دين ضد الدين:

الشِّرك الاجتماعي والتغيير المنشود

مركز حوار الثقافات

24-11-2024

"قد يبدو هذا العنوان غامضاً، وهذا الغموض ناجم عن قناعة هامة لدينا بأن الدين كان دائماً ضد الكُفر، وأن المعركة استمرت تاريخياً بين الدين واللا دين، فيكون التعبير بـ(الدين ضد الدين) منطوياً على قدر من الغموض والغرابة والاستنكار، بينما قد توصلتُ أخيراً، وربما من قبلُ ولكن ليس بهذا المستوى من الوضوح، إلى أن الحقائق التاريخية تؤيد عكس التصور الآنف الذكر، وأن الدين لم يكن يواجَه إلا بالدين، خلافاً للتصور الساذج الذي نحمله اليوم".

هكذا، يبدأ علي شريعتي، المفكر الاجتماعي الإسلامي الإيراني، كتابه "دين ضد الدين"، الصادرة طبعته الأولى عام 2007.

فكرة التاريخ 

يوضح شريعتي هذه الفكرة بأن التاريخ، الذي يعنيه، ليس بداية الحياة المدنية واختراع الكتابة، بل هو بداية الحياة الاجتماعية للنوع الإنساني على وجه الأرض، التي تعود إلى أربعين أو خمسين ألف سنة، وتشير دائماً إلى أن الدين هو العدو اللدود للدين السائد؛ إذ لم تخلُ المجتمعات البشرية في جميع مراحلها من دين قط، وأن التاريخ لم يحدثنا عن مجتمع عاش دون دين في أي مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي، وفي أي نقطة على وجه الأرض. 

فالمحور الذي يقوم عليه مجتمع ما هو إيمانه الديني ومعتقداته المذهبية، حتى إن المظهر الخارجي للمدن يعكس حقيقة الوضع الروحي للمجتمع الموجود فيها، وإنه لا بد من افتراض مبرر ديني وعقَدي أو نشوء كيان حضاري؛ إذ إن المجتمعات الإنسانية القديمة كانت تأتلف على أساس عنصر مشترك، هو "روح الدين"، الموجودة في ضمير الإنسان القديم مهما كان نوع هذا المجتمع.

ويقول شريعتي في كتابه: "المعنى الذي نفهمه اليوم عن الكفر بمعنى (اللا دين)، هو معنى مستحدث وطارئ، ويعود إلى القرنين أو الثلاثة قرون الأخيرة، وهو معنى صدَّره الغرب إلى الشرق باعتباره بضاعة فكرية، في ضوئها أصبح الكفر هو عدم الاعتقاد في الله، وبكل ما وراء الطبيعة والعالم الآخر، بينما تاريخ الإسلام وجميع المذاهب والأديان يوضح أن حالة كتلك لم يكن لها وجود أصلاً.

وعليه، فالكفر هو نوع من الدين، يطلقه أهل الأديان عادة على مَن لا يدين بديانتهم، ولهذا قد تتقابل الإطلاقات بين أهل ديانتين فيعتبر كل منهما الفريق الآخر كافراً".

ويستنتج شريعتي أنه متى ما ظهرت دعوة دينية وُجدت قضيتان أساسيتان: الأولى، أن هذه الدعوة الدينية تظهر رغم وجود الديانة السابقة، بل لمواجهتها؛ والثانية، أن الديانة القديمة وأهلها سوف يكونون أول من يشنُّ الحرب ويعلن المواجهة ضد القادم الجديد.

الكفر والإسلام

يقول شريعتي في كتابه: "يأمر الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول للكافرين الذين ناهضوا الإسلام بمعناه الأعم، وحاربوا إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٭ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1-2]. إذاً الخطاب موجَّه للكافرين لا الزنادقة، المسألة ليست صراعاً بين العبودية والزندقة، وإنما الصراع بين العبودية والعبودية، وإن الذين ناوؤوا نبي الإسلام لم يكونوا من الذين لا يؤمنون بوجود إله، بل كان عددهم أكثر بكثير من إله الإسلام الواحد، ومعنى هذا أن الصراع على طول التاريخ هو صراع بين الدين والدين، وليس بين الدين والزندقة"، حسب شريعتي.

يوضح الكاتب فيقول إن "دين الكُفر" قد هيمن على التاريخ، وإن الأنبياء الذين نعتقد بحقانيتهم قد ظهروا على شكل نهضة وثورة وتمرد على الدين الحاكم، إلا أن جبر التاريخ الذي كان في أيدي الكافرين، الذي كان يبرر الوضع الجائر الموجود، كان يفرض استمرار حكومة الكفر وبقاءها؛ وبما أن السُّلطة، سواء كانت السلطة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، كانت بأيديهم دائماً، لذا لم يستطع دين الحق أن يتجسد بشكل واقعي في أي مجتمع منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا.

دين الحق

هو دين الناس من زاوية المخاطَب، وهو دين الله من حيث محور الدعوة وروحها ووجهتها، الدين الذي وقف دائماً في وجه الدين الموجود، هو الدين الذي كان محور خطاب "الناس" وكانت دعوته دعوة إلى "الله" هو دين الله والناس.

يقول شريعتي: "إن القرآن يبتدئ بكلمة (الله) ويختتم بكلمة (الناس)، ونرى أيضاً أن مخاطبي هذا الكتاب هم الناس دائماً"؛ ويرى شريعتي أن مالكية الله تعني مالكية الناس؛ لأن الله والناس في صف واحد، "الناس عيال الله"، حسب قوله، ومن المسلّم به أن يكون المعيل والعيال في صف واحد.

ويقف مقابل "عيال الله" الملأ والمترفون وأولئك الذين تسلطوا على رقاب الناس، وسيطروا على ثرواتهم وسلبوا منهم حق تقرير مصيرهم الاجتماعي والاقتصادي. 

وقد كان هؤلاء الملأ والمترفون أصحاب دين، ولم يكونوا ماديين أو وجوديين أو زنادقة، كانوا يعبدون الله، أو الآلهة، حسب الكاتب.

الشِّرك الاجتماعي

يقول شريعتي إن الشِّرك يعني تبرير الوضع الموجود، ويسميه بـ"الشرك الاجتماعي"، وهو ما يعني وجود أصنام متعددة بعدد الطبقات والفئات والأعراق والقبائل، وعبادة هذه الأصنام تعني الاعتقاد بأصالة هذه الشعوب والطبقات والفئات المتنوعة، وضمان حقوقها وامتيازاتها الخاصة، بينما يصرح دين التوحيد أو دين الحق بأنه لا إله إلا الله ولا خالق ولا معبود سواه، وأن الرب والخالق هما مفهوم واحد.

ويضيف بأن جبابرة الخلق، كفرعون ونمرود، لم يدّعوا الخلق وإنما كانوا يدّعون أنهم أرباب الناس، ولما كان فرعون يقول ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [النازعات: 24]، فإنه يقصد بأنه صاحبكم ومالككم وليس خالقكم وبارئكم.

ودين الكُفر، أو الشِّرك هنا، هدفه تحقيق مختلف أنواع الهيمنة وزرع بذور الاختلاف والفرقة بين أفراد البشر، حسب شريعتي، بغية تصنيف المجتمع إلى طبقات عديدة وفئات متضاربة بين حاكم ومحكوم، ومتخم ومحروم، وإنه تبرير وتكريس لكل الأوضاع الظالمة، من فروق طبقية وظلم اجتماعي واستغلال وجشع اقتصادي واستخدام جائر للناس.

التغيير المنشود 

إن دين الحق عند شريعتي "جاء ليواجه التمييز الطبقي والعرقي والاجتماعي بكل أشكاله وأنواعه"؛ لأن الأنظمة الطبقية والعنصرية والعِرقية تستولي على كل شيء، حتى على مقدسات الإنسان وأفكاره الدينية.

ويتابع بأن دين الحق هو نهضة كفاح ونضال ضد الواقع المهيمن، أو كما نقل شريعتي عن الفردوسي: "لو أتى الإسلام لسَاوى بين السيد والعبد، ولخلط الأعراق ولضيّع فضيلة الحسب والنسب؛ لأن الحسب والنسب لا يمكن أن يكونا مُلّاكاً للفضيلة في الإسلام، ويحق للعبد والسيد على حد سواء أن يتصدى لمسؤولية القيادة والحكم في المجتمع الإسلامي، ويقف دين الحق ضد هذا الدين التخديري التبريري الماكر، الذي سلب من الناس شعورهم بالمسؤولية، وبرر الظلم في المجتمعات عبر التاريخ".

وختاماً، يقول شريعتي إنَّ "دين التوحيد هو دين الأنبياء الرعاة، الأنبياء العمال، الأنبياء الذين عجن الحرمان والجوع طينتهم، أولئك الذين وصفهم نبينا عليه الصلاة والسلام بأنهم كانوا جميعاً من الرعاة، وقد وقف دين هؤلاء الأنبياء دائماً ضد دين الطبقة المسيطرة".

ويؤكد أن دين عبادة الطاغوت الذي كان يتمتع بكل شيء طوال التاريخ، كان بدوره آلة في يد الطبقة الحاكمة أو المسيطرة، لاستثمار الطبقات المسحوقة وقمعها وإقناعها وتبرير وضعها الجائر؛ ومن ثم، يختتم بالتساؤل: "أليس من الإجحاف والجهل المطلق أن نحكم على الدين الحق، الذي ينظر إلى الناس وحياة الناس، بنفس الحكم الذي نحكم به على الدين المسبِّب والمبرر للظلم والجوع؟".

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة