريباً بعد اتفاق الطائف.

(3) الكونية الإنسانية: الأمر الثالث المهم جداً، وهو أننا ندرك أن الفكر العربي، في تفاعله مع المفهوم، يجب عليه أن يعي أنه مفهوم إنساني كوني؛ وأن للآخرين إسهامهم ولنا أيضاً إسهامنا.. ولا يعني أننا يجب أن نبني مواطنة عربية، بمواصفات عربية، يعني حتى نحقق هذا التأصيل؛ لا، هي من المفاهيم الإنسانية الكونية، التي علينا أن نُحرج بها اليوم الفكر الغربي الذي يدعو لكونية القيم لكنه لا يلتزم بها؛ فهو يتعامل مع معاناة المواطنين في مختلف تجاربهم، ومنها معاناة المواطن الفلسطيني في بلاده، في غزة وفي الضفة الغربية؛ في حين أنه يدعي الكونية، ويدعي احترام حقوق الإنسان والمواطن، ولكنه في نهاية الأمر، في مثل هذه القضايا الشائكة، يتعامل بمعايير مزدوجة ولا يلتزم بهذه الكونية كما يفترض.. 

من موقعنا نحن، علينا أن نتفاعل مع المفهوم، وأن نُحرج الآخر بأن نبين له أن هذا المفهوم مفهوم إنساني وكوني، ويجب أن يكون الرهان هو احترام الإنسان المواطن في كرامته وفي حقوقه الدنيا.

- في الختام..

شكراً دكتور مرشد القبي على كل هذه الإفادات المهمة، في اتجاه ترسيخ هذا المفهوم؛ وربما نحتاج إلى الوسائط الاجتماعية، وسائط التنشئة الاجتماعية، كالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام ومراكز الفكر والبحث، حتى تتفاعل مع هذا المفهوم، وحتى ترسخ وتؤصل هذا المفهوم في الاجتماع العربي الحديث.. 

شكراً مرة أخرى دكتور مرشد على كل هذه الإضافات؛ ونشكر لمشاهدينا الكرام حسن الاهتمام.. ونلتقي في حصة جديدة من برنامج تجديد.. شكراً.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

لقاءات خاصة

عامر الحافي: بعض المذاهب الإسلامية لم تشتهر رغم أنها أصوب من الرائج (الجزء الأول)

01-09-2024

ارسل بواسطة