سؤال العلم:

إشكاليات مفهوم العلم في الثقافة الإسلامية

مركز حوار الثقافات

02-12-2025

في لقاء حواري، ضمن برنامج "استنارة"، الذي يتضمن حلقات حول "النقاش العمومي والحوار الفكري والثقافي في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط"، استعرض الدكتور أحمد عصيد، مُقدم البرنامج، مع الأستاذ منير الحجوجي، أحد الكتاب المغاربة، مفهوم العلم في الثقافة الإسلامية، وفي المجال الثقافي الإسلامي المعاصر.

وإلي ما دار في هذا اللقاء الذي بدأه أحمد عصيد بقوله:

- السيدات والسادة المشاهدات والمشاهدين الأعزاء، مساء الخير لكم وأرحّب بكم في حلقة جديدة من برنامج "استنارة". 

- موضوع هذه الحلقة يتعلق بـ"مفهوم العلم في الثقافة الإسلامية"، وفي المجال الثقافي الإسلامي المعاصر. ما زلنا عندما ننطق كلمة "علماء" ينصرف ذهن الأغلبية إلى "فقهاء الدين"؛ وقَلّما نفكّر في هؤلاء الذين يسهرون الساعات الطوال في مختبرات البحث العلمي. من جهة أخرى، ميزانية البحث العلمي في بلدان منطقتنا (شمال أفريقيا والشرق الأوسط)، ما زالت ميزانية ضئيلة جداً مقارنة بميزانيات أخرى. هذا مع العلم أن عنوان العصر الذي نعيش فيه هو حقوق الإنسان من جهة، والثورات العلمية المُذهلة من جهة أخرى. دينامية مجتمعاتنا ما زالت خارج هذه الإنتاجية العلمية المتلاحقة، والتي أصبحت تسير بسرعة كبيرة؛ حتى أصبحنا اليوم مع إشكالية الذكاء الاصطناعي نطرح أسئلة تتعلق بمستقبل الحضارة الإنسانية: أين نحن من الثورات العلمية؟ وأين نحن من العلم ومن العلوم ومن العقلانية العلمية (؟).

- معنا.. لمناقشة هذا الموضوع واحد من الكتّاب المغاربة الذين اهتموا بهذه الإشكالية وكتبوا حولها، أستاذ يخوض النقاش العمومي ويُؤطِّر الحوار الوطني في العديد من القضايا والإشكاليات، سواء المتعلقة منها بالمغرب أو المتعلقة كذلك بالبلدان المجاورة، أو بالعالم أو الإنسانية عامة.. 

- الأستاذ منير الحجوجي.. مساء الخير، وشكراً على استجابتكم للدعوة، دعوة البرنامج..

- أهلاً وسهلاً ومرحباً؛ شكراً أستاذي الكريم السي أحمد عصيد، ومرحباً بمشاهدي ومشاهدات البرنامج.

- شكراً أستاذ منير. ما زلنا نلاحظ أن كلمة "علماء"، في المجال الثقافي لمنطقتنا، تعني فقهاء الدين، كما أن كلمة "علوم" قد تعني عند أغلبية الناس "العلوم الشرعية" أو "العلوم الدينية".. لماذا مفهوم العلم في المجال الثقافي الإسلامي لم يتغيَّر؛ مع العلم أننا في عصر يَغلُب فيه التأثير العلمي في كل المجالات؟.. العلمي بمعنى الـ"Science"، أي بالمعنى المعاصر لكلمة علم.

- شكراً. هذا في تقديري سؤال مهم جداً؛ ولكن أود أن أبدأ بـ"بنوع من التدقيق". الإنسان لا يولد بعقل غيبي، ولكن يصبح غيبياً. الإنسان لا يولد غيبياً ولكن يصبح غيبياً، من خلال التربية والتكوين، تماماً، تماماً. دعني أستاذي الكريم أعود إلى الأصول، وفي العلوم الإنسانية أنت تعرف أن الفهم هو عودة إلى الأصول، إلى اللحظات المؤسسة للأشياء؛ كيف تشكل وما زال يتشكل هذا العقل الغيبي؟ دعني، إذاً، أعود إلى البداية الأولى.. 

- تفضل..

- أبدأ باللحظة الأولى، بـ"لحظة الخروف"؛ الأسطورة (ولا يهم إن كانت أسطورة أو قصة حقيقية، ما يهمني هو الدلالة، دعني أسميها وجودية أو أنطولوجية). إذاً، الكل يعرف (المشاهدون والمشاهدات)، أن في الخرافة، أو في القصة المتعلقة بالخروف، أن النبي إبراهيم في حُلم رأى، أو سمع، أن الله أمره عندما يستيقظ في الصباح، أمره بأن يذبح ابنه.. ابنه. طيب، ولكن في الصباح سيتوصل برسالة مضادة، وسيقول له الله: "لا تذبح لا، لا تذبح ابنك، ولكن اذبح شيئاً آخر"، الذي هو الخروف..

عشرات القرون بعد هذه اللحظة، بعد هذه القصة، سيأتي باحث فرنسي من المستوى الرفيع جداً وأنت تعرفه السي أحمد، هو "رونيه جيرارد" (René Girard). رونيه جيرارد، في كتاب من أفضل ما أنتجته البشرية -في تقديري- لحد الساعة الحالية التي نعيش فيها، وهو "بُوك إميسير" (Boucs Émissaires)، اسمح لي بالعربية ممكن أن نترجمها "كبش الفداء". القراءة التي يقدّمها رونيه جيرارد خطيرة جداً، يقول ما معناه: إن في الأمر الثاني، في الأمر المضاد، هناك "دعوة إلهية للبشر لتحويل العنف من الإنسان نحو شيء آخر". واستبدال "القربان البشري" بـ"القربان الحيواني"؛ لأن القربان كان بشرياً في العصور البدائية. وهذا أعتقد أنه شيء جميل..

- طبعاً، هو انتقال مهم في الوعي البشري..

- مهم جداً.. لحظة تنخرط في تقديري في سياق سيرورة كبرى: لأن "الحياة فوق الأرض، أنتم هنا فوق الأرض، لا لتذبحوا بعضكم بعضاً، ولكن لتصنعوا العيش المشترك". هذه، في تقديري، هي الرسالة، وأنا أتبنّى هذه الرسالة، وأعتقد أن كثيراً من الإنسيين (Les Humanistes) يتبنّون هذه الرسالة..

طيب، دعني أنتقل إلى الديانات السماوية المعروفة: اليهودية، المسيحية، والإسلام..

- الديانات التوحيدية (؟!)..

- الديانات التوحيدية.. بمَ يتعلق الأمر في الحقيقة؟ إذا ما عُدنا إلى الأصل، إلى الجِذْر المؤسس، نحن نعرف أن الديانة اليهودية هي في جِذْرها الأول هي "صرخة"؛ صرخة جماعة اعتبرت أنها مُهمَّشة، مقهورة، مطحونة إلى آخره في التاريخ. جماعة صرخت "ضد الذبح"، و"ضد الطغيان" وضد (لنبقى في كلمة ذبح، لأن هي الكلمة التي استعملناها).

- الخيط الرابط (؟!)..

- الخيط الرابط، ضد عملية الذبح. لا يهم من يمارس الذبح؛ ولكن ضد عملية أن شخصاً ما يعطي لنفسه الحق في ذبح إنسان آخر، أو جماعة بشرية أخرى. إذاً، في جذرها الأول، الديانة اليهودية هي صرخة في وجه الهيمنة والفاشية والتراتبية السلطوية، ولنقل الذبح. 500 سنة بعد ذلك؛ الديانة المسيحية هي، أيضاً، وفق هذه القراءة الأنثروبولوجية، هي "صرخة في وجه الهيمنة والتسلطية الرومانية"؛ لأن الديانة المسيحية ظهرت في سياق تحكّم وتوسّع الإمبراطورية الرومانية.. تماماً. إذاً، دعوة المسيح نحو المحبة والأخوة والعيش المشترك، هو خطاب ضد الطغيان، ضد الذبح، "رفض لعملية الذبح بالمعنى الكبير".

الإسلام أيضاً في تقديري، هو "صرخة في وجه التراتبية والهيمنة والطغيان". وهنا، أستعمل كلمة، ربما لا تصلح لتلك الفترة (الفاشية)؛ لأن في تلك الفترة كانت هناك عائلات تجارية كبرى هي التي تتحكّم، بالإضافة إلى الإمبراطوريتين العظيمتين: فارس والروم.

ستلاحظ معي، أستاذي أحمد، أنه في هذه القراءة، هذه القراءة هي في العمق "مُزعجة"، أو تحمل أشياء مُزعجة ومُقلقة "سياسياً".. لِـمَن؟ لـ"الأنظمة السياسية". وبالتالي، كان لا بد للأنظمة السياسية (كيفما كان اسمها: أموية، عباسية، إلى آخره)، كان لا بد لها من أن تلتفَّ على هذه الرسالة؛ لأن هذا النوع من الدين مخيف سياسياً..

- مخيف سياسياً (؟!)..

- مخيف سياسياً.. وبالتالي، كان لا بد من استعماله بطريقة عكسية.. تماماً. الالتفاف، نعم التفاف. وسأعطي، إذا سمحت، أستاذي أحمد، بعض الأمثلة عن بعض تقنيات؛ هذه "إعادة توجيه الدين نحو أشياء لا أقول باردة سياسياً"؛ وبالتالي غير مزعجة سياسياً. من بين هذه الاستراتيجيات: تحويل هذا الدين الساخن سياسياً نحو وجهة "باردة سياسياً". مثال بسيط: بما أنه من الصعب جداً "إلغاء الدين"..

- طبعاً، غير ممكن؛ لأنه مرتبط بالبنيات الذهنية وبالعلاقات الاجتماعية وبنظام الأسرة وغير... روحانية أيضاً، الناحية الشخصية..

- دعني أعرض جملة لـ"سيجموند فرويد". يقول فرويد (مؤسس التحليل النفسي)، فيما يخص الدين: إن الدين وهم جماعي. ما يهمني هو الجزء الثاني من هذه الجملة: "حاجة نفسية للهروب من قلق وجودي". إذاً، المسألة مشروعة. أنا أحس بتيه كبير أمام شساعة الكون، فأبني لنفسي بعض الأشياء لتُريحني نفسياً..

- اكتساب نوع من الطمأنينة النفسية أمام جبروت الطبيعة، وأمام الخوف من المجهول..

- تماماً. إذاً، التقنية المفصلية الكبيرة التي تم استعمالها عبر مختلف الأنظمة السياسية التي حكمت المجال العربي الإسلامي، من اللحظة الأموية إلى آخره، إلى اللحظة الراهنة، هو كما قلت، محاولة الالتفاف أو إبعاد الدين عن هذه الجذور الثورية. التقنية المفصلية هي "تحويل الدين من الأرض إلى السماء"..

مثلاً، لنأخذ أركان الإسلام؛ كما تعرف أستاذي الكريم، وكما يعرف المشاهدون والمشاهدات: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام وغيرها، وأركان الإيمان هي: الإيمان بالله وملائكته... لنلاحظ أن كل هذه الأشياء تقوم بوظيفة خطيرة، وهي أنها "تَجتث الإنسان من الأرض وتربطه بالسماء". ومع الوقت، ومع التراكم (لأن الأشياء الأيديولوجية تشتغل كالإشهار في الأجساد والعقول يجب تكرارها)، فمع الوقت سيفهم الإنسان، أو المؤمن العربي الإسلامي، أن هذا هو الإسلام، هو أن تنظر إلى السماء. وهذا شيء مهم جداً للأنظمة السياسية، أنها تكون أمام "إنسان ينظر إلى السماء"، بعيداً عن أسئلته..

- كيف نربط بين هذا المدخل.. وبين إشكالية العلم في الثقافة الإسلامية؟

- إذاً، الإنسان الذي سننجح في اقتلاعه من الأرض (يعني من أسئلة الحُكم، وكيف تشتغل الأشياء، وكيف نحلل الأمراض، وكيف...)، الإنسان الذي ينظر إلى السماء لن تهمه أبداً الأسئلة الأخرى المرتبطة بالبحث. وهذه كانت، دعني أقول، هي عملية الذبح التاريخية الخطيرة، أننا أخرجنا.. أو أننا فصلنا الدين بـ"المعنى الثوري" (بمعناه الثوري كما قدّمناه في بداية الحلقة)، وصنعنا ديناً آخر؛ ديناً يتحدث عن أشياء خارج الأرض..

- يعني الفكر الديني خلق هذا النوع من "الفصام"، بين الإنسان وبين علاقته بالطبيعة وبالواقع المباشر..

- تماماً، تماماً.. 

ودعني، هنا، أستشهد بفقرة خطيرة جداً. وأنا أبحث في إطار تحضيري للحوار، وأنا أبحث في أرشيفي الشخصي؛ عثرت، أستاذي أحمد، على -اسمح لي- على فقرة من أطروحة الأستاذ أحمد السطاتي. أطروحة اسمها: "الزمن في الفكر الإسلامي". وأعتقد أن هذه الفقرة أعتقد أنها تلخّص كل شيء.

- كل الإشكال (؟)..

- يقول السي أحمد السطاتي، في أطروحة ناقشها ونشرها، عام 1991، وأعتقد أنها لم تَنَلْ حقها من المتابعة.. يقول (في سياق الحروب الكلامية الكبرى، التي عرفتها الأمة في العصر الوسيط): "أنكرت الإبستمولوجيا الأشعرية وجود القوانين الطبيعية، التي لا يمكن للعلم أن تقوم له قائمة إلا بالإقرار بوجودها، وبالحق في الكشف عنها. واعتبرت [الأشعرية، دائماً أحمد السطاتي]، فكرة القوانين الطبيعية مخالفة لروح القرآن؛ لأن الظاهرات الطبيعية لا تُكتب تَمَثُّل بالضرورة وفق قوانينها، بل بمشيئة الله وحده إن أراد لا تتغير؛ لأن الله إن لم يكن الخالق في كل لحظة فإن الكون ينهار. ولأن الله خالق بدون توقف، فإنه يتدخل في كل شيء، في كل زمان ومكان. وبما أنه ليست ثمة عِلَل ثانوية من خارج إرادته، فليست هناك قوانين طبيعية يمكن أن تحول بينه وبين خلقه"؛ انتهى الكلام..

معنى هذا النص، أن الأستاذ أحمد السطاتي يُنَبّه إلى أن "الأشاعرة" (أي الفكر السني الذي ترسخ على مدى قرون إلى اليوم)، جعلوا من غير الممكن أن ندرس قوانين الطبيعة دراسة تجريبية؛ لأنهم يدخلون عنصر الإرادة الغيبية..

- تمام.. ولكن السؤال هنا: لماذا انتصرت هذه الأطروحة في التاريخ؟

- آه.. لأنها هي التي هيمنت وأدت إلى المشكل الذي طرحناه في بداية الحلقة؛ هيمنت في تقديري (هذا تأويلي الشخصي)، هيمنت لسببين:

أولاً: أنها أطروحة مُريحة للأنظمة السياسية؛ لأنها تعطي للأنظمة السياسية المبرر لـ"طَحْن الفكر العلمي" (يعني في العصر الوسيط)..

- تماماً..

- تعطي للأنظمة السياسية المبرر لـ"طَحْن الفكر العلمي"، الذي هو بطبيعته فكر مُقلِق ومزعج إلى آخره.

وانتصرت، أيضاً، لسبب آخر: هو أنها أطروحة مُريحة نفسياً على المستوى الفردي؛ لأن الفرد سيجد أمامه أطروحة تقول له: أنت غير مُلزم بالتورط في العالم، وغير مُلزم بالاكتشاف وبالبحث، وهناك الحقيقة مُحدَّدة سلفاً، وأن هناك كائناً مُفارِقاً يقوم بكل شيء، وما عليك إلا الرجوع إلى الوراء، ويتدخل في الجزئيات.

إذاً، انتصرت هذه الأطروحة تاريخياً، وهذا ما أدى إلى سيادة مفهوم ديني للعلم عوضاً عن مفهوم الـ"Science"، أو المفهوم العلمي التجريبي..

- بالضبط. ولكن إذا ما تركنا العصر الوسيط وجئنا إلى عصرنا، لماذا ما زالت تهيمن (؟).. هذا، أيضاً، سؤال جوهري، لأن عصرنا يُمثل "الصفعة"؛ لا بد أن نستيقظ وأن نرى من حولنا الثورات العلمية والنظرية..

- سنستيقظ يوماً ما؛ لأن كما تعرف، أستاذي أحمد عصيد، أن "التحولات الذهنية" تأخذ بعض الوقت، فهي ليست كالتحولات المادية. عندما تريد أن تُغيِّر سيارتك مثلاً، فإن الأمر يأخذ بضع دقائق، ولكن تغيير المفاهيم والأفكار، هذه تطرح إشكالات. فإذا عجز العقل الإسلامي عن الخروج من تلك البوتقة التاريخية، التي اختزل فيها العلم فيما هو ديني، أو في الفهم الديني للنصوص، ما زلنا في ظل هذه المنظومة الأشعرية، ما زلنا في ظل هذا. وهذا ما يفسر غُربة مفهوم العلم..

- تماماً..

- ولكن بما أننا لا نعيش اللحظة الأشعرية، بما أننا نعيش لحظة 2025، فأكيد أنه يجب أن نجدد آليات فهمنا لهذه الإشكالية الكبرى. لماذا ما زالت المنظومة الغيبية تهيمن؟.. أنا أعتقد أننا يجب أن ندخل، أستاذي أحمد، "العامل السياسي"، وبقوة. سأشرح باختصار.. قلنا بأن الأطروحة الأشعرية كانت مسؤولة عن إنتاج وإذاعة هذا الطابع، ولكن الآن في 2025، أنا أعتقد أننا يجب أن نبحث عن المسؤولية، أو المسؤول، في مكان آخر. "الأنظمة السياسية ترتعب من الفكر العلمي"، ويهمها أن تبقى الأطروحة الأشعرية الغيبية..

- ولكن، يعني الأنظمة هذه، رغم ذلك، أتاحت الإمكانية لتطور مادي وتقني كبير، والتطور التقني مرتبط بالعلم. تلاحظ مثلاً في بلداننا كيف أن الاختراعات العلمية تُستورد بدون مشكل، والعمارات والقناطر ووسائل النقل السريع والمحمول ووسائل التصوير.. وكذا. وهذه، طبعاً، إنجازات علمية. لماذا، إذاً، تقبل هذه الأنظمة هذا التطوير المادي التقني، وتتحفظ على العلم من حيث هو معرفة واكتشاف (؟)..

- أنت وضعت يدك، الآن، على الشرايين المفتوحة. وضعت يدك، سيدي أحمد، على جِذر المشكل. أكيد أن الأنظمة السياسية تستورد العلم، ليس تستورد التكنولوجيا، ولكن لأنها منخرطة في ما يسمى بالعولمة، يستحيل أن نبني... الأمور الآن أصبحت مكشوفة. ولكن قلت شيئاً أنا أتفق معه بقوة، وهو أن الأنظمة السياسية ليس لها مشكل في استيراد كل هذه الأشياء، ولكن لها مشكل مع العلم كـ"كلية تفكيرية"؛ لها مشكل مع "الإبداع"، ومع "الخَلْق العلمي".. لسببين:

السبب الأول؛ وهو أنها لو فتحت الباب للبحث العلمي، فسوف تضع نفسها في مواجهة مع الإمبرياليات الكبرى التي تستمد منها شرعيتها..

- ولهذا، هي محكومة أن تبقى في وضعية المستورد..

- تماماً. استورد ما تشاء، لكن ممنوع تماماً (الخطوط الحمراء، والصفراء، والخضراء)، أن تصنع بنفسك، أن تصنع وأن تُبلور استراتيجية بحتة ستضعك في المواجهة..

- ما موقع منظومة الفكر الديني هنا؟.. يعني: نلاحظ أن منظومة الفكر الديني بقيت أيضاً مُغلقة على المفهوم القديم. لاحظنا مثلاً في لحظة الزلزال، الذي هو ظاهرة طبيعية أدت إلى مقتل الآلاف، كيف ساد مرة أخرى فكرة أنه "غضب الله"، عوض أن نحلل الظاهرة علمياً ونعرف ما أسباب وقوعها، وكيف يمكن التحذير منها ولو لدقائق قبل ذلك (؟!)..

- أنا أعتقد أن المنظومة هذه الغيبية بالفعل هي ما زالت مستمرة، ولها اليد الطولى على هذا المستوى. بل أعتقد أن السبب هو ما كان قد طرحه المفكر والكاتب الفرنسي "إتيان دو لابواسيه" (Étienne de La Boétie)، في كتابه التاريخي الشهير "العبودية الطوعية".

عندما أكبر، أستاذ أحمد، في قلب منظومة لها قواعد معينة، قواعد بها نُفسر الأشياء ونُدير الأشياء، ماذا يحدث لي على مستوى تمثُّلاتي الدينية (؟!).. أبدأ في الاعتقاد بأن هذه القواعد هي الرابحة والمُريحة، بما في ذلك على المستوى النفسي. بهذه القواعد، أنا أبني استقراراتي النفسية، ومع الوقت تصبح هذه الاستقرارات النفسية هي ما يُمكّنني من التموضع في قلب تعقيدات العالم.

إذاً، الفكر الغيبي الآن؛ عندما، أستاذي أحمد، أنت أو مجموع التنويريين العرب وغير العرب، عندما نطلب من الإنسان الغيبي أن يبدل جِلده المعرفي، فإننا نضع اليد على شيء خطير ورهيب، وهو "اللعبة النفسية"؛ هو بنى بالفكر الغيبي كل وجوده الاجتماعي. وبالتالي، هذه أمور، ويُسميها الروائي المصري الشهير صاحب "عمارة يعقوبيان" (على كل حال، الاسم سيأتي)، يُسميه "الإنسان المستقر". 

يعني في لحظة ما نكون أمام إنسان بنى مجموع استقراراته في قلب قواعد، وأنت تأتي وتقول له: لماذا أنت هكذا (؟!).. إذاً، هناك نوع من الـ"Défasage"، نوع من (لنُسمِّه) "اللافهم"، أو سوء الفهم. ولكن هذه المنظومة الغيبية بما أنها تشكلت تاريخياً، فستتفتت تاريخياً بفعل هذا الزحف، هذا "تَغَوُّل العولمة"، وهذا الانفجار المعرفي الذي يحدث في العالم. لا يمكن، أستاذي أحمد، أن نوقف "تسونامي" بالكفين؛ المسألة مسألة يلزمها وقت.

ولكن هناك سبب آخر، يفسر لماذا الأنظمة السياسية تهاب "البحث العلمي". قلنا السبب الأول، هو أنها تخاف أن تضع نفسها في مواجهة الإمبرياليات الكبرى. السبب الثاني، هو أن البحث العلمي (وهذه ربما مسألة ربما قليل من الناس من طرحوها في سوق التحليل الثقافي)، وهو: عندما نفتح الباب للبحث العلمي، أنا كنظام سياسي، فإنني أفتح الباب لـ"دخول لاعبين اقتصاديين جدد للمجال". وهذا أمر يُرعب بعض الأنظمة السياسية، خصوصاً الأنظمة المتورطة بوجود احتكار..

إذاً، المشكل، هنا، هو أكبر حتى من المنظومة الغيبية. هي المنظومة الغيبية تلعب لعبتها في هذا السياق؛ ولكن هناك، أيضاً، بارامترات أخرى لا بد أن ندخلها في الفهم لنؤسس لتلك الرؤية الشاملة.

- هذا معناه أننا بحاجة إلى "إرادة" نستطيع بها الخروج من هذا كله؛ إرادة سياسية حقيقية. وهذا سيمكن من تمويل البحث العلمي، سيمكن من تغيير الأنظمة التربوية وإشاعة المعارف العلمية أكثر..

- إن سؤال البحث العلمي ليس سؤالاً علمياً، هو سؤال سياسي طبعاً. مؤخراً كتب الرئيس الماليزي كتاباً عنوانه ما يلي: "من العالم الثالث إلى العالم الأول". إذاً، إرادة سياسية. دعني أقترح بعض الأرقام، الأرقام المخيفة: في الصين، في كل دقيقتين هناك براءة اختراع جديدة؛ بمعنى منذ بداية هذه الحلقة إلى الآن، عدد كبير. ثاني حاجة: مدينة صينية اسمها "شينزين"؛ منذ 20 سنة، كانت عبارة عن مدينة عادية جداً تائهة في قلب الشساعات الجغرافية الصينية، الآن تحقق "شينزين" رقم أعمال، أو ناتجاً داخلياً خاماً يفوق الناتج الداخلي الخام للمغرب بست مرات؛ لأن النخب الصينية حولتها إلى "منصة علمية تكنولوجية" رفيعة. 

أعطيك مثالاً ثالثاً، وأخيراً: إن الصين مؤخراً أطلقت طائرة للنقل التجاري الجوي ستَطحَن بشكل تام الاحتكارات الغربية في المجال؛ وهذا كله، طبعاً، ثمرة البحث العلمي. ووراء البحث العلمي هناك رؤية جيوستراتيجية كبرى لنُخَب واعية، واعية برهان العصر..

- في الختام..

شكراً الأستاذ منير الحجوجي على إسهامكم في هذه الحلقة؛ وأتمنى أن تنتقل مجتمعاتنا نحو "مجتمعات المعرفة"، وأن يصبح مجال البحث العلمي مجال استثمار من أجل مستقبل أفضل. السيدات والسادة، هكذا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة.. إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

لقاءات خاصة

عامر الحافي: بعض المذاهب الإسلامية لم تشتهر رغم أنها أصوب من الرائج (الجزء الأول)

01-09-2024

ارسل بواسطة