في كتابه "النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني"، للباحث والمفكر الإسلامي العراقي ماجد الغرباوي، سعيٌ إلى نهضة الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث والفهم التقليدي، من أجل فهمٍ مُتجدِّدٍ للدين، باعتباره شرطاً أساسياً للنهضة الحضارية، حسبما يرى المؤلف.
مقاصد الدين
يقول المفكر ماجد الغرباوي في مستهل كتابه إن المشكلة ليست في الدين كوحيٍ إلهيٍّ، وإيمان يُثري التجارب الروحية؛ بل في تحرّي مقاصده وغاياته وتوظيفه، وفهم دور الإنسان في الحياة، وقيمة العقل في تطوره حضارياً؛ إذ يوجد فهمٌ "أفْقَد الدين بُعدَه الإيجابي، وقدرته على تهذيب النفس وتنمية روح التَّقوى وكبح دوافع الشر، سببه فهم مُبْتَسَرٌ لا يميز بين القضايا المطلقة والقضايا النسبية في النصوص المقدسة، ولا يميز بين الدين والفكر الديني، ويُصر على تجريد التراث من تاريخيته والإذعان لسلطته وأحكامه"، حسب قوله.
ويشرح الغرباوي أن حركة الفكر لا ترتهن لأي منجز، فهي حركة دؤوبة يفرضها تجدد الإشكاليات، وكيفية فهمها ومعالجتها، خصوصاً إشكاليات الفكر الديني ومرجعياته، وأن النصوص ما زالت تنتظر جهوداً للبحث والتفكير وإنتاج المعرفة؛ فمن خلال تلك النصوص يفسر العقل التراثي ظواهر الأشياء، ويميز الحق من الباطل، خصوصاً الروايات الضعيفة ذات التأثير الأقوى في تزييف الوعي، وتكريس الجهل والأمية والتخلف.
سُلطة النص
يؤكد الغرباوي أن النص اصطلاحاً هو "ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة"، موضحاً أن ثراء النص يتناسب طردياً مع حجم إيحاءاته، ويتوقف الكشف عن أنساقه المعرفية والثقافية على مرونته؛ لأن النص هو "حقل للتنقيب المعرفي في أعماقه"، بحثاً عن إمكانيات التأويل المتوارية التي يتستَّر وراءها النص لُغوياً.
وسُلطة النص تعني هيمنته المعرفية، وفرض إرادته ومحدداته، حينما يحتكر الحقيقة، ضمن آلية التفكير وإنتاج المعرفة، سواء كان مضمون النص مطابقاً للواقع أم لا؛ فكثير من الأوهام يتعامل معها الناس باعتبارها حقائق مطلقة، لذا فالقراءة هي التي تستفز النص وتراكم مدلولاته، حسب الغرباوي.
ويقول الغرباوي إن "رهاب القداسة" يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعاليته، مخافة المساس بقدسيته، فيُؤْثر الباحث التمادي في التبرير على خدش حصانة النص، ويغفل أن النصوص قد جاءت "لمعالجة الواقع"، وفعاليتها ترتبط بفعالية ظروفه، و"ليست أحكاماً مطلقة تتعالى على شروطها التاريخية وفلسفة تشريعها"، حسب قوله.
ويوضح أن الفكر الإسلامي الذي أسس نظرية في السياسة والحكم والاقتصاد، وما شيّده من نظم فكرية ومعرفية، هو مجرد اجتهاد شخصي، وقراءة مشروعة للنص؛ فإذا كان النص مقدساً، فإن فهمه وتفسيره اجتهاد بشري، قد يصيب وقد يخطئ، والدليل هو اختلاف الفتاوى والتفاسير حول نفس النصوص.
النص والحقيقة
يُعتبر النص في نظر الباحث الديني طريقاً للحقيقة، وكاشفاً عنها، حسب الغرباوي، فلا يترتب عليها ما يترتب عليه، وتستقل بوجودها وقيمتها وكينونتها، أما القراءات النقدية فإنها تمنح النص دوراً في أصل وجود الحقيقة، فتكون الحقيقة نسبية، ما لم تمكن البرهنة عليها علمياً، فيوجد اختلاف بين النظرتين.
ويوضح أن المنهج الديني في تقصي الحقيقة "لا يُنتج معرفة علمية، ما دامت النتيجة مقررة سلفاً في ذات النص"؛ فهو منهج قائم على الإيمان والتسليم، لا على الدليل والبرهان، فيدور النقد حول تكريس النص وسلطته، فتتضاءل احتمالات النهضة.
ويتابع بأننا نحتاج إلى منهج نقدي لا يقف عند حدود النص، ويضع ثقافة الفرد في الاعتبار، باعتبارها شريكة للنص في وجود الحقيقة، وهي تشمل عادات وتقاليد وعقائد وأعرافاً، وما يختزنه العقل الجمعي والوعي المجتمعي، وكيفية فهم الذات وهويّتها، والآخر وحقيقته؛ فنحتاج إلى نقد مرجعيات العقل الجمعي، وتفكيك الثقافة المهيمنة، ثم إعادة تشكيل العقل وفق أسس معرفية استدلالية.
فلسفة الطقوس
يقول الغرباوي إن القراءات الأنثروبولوجية للطقوس كشفت عن عمق دلالتها، وقوة حضورها وتأثيرها، فهي تؤثر في ثقافة الفرد والمجتمع وتتأثر بهما، بل وتؤثر في حياتهما ومستقبلهما؛ إذ توجد علاقة جدلية تسمح بتطورها، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بها؛ وبالتالي، فلكل طقس جذره الثقافي، قد نراه خرافة في نظرنا وفي نظر العقل النقدي، لكنه ليس كذلك في نظر من يمارسه.
ويُسهب الغرباوي شارحاً أنه لا يجوز نقد هذه الطقوس مهما كانت خرافية ما لم تشكِّل خطراً على وعي الإنسان والمجتمع، أو تشوّه معالم الدين وتخضعه للاستغلال، بحيث تصبح تلك الخرافة مصدراً للمعرفة على حساب العقل والتجربة العلمية.
ويضيف أن الإيمان هو ومضة روحية، قد تخبو حينما لا تجد أجواء تفجّر طاقاتها، وتنمو وتتطور من خلال بيئة إيمانية، بأداء الشعائر والطقوس التي يتجلى فيها خشوع المؤمن، فلا يجب أن يُستهان بها كظاهرة إنسانية وروحانية واجتماعية.
ويؤكد الغرباوي أنه ما كان للخطاب الأيديولوجي أن يستغل النص الديني المقدس لولا مرونته العالية، فمرونته قد فتحت آفاق التأويل والتفسير تبعاً لتعدُّد المقاربات الفكرية والعقدية.
ويوضح أن نقد ذلك الخطاب الأيديولوجي يُعد أمراً ضرورياً تتوقف عليه نهضتنا الحضارية، فقد عبثت الحركات الإسلامية بوعي الشعوب، واستدرجتهم لسفك الدماء وقتل الأبرياء، وتسببت في هدر الثروات، وتمزيق وحدة الشعوب العربية والإسلامية، فنقد مرجعيات خطابها خطوة ضرورية لتفكيكه، والحيلولة دون تعرض دلالات قداسة النص لسطوة الحركات المتطرفة.
فتاوى الفقهاء
يقول الغرباوي في كتابه إن علاقة النص بالفتوى علاقة مرجعية، وما الفتوى سوى فهم للنص، وتطبيق لكلياته، ورفع ما يبدو متعارضاً بين نصوصه، وتحديد ما هو عام وخاص ومطلق ومقيد، وما أخذ من أحكامه على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية، وتحديد شروط فعالية الحكم وموضوعه.
ويشرح أن الفقيه في تفسيره للنص ينحاز أيضاً لثقافته وطريقته في التوثيق، وفهم النص وإظهار دلالاته، وفي ترجيحه الروايات المتعارضة، فلا حيادية مطلقة في الاجتهاد، فالفقيه مضطر، عن وعي أو غير وعي، لإسقاط ثقافته ومرجعيته على فهم النص، فيتأثر بميوله، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بقضية سياسية، فينحاز لما يخدم مصالحه ومصالح مذهبه، وما الاختلاف بين الفقهاء حول قضية واحدة إلا دليل على ذلك.
ويُشير الغرباوي إلى أن الغلو بجميع أقسامه بؤرة الروايات الموضوعة، ونصوصه أحق بالنقد والمراجعة لكشف المتواري والمستبعَد من أنساقه المضمرة، والتعرف على طريقة النص في أدائه، وخلق حقيقته، خصوصاً الروايات المحتملة والموضوعة التي تختلف عن الرواية الصحيحة في قدرتها على الاستجابة والرفض لشروط الواقع. وبالتالي، فالسياسة وصراع المذاهب والأديان حول احتكار الحقيقة "من أسباب الغلو والتشدد"، وإن نقد عقائد المتشددين "ليس أمراً سهلاً"، بعد أن تعلّقت بها آمالهم ومصيرهم الاجتماعي.
ويوضح أن النص الصحيح يفرض شروطه على المتلقي، فيأتي ليقرر ويحكم ويفرض محدداته، فأحياناً تفرض الضرورة نصاً لا ينسجم مع إرادة المتلقي ورغبته، بينما الرواية الموضوعة تنبثق من الواقع، لتلبي حاجاته وضروراته السياسية أو المذهبية والطائفية.
وختاماً، يوضح الغرباوي أنه لا يمكن الوثوق بنص تاريخي مطلقاً سوى القرآن، الذي تعهّد به جميع المسلمين، على أن يُقرأ ضمن شروطه التاريخية، ومنطقه الداخلي، ومنهجه في المحكم والمتشابه من الآيات، ومعرفة تاريخ الآية وظرف نزولها، وما علاقتها بالهدف الأساسي من الدين وخلق الإنسان، لنتجاوز محنة العقل التراثي، وتكريس الجهل والانقياد والتبعية، بما يتيح تشكيل العقل الإسلامي وفق أسس جديدة.