رضوان السيد:

تجاوز سلبيات التراث لتحقيق الحداثة

مركز حوار الثقافات

02-01-2025

عبر منهج تاريخي، يقرأ الدكتور رضوان السيد (1949م) التراث نقدياً؛ للتعرف على سلبيات التراث الإسلامي ليتجاوزها، ونقاط القوة فيه ليتمسك بها، وتكون منطلقاً لمشروعه الحضاري.

المفكر اللبناني، الحاصل على الجنسية السعودية، يرى أن من أسباب التراجع الحضاري الذي يعاني منه العالم الإسلامي، هو تراجع حركات الإصلاح الديني، لصالح الحركات الإحيائية الأصولية وانتشار خطابها الذي تستخدمه جماعات الإسلام السياسي، لتبرير وجودها وأفعالها ونشرها العنف؛ فيشدد في مؤلفاته على أهمية تجاوز الخطاب الأصولي، والعودة إلى حركات الإصلاح الديني واستخدام المناهج العلمية الغربية، حتى يمكن مغادرة الوضع الجامد للحضارة الإسلامية، للوصول إلى الحضارة العالمية.

وعبَّر "السيد"، الذي تخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وحصل على الدكتوراه من جامعة توبنغن الألمانية، عن مشروعه الحداثي في مؤلفاته، ومنها: "حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر"، و"التراث العربي في الحاضر"، و"أزمنة التغيير"، و"الأمة والجماعة والسلطة"، "ونحو إعادة بناء الدراسات الإسلامية"، و"مفاهيم الجماعات في الإسلام".. وغيرها؛ إضافة إلى عديد من الأبحاث الأكاديمية والرسائل العلمية.

المشروع الإصلاحي

يتسم مشروع "السيد" الإصلاحي الحضاري بنظرة شاملة، تتضمن طرحه سؤالاً رئيسياً عن أسباب عدم قدرة العالم العربي على الوصول إلى الحضارة العالمية؛ ويرى أن أسباب ذلك ظهور الخطاب الأصولي، وحركات الإسلام السياسي بمناهجها التي تدعو إلى العنف وانتشارها، إضافة إلى تراجع الوعي في العالم العربي، وتضاؤل الفكر النهضوي وإنتاج الثقافة، حسب قوله.

نعيش اليوم، وفق "السيد"، ما سمَّاه "زمن الأصوليات" بسبب تراجع "التفكير العقلي"، مما أدى إلى انتشار العنف، الذي زاد تأثيره وجود اختلالات اجتماعية وثقافية، الأمر الذي ظهر منذ ثلاثينيات القرن العشرين مع انتشار الحركات السلفية، فتجاهل العالم العربي محاولات التجديد وانكفأ على ذاته "الاستردادية" لإحياء التراث دون تدقيق.

ويتعامل "السيد" مع الثقافة التراثية الدينية بنظرة عقلية نقدية، تتسم بالتاريخية وتراعي الظروف المجتمعية السائدة آنذاك، حتى يُمكن فهم احتياجات المجتمعات المتزامنة مع الفترات التراثية المتعاقبة، وصولاً إلى العصر الحالي والإشكاليات الواردة إليه من التراث، أو من التعامل مع التراث، وفق قوله.

ويركز في قراءته التراث القديم، والعالم الإسلامي قديماً وحديثاً، على فهم التحولات المعرفية والفكرية التي مر بها، كما يهتم بكيفية رؤية العالم الإسلامي للعالم المغاير، ويعلل ذلك قائلاً: "رؤية العالم تستند إلى الوعي والإرادة، تضع فيها الذات الكلية الجماعية نفسها"، حسب قوله.

ويهدف "السيد"، في اعتماده على النقد العقلي التاريخي للتراث، وربطه بالاحتياجات المجتمعية وقتها، إلى فهم النصوص الدينية وفهم الارتباط بينها، سواء الارتباط الواقع بين النصوص وبعضها، أو ارتباط النصوص بذاتها عبر فترات تاريخية متعددة، حتى يُمكن الوصول إلى الحقيقة، حسب قوله.

أهداف أيديولوجية

يذهب "السيد" إلى أن الإنتاجات الفكرية التراثية، والحالية، صُبغت بالأهداف الذاتية لأيديولوجية العلماء وأصحاب الفكر في التراث، فلا يمكن فصل منهجهم عن أيديولوجيات تحكم أفكارهم وتوجههم، الأمر الذي يحول بين إنتاجهم الفكري والوصول إلى الحقيقة، بسبب المآرب الأيديولوجية الخاصة بهم، حسب قوله.

ويوضح "السيد" أن الإسلاميين وحركات الإسلام السياسي في العهد الحالي، استخدموا أيديولوجيا تعتمد على النص التراثي، سواء كان مقدساً أو غير مقدس، بشكل انتقائي ورمزي يسوغ لهم مآربهم، دون وجود مناهج واضحة ومدروسة، فانتقوا من التراث ما يتماشى مع أهدافهم، مثل تفسيرهم المُغرض للقرآن، أو اعتمادهم على علماء دون غيرهم مثل ابن تيمية، حسب قوله.

ويرى "السيد" أن امتداد الفكر الأيديولوجي التراثي، غير المجرد، في التراث حتى العصر الحالي، تسبب في أحداث تاريخية أثرت سلباً في العالم الإسلامي، وامتد تأثيرها السلبي في الفكر المعاصر، الأمر الذي تسبب في فشل محاولات الإصلاح الفكري والديني، واتساع خطاب العودة التراثية، والانكفاء الذاتي ومغادرة الفكر الحديث، وفق قوله. 

