رؤية قرآنية:

الإسلام والعروبة والعصر.. مثلث للنهضة

مركز حوار الثقافات

21-01-2025

كتاب "رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية.. وشواغل الفكر بين الإسلام والعصر"، للمفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، رحمه الله، الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، عام 1997، هو من الأعمال التي تسعى إلى تقديم قراءة جديدة للعلاقات بين الإسلام والعروبة والواقع الدولي المتغير. في هذا الكتاب، يحاول الأنصاري إعادة صياغة العلاقة بين العروبة والإسلام من منظور مختلف عن الفهم التقليدي، ويطرح أفكاراً جديدة حول كيفية تعامل الأمة الإسلامية مع التحديات العالمية.

والملاحظ أن هذا الكتاب، الذي يجمع بين الطرح السجالي والطرح المعرفي لأبرز القضايا العربية والإسلامية، التي شغلت الرأي العام في اللحظة التاريخية التي أنهى بها القرن العشرين الفائت أيامه.. هذا الكتاب، يبدأ فيه المؤلف بتأطير فكري لمعاصرة إسلامية، تنطلق من رؤية قرآنية للمتغيرات العالمية لتصل إلى مفهوم الإسلام للعقل والسنن (القوانين) الكونية، التي تحكم الوجود والتاريخ، وتؤثر في مصائر الحضارات والأمم.

العروبة والإسلام

من هذه الرؤية القرآنية، ينتقل المؤلف إلى رصد بواكير الهجمة على الهوية العربية الإسلامية بصيغها المتباينة، ثم يتناول الصلة بين الإسلام والعروبة بمنظور مختلف، منتهياً برسم "المثلث الحتمي للنهضة"، الذي لا يمكن أن يكون إلا بأضلاعه الثلاثة الملتقية: الإسلام، العروبة، العصر، في مندمج عضوي واحد.

بعبارة أخرى، الأنصاري في هذا الكتاب يسعى إلى تقديم قراءة شاملة للمتغيرات الدولية وتأثيرها على الأمة الإسلامية من منظور قرآني؛ وهو هنا يعتمد على القرآن كنصّ مؤسس لتقديم رؤية مستقبلية لكيفية تعامل العالم العربي والإسلامي مع المتغيرات الدولية. بل ويطرح في هذا السياق أسئلة مهمة تتعلق بالعلاقة بين العروبة والإسلام، وما إذا كانت هناك ضرورة لإعادة النظر في هذه العلاقة بما ينسجم مع متطلبات العصر.

وينطلق الأنصاري من واقعية القرآن الكريم في النظر إلى الشؤون الطبيعية والكونية والإنسانية؛ حيث يرى أن هذه الواقعية تتمثل في التقرير القرآني بالتنوع والتعدد والاختلاف في واقع البشر، وذلك اعتماداً على تدبر قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾ [الروم: 22]. وبالرغم من هذا القانون الإلهي في اختلاف الألوان والألسن، فإن الله سبحانه، كما يؤكد الأنصاري، اختار من بين كل اللغات والألسنة "اللغة العربية لتكون الوعاء الأمين، الذي يحمل الحقيقة الإلهية الكونية القرآنية إلى الإنسانية كلها"؛ مُشيراً إلى أنه "لا بد أن ذلك تم لحكمة تتصل بطبيعة الرباط الوثيق بين الحقيقة القرآنية والحقيقة اللغوية العربية"، حسب تعبيره.

والواقع أن الأنصاري في هذا كان قد اعتمد على قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٭ قُرۡءَاناً عَرَبِياً غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 27-28]، ليصل إلى هذه النتيجة، التي مؤداها "لنتأمل في صفتي القرآن، هنا، والترابط بينهما، أي بين هاتين الصفتين: (عَرَبِياً غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ)..".

في هذا الإطار، يسعى الأنصاري إلى إعادة التفكير في العلاقة بين العروبة والإسلام، وهي العلاقة التي طالما كانت محط نقاش كبير في الفكر العربي والإسلامي. الأنصاري يقدم وجهة نظره بأن العروبة والإسلام ليستا مفهومين متعارضين، بل يمكن أن تكون العلاقة بينهما علاقة تكاملية، إذا تمت إعادة صياغتها بشكل ينسجم مع متطلبات العصر.

التأصيل القرآني

والأنصاري، في دعوته هذه، يستند إلى القرآن الكريم لتأسيس علاقة مختلفة بين العروبة والإسلام، مشيراً إلى أن القرآن يتضمن إشارات إلى أن الإسلام جاء ليخدم البشرية جمعاء، وليس حكراً على أمة أو شعب معين. ومن هذا المنطلق يعتقد الأنصاري أن الإسلام يتجاوز الحدود العرقية والجغرافية، لكنه في الوقت ذاته يعزز دور العروبة كحامل للغة القرآن الكريم.

لذلك ينتقد الأنصاري الفهم التقليدي الذي يرى أن العروبة والإسلام في حالة صراع أو تناقض؛ ويرى أن هذا الفهم قد أدى إلى تقسيم الأمة العربية والإسلامية، بما جعلها غير قادرة على التعامل مع التحديات الحديثة. ويعتبر أن هذا الفهم ضيق الأفق، ويتطلب إعادة النظر فيه في ظل التحولات العالمية. ومن ثم، يرى الأنصاري أن العروبة والإسلام يجب أن يُنظر إليهما كعناصر متكاملة تعزز بعضها البعض؛ فبينما تمثل العروبة الإطار الثقافي واللغوي للأمة العربية، يقدم الإسلام الأساس الروحي والقيمي لها. وبهذا يدعو الأنصاري إلى بناء رؤية جديدة تقوم على فهم مشترك لهذين العنصرين وليس على الفصل بينهما.

ويدعو الأنصاري إلى تحديث الفكر العربي والإسلامي بما ينسجم مع المتغيرات الدولية؛ حيث يرى أن العلاقة بين العروبة والإسلام يجب أن تقوم على أساس علمي وعقلاني، يأخذ في الاعتبار التحديات التي يواجهها العالم العربي في ظل العولمة والتطور التكنولوجي.

مثلث النهضة

يؤكد الأنصاري أن "كلمة السر في النهضة تتلخص في: الإسلام، العروبة، العصر في مندمج عضوي واحد؛ وإذا سقطت أية كلمة من هذه الكلمات الثلاث، سقطت الصيغة كلها كمشروع لإنقاذ الأمة في لحظتها التاريخية الراهنة"، بحسب قوله. بل ويزيد التأكيد تأكيداً بأن "هذا هو الخيار الوحيد المتبقي –بعد أن أخفقت محاولة الرد التقليدي المتحجر والرد العصراني المتغرب- فلم تبقَ إلا صيغة الأصالة المستنيرة والمتطورة، في نطاق المثلث الحتمي للنهضة، بأضلاعه الثلاثة". 

ويقدم الأنصاري تحليلاً لأهم العوامل التي يعتقد أنها تشكل أساس النهضة العربية والإسلامية؛ حيث يرى أن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال فهم متكامل يجمع بين الإسلام والعروبة والاستفادة من معطيات العصر الحديث.

فالإسلام، في رؤية الأنصاري، هو العنصر الأساسي للنهضة؛ من حيث إنه يشكل الأساس الروحي والقيمي الذي يجب أن تقوم عليه هذه النهضة. ومن هنا، فالإسلام ليس مجرد دين، بل هو أيضاً منظومة قيمية وأخلاقية يمكن أن تُسهم في تطوير المجتمعات العربية والإسلامية. لكن الأنصاري يشير في الوقت نفسه إلى أن هذه القيم تحتاج إلى إعادة تفسير في ضوء الواقع الحالي بما يشتمل عليه من تحديات متعددة.

أما العروبة، فيراها الأنصاري كإطار ثقافي للنهضة؛ فهو يرى أن العروبة هي الإطار الثقافي الذي يمكن أن يوحد المجتمعات العربية؛ فاللغة العربية والتراث الثقافي العربي يشكلان، في نظره، العناصر المشتركة التي يمكن أن تساهم في تعزيز الهوية الجماعية وتحقيق النهضة. ومن ثم، يدعو إلى تعزيز هذا الإطار الثقافي من خلال التفاعل مع الإسلام بطريقة إيجابية.

ثم يأتي العصر كعنصر محوري في رؤية الأنصاري للنهضة؛ فالعصر الحديث بما يحمله من تحديات ومتغيرات دولية هو العنصر الثالث في المثلث الحتمي للنهضة عند الأنصاري؛ فهو يعتقد أن التفاعل مع العصر يتطلب من الأمة العربية والإسلامية أن تتبنى الحداثة والتكنولوجيا والعلم كأدوات للتقدم. وفي هذا السياق، يدعو الأنصاري إلى الانفتاح على الفكر الحديث والاستفادة من التجارب الدولية في مجالات الاقتصاد والسياسة والتعليم.

أما في ما يتعلق بالعلاقة التفاعلية بين العناصر الثلاثة للنهضة، فيُشير الأنصاري إلى أن أي مشروع نهضوي يجب أن يكون مبنياً على التوازن بين هذه العناصر الثلاثة: الإسلام والعروبة والعصر؛ مؤكداً أنه بدون هذا التوازن ستكون النهضة غير مكتملة. 

وختاماً، يُعد كتاب "رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية" من الأعمال الفكرية التي تسعى إلى تقديم رؤية جديدة للعلاقة بين الإسلام والعروبة والعصر الحديث. محمد جابر الأنصاري، في هذا الكتاب، يحاول بناء مشروع نهضوي يعتمد على التفاعل بين عناصر ثلاثة، هي الإسلام والعروبة والعصر؛ مستنداً في ذلك إلى النصوص القرآنية لتبرير التفاعل والتوازن في ما بينها.

ولذا، يحق للأنصاري أن ينتقد التيارات التي تحاول إقصاء أحد هذه العناصر من المشروع النهضوي العربي والإسلامي، سواء كانت التيارات الدينية المتشددة التي ترفض العصر، أو التيارات العلمانية التي ترفض الإسلام، أو القوميين الذين يرفضون الدين كعامل مركزي.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة