دراسة التاريخ لفهم القضايا المعاصرة والاستنجاد به واستلهام دروسه، أحد الأسس الفكرية للمشروع التجديدي للمفكر العراقي رشيد الخيون (1950م)، الذي يرفض الجمود ودعوات العودة إلى الماضي وإحيائه؛ داعياً إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي بنظرة نقدية تحليلية، تضع في اعتبارها السياقات التاريخية والاجتماعية.
الخيون، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة صوفيا ببلغاريا، والذي حصد العديد من الجوائز في دول عربية مختلفة، مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب، يرى أن الأزمة ليست في التراث بل في طريقة التعامل معه؛ مُشدداً على أهمية العقل والدولة الحديثة والمواطنة، كمفاهيم قادرة على تحقيق النهضة العربية.
وقد وضع الخيون مشروعه الفكري في العديد من مؤلفاته الفكرية، مثل: "مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة"، و"جدل التنزيل: تاريخ وقضية خلق القرآن"، و"المباح واللامباح"، و"لا إسلام بلا مذاهب وطُروس أُخر من التراث"، و"أثر السود في الحضارة الإسلامية"، و"بعد إذن الفقيه: الحرام والحلال في أمر النساء والطفولة والكتابة والطعام"، و"رسالة في العلمانية والخلافة"، و"العقاب والغلو في الفقه والتراث الإسلامي"، و"صرعى العقائد: المقتولون بسبب ديني قديماً وحديثاً"، وغيرها؛ إضافة لمئات المقالات الفكرية والبحثية المختلفة.
تسامح وتواصل
ينادي الخيون بالتسامح والتواصل مع الآخر، ويعتبر التسامح ضرورة حتمية، خصوصاً مع تزايد الكراهية التي تهدد الأوطان تحت شعارات الأممية الدينية والمذهبية؛ ويرفض الطائفية والمذهبية والدولة الدينية، ويرى أنها مفاهيم يرتكز عليها المتشددون ودعاة التطرف، ويصف الطائفية بأنها "أم الخبائث" ولا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد، ويشدد على رفضه للدولة الدينية، ويدعو إلى المواطنة بديلاً عنها، ويرى أن الدولة الدينية لم تتحقق في التاريخ الإسلامي، ويسعى إلى أن تسود روح التسامح وتجاوز التعصب في المجتمعات العربية.
ويذهب الخيون إلى أن التاريخ له دور محوري في فهم القضايا المعاصرة، ويجعل للتاريخ دوراً رئيساً هو "الاستنجاد في القضايا المُعاصرة"، خاصة أنه يرى أن "الزمن والتطور لا يسيران دوماً إلى الأمام"، وأن هناك دروساً تاريخية يمكن استلهامها لتجاوز تحديات الحاضر. ويؤكد أن حوادث التاريخ تتكرر بشخوص أخرى، لأن المجتمعات العربية "لم تستلهم دروس التاريخ"، ويذهب إلى أن تكرار الأخطاء سببه عدم القدرة على استخلاص العبر الحقيقية من الماضي؛ وطالما أن المجتمعات العربية غير قادرة على مغادرة التاريخ، فعليها الاستفادة من أحداثه، عبر قراءته نقدياً وتحليلياً، حتى يمكن فهم جذور الإشكاليات الحالية، ويرفض الدعوات التي تطالب بالعودة إلى الماضي أو التمسك به بشكل جامد.
إشكاليات التراث
يدعو الخيون إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي نقدياً وتحليلياً بعيداً عن التقديس والتعصب، ويسعى إلى إظهار ما وصفه بـ"التراث المحجوب" الذي ظهرت فيه العقلانية والتسامح الديني، إلا أنه أُخفي وأُهمل عبر التاريخ، مثل التفسيرات المتسامحة والمرنة للنصوص الدينية، والنماذج التاريخية للعقلانية والاجتهاد، وتعطيل بعض الممارسات الفقهية بسبب الحاجات المجتمعية. ويرى أن التراث أشمل وأوسع من التاريخ، والتاريخ يدخل ضمن التراث؛ ويضرب مثلاً بكتب الجاحظ الذي عاش بين القرنين الثاني والثالث الهجريين، وكتب أبي حيان التوحيدي الذي عاش في القرن الرابع الهجري، فيرى أن كتبهما كتب تراثية ولا يمكن اعتبارها تاريخاً.
ويُهاجم الخيون الحركات الإسلامية وما يُوصف بالصحوة الإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين، ويرى أنها "ارتداد غير معلن إلى كهف من التراث المشلول، حيث يتوقف الزمن ويمنع العقل من الحركة"؛ ويرى أن الحركات الإسلامية قرأت التراث بعين التقديس وكأصل لا يمكن الاقتراب منه، واختزلته في روايات فقهية متشددة و"أحكام حدية قاسية"، ورفضت التنوع الفكري ولم تقرأ التراث بعين نقدية.
ويدعو إلى الانفتاح مع النص القرآني، باعتباره نزل لمصالح الناس وفي سياقات تاريخية محددة، مع وجود أسباب للنزول، ما يحرر الفهم من الجمود؛ ويشدد على أن كل مشروع نهضوي يتطلب تجاوز الماضي لا إنكاره، ويرفض الفكر الأيديولوجي المتشدد الذي يرى النص عقوبة وسلطة لا ميثاق رحمة، ويختزل الدين في شعارات ظاهرية، وفقاً لقوله.
إصلاح الخطاب
يؤكد الخيون أن الأزمة ليست في التراث بحد ذاته، بل في طريقة التعامل معه وقراءته؛ لذلك، يسعى إلى استخدام منهج نقدي تحليلي يركز على سياقات النصوص التاريخية وأسباب نزولها، وذلك حتى يُمكن إحياء روح الاجتهاد والعقلانية في الفكر الإسلامي، ما يفتح المجال لفهم منفتح يتناسب مع مصالح الناس في كل زمان ومكان. ويرى أن التجديد في قراءة التراث "أساس إصلاح الخطاب الديني"، وتحريره من الأيديولوجيا المتشددة التي أدت إلى العنف والتكفير وتجاهل أن الدين رحمة وتسامح وليس أداة قمع وسيطرة؛ ويؤكد على أهمية الحوار الداخلي والحوار مع الآخر، لا سيما في عصر العولمة التي قاربت بين الشعوب وبين الثقافات والحضارات المختلفة، حسب قوله.
ويرى الخيون أن المعتزلة في الفكر الإسلامي مثلوا "نموذجاً تاريخياً للعقلانية والتنوير"، لأنهم "قدموا العقل على ما سواه"، وجعلوه أولوية في الفكر، وركزوا على تحرير العقل من قيود النصوص الجامدة. ويذهب إلى أن المعتزلة قدمت العديد من المقولات الأكثر تقدماً من الواقع الحالي؛ ويرى أن فرقة المعتزلة لو تمكنت من الاستمرار لكان تطور العلوم والاختراعات عند العرب أسرع بكثير، ويوضح أن ما ذهب إليه المعتزلة كان محاولة لاستعادة "روح الاجتهاد"، و"حرية المكلف" التي فُقدت في عصور لاحقة، حسب قوله.
تسييس الدين
يدرس الخيون العلاقة بين الدين والسياسة وفق منظور تاريخي نقدي، يعيد النظر في التاريخ الإسلامي وصولاً إلى الحركات الإسلامية المعاصرة. ويرى أن الدولتين الأموية والعباسية استخدمتا الدين كأداة سياسية، وتجاهلا دوره كعقيدة روحية؛ فالأمويون والعباسيون استخدموا الخطاب الديني بطرق مختلفة لخدمة أغراضهما السياسية، الأمر ذاته الذي تمارسه الحركات الإسلامية المُعاصرة. ويؤكد أنه لا وجود للدولة الدينية في الإسلام، وأن خلط الدين بالسياسة خلق حالة من تقديس الممارسة السياسية عند الإسلاميين، فأصبح أي نقد للممارسات السياسية لهذه التيارات الإسلامية نقداً للدين نفسه، الأمر الذي يقف حائلاً ضد التطور ويبرر العنف.
ويتفق الخيون مع الشيخ الأزهري علي عبدالرازق (1888 - 1966م)، الذي ذهب في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" إلى أن الخلافة ليست من أصول الدين، وربطها بالدين تسييس للدين؛ لذلك، يرفض ما تسعى إليه الحركات الإسلامية المُعاصرة من بناء "دولة إسلامية"، إذ يرى أن الهدف منها فرض السيطرة وإلغاء العقل ومحاربة المدنية والتفكير العلماني.
يؤكد الخيون أن مفهوم المواطنة والدولة المدنية الحديثة يمثلان حلاً جذرياً للمجتمعات العربية، لا سيما التي تواجه صراعات داخلية أو طائفية؛ فالمواطنة إطار ينظم المجتمع بكل بكل فئاته وأطيافه المذهبية والعرقية. ويشدد على أن الدولة المدنية بديل ضروري قادر على حل إشكاليات الطائفية والمذهبية والعرقية التي تواجه العالم العربي؛ "فالدولة المدنية توجه المجتمعات إلى التسامح والإصلاح". ويطالب بالعلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة، ويرى أن "العلمانية لا تتعارض مع الإسلام كدين أو تراث"، فالدول الإسلامية التي طبقت العلمانية ظلت مسلمة، ما يراه دليلاً على إمكانية بناء دولة مدنية مع الحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع.
وختاماً، يشدد المفكر العراقي رشيد الخيون على أهمية العقل، ويطلق عبارته الشهيرة "لا إمام سوى العقل"، ويدعو إلى تحريره من سيطرة الأيديولوجيا بأنواعها؛ ويرى في أن هذا التحرر العقلي أساس أي نهضة حقيقية. إضافة إلى دعوته إلى بناء فكر عربي نقدي معاصر، قادر على مساءلة ذاته والتعامل مع التحديات المُعاصرة بمنهج عقلاني؛ ويدعو إلى التعايش والحوار مع الآخر، ويشدد على أهمية التسامح الديني خصوصاً في عصر العولمة الذي تتقارب فيه الشعوب وتختلط، ويدعو إلى "الحداثة المفيدة" التي تحقق مصالح وأهداف المجتمع العربي.