إشكاليات الأصولية

يرصد "السيد" إشكالية التأصيل في التراث والفكر الإسلامي، وامتدادها في الخطاب الأصولي والسلفي في العصر الحالي، التي اعتمدت على العودة المباشرة إلى النصوص، واهتمت بالأحاديث بشكل كبير وانتقائي دون القرآن، ما تسبب في ظهور جماعات الإسلام السياسي في العصر الحديث، بسماتها الإحيائية للتراث دون أي محاولة للإصلاح، حسب قوله.

ويوضح أن الخطاب الإصلاحي الإسلامي ظهر في العصر الحديث، منذ منتصف القرن التاسع عشر، وعمل بشكل حثيث على إحداث النهضة حتى منتصف القرن العشرين، وكان يهدف إلى التجديد الديني وإحداث التقدم والوصول إلى الحضارة العالمية؛ لكن منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ساد الخطاب الأصولي ذو الطابع الإحيائي للهوية التراثية ضد محاولات الحداثة، حتى انتشر في العصر الحالي، وفقاً له.

وينتقد "السيد" تراجع الحركات الإصلاحية الدينية لصالح حركات الإحياء الديني، التي انتشرت قبيل منتصف القرن الماضي، وسادت حتى وقتنا الحالي، وتسببت في صعود تيارات الإسلام السياسي وتنظيماتها الإرهابية، الأمر الذي أدى إلى تراجع مساحة التسامح الذي يتصف به القرآن، المرجع الرئيسي للدين الإسلامي. ويرى أن عودة الحركات الإصلاحية، وإعادة نظرها في المسلمات التراثية وتأثيرها العقلي والفكري المعاصر، تُمكّن من عودة القيم القرآنية لتكون مبدأ لتحقيق النهضة، وفق قوله.

ويؤكد "السيد" أن الوعي بالهوية التراثية لا يزال قوياً، وهو وعي يسبب مشاعر الانفصال والتمايز، ويفرض طرحاً عقائدياً في الثقافة والفكر، ويسبب عدم قبول التعامل مع ثقافة الآخر أو محدودية هذا التعامل؛ والحل الذي يراه هو إدراك الوعي بالواقع وبالأزمة الحادثة التي تعوق أي محاولات تقدم ونهضة، حسب قوله.

المشروع الحداثي

المشروع الحداثي، في فكر "السيد"، يعتمد على المزج بين نقد التراث وإعادة قراءته قراءة تاريخية، لانتقاء ما يصلح منه مع الفكر الغربي الحديث، وآلياته العلمية ومناهجه الحديثة، ونبذ الإحيائية التي ترتكن إليها جماعات الإسلام السياسي والتيارات الأصولية، والعودة إلى محاولات الإصلاح الديني الجادة التي بدأت في العصر الحديث، وتراجعت لصالح المحاولات الإحيائية للتراث، حسب قوله.

ويمكن تحقيق الحداثة، بوصفها مشروعاً نهضوياً للعالم الإسلامي، حسب "السيد"، بطرح ما يسببه التمسك بالهوية التراثية، جانباً -دون التفريط في الثوابت- وتبني المبادئ الأساسية للقرآن الصالحة لكل زمان ومكان، والتي يعتبرها "السيد"، "مبادئ عالمية"، يمكنها تجاوز الإحيائية التراثية التي تعتمدها جماعات الإسلام السياسي والتيارات التقليدية.

ويعتمد "السيد" في رؤيته الحداثية على العقل، سواء في جانبه النقدي للتراث المرتبط بالمنهج التاريخي، أو جانبه المتمثل في العقلانية المنهجية، واعتبار الأدوات العقلية النقدية والتاريخية فاعلة في المشروع الحضاري، ولا يمكن تجاوزها؛ داعياً إلى المدنية التي دعا إليها الإسلام، لا سيما في عصوره الأولى، ويرى أنها ضامن لتحقيق المشروع الحضاري للعالم الإسلامي، لما تتميز به من إتاحة القدرة على إعمال العقل والنقد، وبما توفر من جو يسمح بالتفكير والإبداع، واحترامها قيم التسامح والتعدد وقبول الآراء المختلفة الداخلية أو الخارجية، حسب قوله.

المنهج القرآني

ويعتمد المشروع الحداثي لدى "السيد" على القرآن والسُّنة الصحيحة، باعتبارهما مرجعية أساسية، لا سيما المبادئ العامة والروحية الصالحة لكل زمان ومكان، ويطالب بتطبيق المنهج القرآني في التعارف والتسامح وقبول الآخر، في انفتاحه على الحضارة الغربية، ويصفهما بأنهما من "طبيعة الإسلام في ذاته"، فيشدد على أهمية المعرفة المتبادلة، والحق في الاختلاف، دون خوف على الهوية من الانفتاح على الحضارة الغربية، لا سيما وأن منهج التعارف هو الصلة بين الثوابت والمتغيرات، وفق قوله.

وختاماً، وبالموازنة بين معطيات أربعة، العقل النقدي، واختيار ما يصلح من التراث، وطرح ما يُسبب التجمد والثبات والتخلف، واستخدام معطيات الحضارة الغربية ومناهجها وعلومها الحديثة، وأخيراً الحفاظ على الثوابت وعدم التخلي عنها؛ يطرح المفكر رضوان السيد مشروعه التجديدي؛ مشدداً على أهمية معالجة أزمة الهوية التراثية وانغلاقها على الذات ورفض الآخر، واستمدادها من التاريخ ما يؤكد هويتها، فيدعو إلى جوار موازنته الحضارية السابقة، إلى التخلي عن سلبيات الذات الإسلامية التراثية، ويطالب بانفتاحها على الآخر لتحقيق المبادئ القرآنية العامة، مثل التسامح وقبول الآخر والتعارف والحوار. 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة