رؤية قرآنية:

النهضة العربية.. وإشكاليات الانشطار اللغوي

مركز حوار الثقافات

12-08-2025

القرآن الكريم لديه رؤية شاملة لفهم المتغيرات الدولية، حسب المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، في كتابه "رؤية قرآنية شاملة لفهم المتغيرات الدولية وشواغل الفكر بين الإسلام والعصر"، الذي يدعو فيه إلى استلهام المنهج القرآني في اعتماده على العقل والسنن الكونية في فهم المتغيرات المحيطة بالعالم العربي، ما يحقق رؤية إسلامية معاصرة. وهو يرفض ما وصفه بـ"الانشطار اللغوي" بين التيارات الفكرية، ما يهدد الهوية العربية ويعوق مشروعات النهضة، لا سيما أن العروبة والإسلام مفهومان متكاملان، إذا أضفنا إليهما مفهوم المعاصرة تحققت النهضة العربية. 

رؤية قرآنية

يحرص الأنصاري على تقديم رؤية قرآنية لعديد من القضايا، مثل المتغيرات العالمية والتحديات الفكرية التي يواجهها الفكر العربي، خاصة ثُنائية الأصالة والمعاصرة، ويركز على مفهوم الهوية العربية، ومشدداً على أن القرآن يطالب بمتابعة المتغيرات الدولية وعدم تجاهلها؛ ويستشهد بالآية الكريمة: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: 2]، فالقرآن يحُض على متابعة المتغيرات الدولية المُحيطة بالعالم الإسلامي، فيدعو إلى النظر للقرآن الكريم على أنه مرجعية روحية وعلى أنه أداة تحليلية لفهم الحضارات وسقوطها، ما يُحقق "معاصرة إسلامية" عبر فهم السنن الكونية والعقلانية في القرآن، وفقاً لقوله.

وينتقد الكاتب الخطاب العربي المعاصر، لأنه يعاني مما وصفه بـ"انشطار لغوي" في خطابه إلى لغتين مختلفتين: الأولى، تخص المفكرين الحداثيين؛ والثانية يستخدمها "التراثيون والدينيون". ويوضح أن ذلك بسبب اختلاف التكوين العقلي والتناول الثقافي، الأمر الذي أدى إلى "غياب مرجعية مشتركة في المفردات والمصطلحات والمفاهيم"، وإلى أزمة فكرية عميقة في العالم العربي واستقطاب وتنافر بين التيارات الفكرية، وجعل التفاهم بين الفريقين "الحداثيين والتراثيين" أمراً صعباً رغم انتمائهم لأمة واحدة، حسب قوله. ويطالب الأنصاري بإيجاد "نموذج لغوي مشترك بين الفريقين، يمكن من خلاله إيجاد فهم مشترك بينهما، ما يوجد أرضية فكرية مشتركة ويفتح الباب أمام التفكير الحر والاجتهاد العقلي والديني".

تحديات كبيرة

يذهب الكاتب إلى أن الهوية العربية والإسلامية تتعرض لتحديات كبيرة، أهمها محاولة تجاوز الهوية العربية إلى "هوية إقليمية أوسع"، قد تؤدي إلى ذوبان الهوية العربية لصالح الهويات الإقليمية، مثل بعض المشروعات التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي كمشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وهي مشروعات -وفق قوله- تسعى لترويج ثقافات بديلة تتعارض مع جوهر الهوية العربية، وتهدف إلى إحداث تأثيرات سلبية على الهوية العربية الإسلامية، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو الدولة؛ وهو أمر يرى أنه قد يؤدي إلى تفكك وارتباك في الهوية، خصوصاً في أبعادها الثقافية والفكرية والنفسية، فمحاولة التأثير في الهوية العربية يُمثل تجسيداً للصراع الحضاري؛ إذ تتحول الهوية إلى ساحة للصراع والتجاذُبات، حسب قوله.

العروبة والإسلام

يرفض الكاتب ما وصفه بـ"الصراع المزعوم بين العروبة والإسلام"، أو بين البُعد القومي والبعد الديني، ويرى أن المفهومين "العروبة والإسلام" متكاملان، لا كما يُشاع على أنهما مفهومان متناحران؛ إذ يرى أن العروبة وعاء حضاري وإطار تاريخي ولغوي وثقافي أصيل احتضن الإسلام منذ نشأته، وكان وسيلة لانتشاره وتجذره في العالم، فالعروبة ليست مجرد هوية عرقية، بل هي حاضنة حضارية للإسلام، قدمت له اللغة التي نزل بها (اللغة العربية)، والبيئة التي انطلق منها.

وفي المقابل، فإنه يرى الإسلام "جوهراً للعروبة"، وأنه مكون أساسي ومحوري للهوية العربية، التي تشكلت وتطورت بشكل لا ينفصل عن الإسلام الذي أثر في قيمها وثقافتها وتشريعاتها؛ فالإسلام ليس إضافة خارجية للعروبة، بل هو جزء لا يتجزأ من تركيبها الوجودي، والعلاقة بينهما هي علاقة "تكامل عضوي إذ يُغذي كل منهما الآخر"، حسب قوله.

ويُحذر الأنصاري من محاولات فك الارتباط بين العروبة الإسلام، لا سيما وأن الإسلام يمنح للعروبة "عمقاً روحياً وأخلاقياً وكونياً"، بينما توفر العروبة للإسلام "وعاءً ثقافياً وتاريخياً"؛ ويري أن أي محاولة لفك الارتباط العضوي والتكاملي بين العروبة والإسلام، أو محاولة إضعاف أي منهما، فإنه يؤثر بشكل سلبي في الآخر، ويُعزز الانقسامات الداخلية في المجتمعات العربية، ويُشتت الهوية ويُضعف القدرة على مواجهة التحديات العصرية، ما يؤثر سلباً في مشروعات النهضة والحداثة ويقف حجر عثرة أمام أي من مشروعات النهضة.

يرى الكاتب أن وجود توترات سابقة في العلاقة بين الإسلام والعروبة، مثل وضع مفهوم القومية العربية ضد القومية الإسلامية، كان سببه عدم الفهم لطبيعة العلاقة بين المكونين "العروبة والإسلام"، كما أنه تسبب في حدوث استقطابات ووجود وتيارات فكرية متصارعة، بينما التأكيد أن التكامل بين العروبة والإسلام يؤدي إلى توحيد الجهود الفكرية والثقافية والاجتماعية، ما يسهم في تحقيق مشروع نهضوي يراعي العروبة والإسلام، كبعدين وركيزتين أساسيتين لتحقيق النهضة.

مثلث النهضة

يشتق الأنصاري أحد أهم مفاهيمه النهضوية وهو "المثلث الحتمي للنهضة"، ويرى أنه يتمثل في محاور ثلاثة، هي: الإسلام والعروبة والعصر.. وإن أي نهضة لا يمكن أن تتحقق إلا بتلاقي "الأضلاع الثلاثة"، واندماجها عضوياً في مكون واحد، حتى يمكن إيجاد "إطار مفاهيمي وعلمي" يحقق التقدم للعالم العربي، لا سيما أن كل ضلع من أضلاع المثلث الحتمي للنهضة يمثل ركيزة أساسية للنهضة، وهو ما يشرحه كالتالي:

- الإسلام: ويرى أن المرجعية الروحية والأخلاقية والمفاهيم العقلية والسنن الكونية، هي ركيزة للنهضة تتجاوز الجانب الشعائري وتركز على البُعد الحضاري والفكري للإسلام.

- العروبة: ويوضح أن كونها وعاءً حضارياً ولغوياً وتاريخياً مشتركاً، يسهم في بناء النهضة، لا سيما أن العروبة "هوية جامعة توفر الأرضية الثقافية والاجتماعية للنهضة"، وليست مجرد عصبية أو قومية ضيقة.

- العصر: وهو العنصر الذي يعني مراعاة مقتضيات العصر، وأهمية التعاطي والتفاعل الإيجابي معها ومع تجليات المعاصرة، مثل التكنولوجيا والعلوم الحديثة والمناهج والتطورات الفكرية؛ وعبر هذا العنصر يرى أنه لا يجب الانكفاء على الذات أو العزلة أو رفض الحداثة، بل يجب الانفتاح والاستفادة من الآخر وعلومه الحديثة واستيعابها وتكييفها بما يخدم مشروع النهضة العربي.

ويشدد الكاتب على أهمية التوازن بين العناصر الثلاثة السابقة، وعدم التركيز على عنصر دون آخر، حتى يمكن تحقيق رؤية متوازنة وشاملة للنهضة، ما يُغير واقع المجتمعات العربية ويضمن نهضة حقيقية تُغير الواقع العربي وتضعه في ركب الحضارة، وتضمن استمرار النهضة وتحققها في المستقبل، الذي لا يقل أهمية عن الحاضر والواقع الحالي، حسب قوله.

وختاماً، فإن النهضة العربية يجب أن تتحقق عبر القضاء على الاستقطاب في العالم العربي، لإيجاد لغة مشتركة بين التيارات الفكرية، ولتوفير إطار جامع للحوار والتفاهم يُحقق ما وصفه الكاتب بـ"المثلث الحتمي للنهضة"، الذي يتمثل في اندماج عناصر الإسلام والعروبة والمعاصرة في مكون عضوي واحد، يُحقق التناغم والتفاعل في ما بينها؛ إذ لا يُمكن تحقيق النهضة العربية بالاعتماد على مكون واحد دون المكونات السابقة، لا سيما أن وحدة هذه المكونات "العروبة والإسلام والعصر"، تحقق انخراطاً حضارياً يضمن التقدم ويحقق الحداثة الحقيقية، بديلاً عن الحداثة السطحية المستوردة من الخارج، وبديلاً عن الانغلاق على الذات والإقصاء وتجاهل المعطيات العصرية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة