يُعيد المفكر السوري خلدون النبواني (1975م)، تعريف مفاهيم الحداثة والتراث والنقد، كأدوات قادرة على فهم الواقع العربي الحالي؛ وينطلق في مشروعه الفكري من تجاوز الثنائيات التقليدية التي هيمنت على الفكر العربي المعاصر، الذي يعاني من أزمة فكرية بسبب ثنائيات الهوية والمعاصرة، والحداثة والأصالة، والذات والآخر، وغيرها.
النبواني، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون الفرنسية، ويشغل منصب أستاذ الفلسفة وعضوية معهد العلوم التشريعية والقانونية بالجامعة نفسها، يرى أن الفشل في إيجاد معادلة ناجحة للتوفيق بين الإرث الثقافي والتحديات المعاصرة هو السبب في تعثُّر المشروع الحداثي العربي. وقد ضع مشروعه الفكري في عديد من المؤلفات، مثل: "في بعض مفارقات الحداثة وما بعدها"، و"الغريب: تأملات وحوارات"، و"الحداثة المحافظة: قراءات نقدية في أفكار هابرماس"، و"تناقض الحداثة: هابرماس في مواجهة دريدا".
التفكيك البنَّاء
يتعامل النبواني مع التراث العربي الإسلامي بمنهجية نقدية لا تقبل الانبهار والقداسة، أو الرفض المطلق؛ ويسعى إلى فهم التراث في سياقه التاريخي، مع استنطاق جوانبه الإيجابية لمواجهة التحديات المعاصرة. ويرى أن تجربة الفكر العربي المعاصر اتسمت برهانين متناقضين: الرهان على التراث كحل، أو الرهان على الحداثة كحل، دون أن يجتهد الفكر العربي في إيجاد "معادلة ناجحة بينهما". وهو يرفض الثنائية التقليدية التي تضع التراث في مواجهة الحداثة، مؤكداً على ضرورة قراءة التراث من خلال أدوات الحداثة النقدية، وقراءة الحداثة من خلال خصوصية السياق الثقافي العربي.
كما يدعو إلى "التفكيك البناء" للتراث، عبر تفكيك النصوص والمؤسسات الثقافية التقليدية لفهمها في سياقاتها التاريخية، لإعادة بنائها في سياق المعاصرة؛ ويشدد على ضرورة فهم التراث العربي الإسلامي كعملية تاريخية ديناميكية شهدت تنوعاً فكرياً، قبل أن تطغى عليها النزعات المحافظة. كما يرفض التعامل مع التراث على أنه مجموعة من المقولات الجاهزة.
الممارسة النقدية
يُولي النبواني أهمية للنقد كممارسة معرفية وأخلاقية، لا كأداة لتدمير القيم؛ ويشدد على أن النقد وسيلة لتنقية القيم وتطويرها. ويرى أن النقد الحقيقي يجب أن يكون نقداً لنفسه أولاً، يعي ويعترف بحدوده وموقعه التاريخي والثقافي؛ وهو يستلهم رؤية الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس" (1929م)، الذي يراه نموذجاً للنقد التنويري الذي يحافظ على قيم العقل والحرية.. وأيضاً، رؤية الفيلسوف الفرنسي "جاك دريدا" (1930-2004م)، الذي يعتبره نموذجاً للنقد الجذري الذي يكشف التناقضات الخفية في الخطابات المهيمنة. كما يشدد على أن النقد يجب أن يتجاوز دوره في التفكيك، ليصبح أداة للبناء والإصلاح، بشرط عدم الوقوع في فخ الأيديولوجيا.
يُقدر النبواني الفلسفة الغربية، خصوصاً في مرحلتيها الحديثة والمعاصرة، فهي قدمت إسهامات قيمة في فهم الإنسان والمجتمع، وينتقد أنها لم تكن خالية من التحيزات الأوروبية المركزية، ويرفض وصفها بأنها فلسفة إنسانية مطلقة، بينما هي في حقيقتها تعبير عن تجربة تاريخية محددة.
ويعرف النبواني الأيديولوجيا بأنها "خطاب يُقدس ذاته، ويُطلق على نفسه صفة العالمية والنهائية"، بينما هو في حقيقته خطاب موضعي ومصلحي، وينتقد الأيديولوجيات السياسية والدينية التي تدعي "احتكار الحقيقة" وتقديم حلول للإشكاليات المعقدة؛ وفي المقابل، فإنه ينتقد الأيديولوجيا الغربية التي تؤدي إلى ظاهرة "الحروب العادلة" التي يبررها الخطاب الغربي، ويعتبرها نموذجاً للأيديولوجيا التي تلبس ثوب الأخلاق لكنها تخفي مصالح الهيمنة، كما ينتقد الأيديولوجيات العربية المعاصرة، كاليسارية القومية والإسلامية، ويؤكد أن إخفاقها يكمن في تحويل المبادئ إلى أيديولوجيات مغلقة لا تقبل الحوار والتطور.
ويرفض بشدة خطاب تيارات الإسلام السياسي التي تختزل الدين في الأيديولوجيا السياسية، فتحول الدين إلى أداة للهيمنة بدلاً من أن يكون رسالة للتحرير، ويوضح أن الإسلام السياسي يعاني من تناقض داخلي؛ إذ يدعو إلى العودة إلى النصوص بينما يتجاهل السياقات التاريخية التي نزلت فيها هذه النصوص، ويتحدث عن الشورى بينما يمارس الاستبداد ويكرس له، ويتحدث عن العدالة بينما يبرر الظلم باسم الدفاع عن الهوية.
الهوية والأصالة
يتعامل النبواني مع مسألة الهوية كعملية ديناميكية لا ككيان ثابت جامد، ويرفض الثنائية التقليدية بين الأصالة والمعاصرة التي تعتبر أن الهوية الأصيلة تتناقض مع الحداثة، ويؤكد أن الأصالة الحقيقية تكمن في "القدرة على التجديد والتكيف مع التحديات الجديدة"؛ ويوضح أن الهوية العربية الإسلامية لا تُهدد بالاندثار عند اعتماد قيم الحداثة، بل تُثري وتتطور، شرط أن تكون هذه الحداثة نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج.
وينتقد استخدام مفهوم "الأصالة" كذريعة للعزلة والرفض، ويدعو إلى فهم الأصالة كقدرة على الإبداع والاستجابة للتحديات المعاصرة، مع الحفاظ على الروح الأساسية للهوية؛ فالحداثة الغربية نفسها مرت بعمليات تأصيل مستمرة، فلم تكن الحداثة الفرنسية أو الألمانية أو البريطانية متطابقة، بل تطور كل منها وفقاً لخصوصياتها الثقافية، ما يفتح الباب أمام إمكانية إيجاد حداثة عربية تحمل خصوصية الثقافة العربية الإسلامية؛ لا حداثة مستوردة تُكرر النموذج الغربي في سياق مختلف. ويؤكد أن التحدي الحقيقي أمام الحداثة العربية يتمثل في إيجاد معادلة جديدة تجعل من الأصالة شرطاً للإبداع المعاصر، ومن المعاصرة وسيلة لاستعادة الأصالة الحقيقية التي ترفض الجمود.
ويهتم النبواني بمفهوم التجديد بشكل عام، ويعتبره شرطاً لبقاء أي ثقافة أو حضارة؛ فالتجديد عملية جذرية لإعادة قراءة المبادئ الأساسية في ضوء التحديات المعاصرة، ويرفض "التحديث الشكلي"، وينادي بالتجديد الديني، فينتقد الخطاب التقليدي الذي يتعامل مع النصوص الدينية كأنها خارج التاريخ. كما يؤكد على ضرورة فهم هذه النصوص في سياقاتها التاريخية، مع استنطاق قيمها الجوهرية لمواجهة الواقع المعاصر؛ ويشير إلى أن تجديد الفكر الديني الإسلامي يُعد أحد التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية في المرحلة الراهنة.
ويرى أن التجديد الديني الناجح لا يجب أن يُفرض من الخارج؛ بل يجب أن ينبع من داخل المنظومة الفكرية الإسلامية نفسها، ويدعو إلى تبني منهجية تاريخية نقدية في قراءة التراث الإسلامي، تتعامل مع النصوص كوثائق تاريخية تحمل رسائل أخلاقية وقيمية عالمية، لا كقوائم تفصيلية من التشريعات الجاهزة. فالتجديد الديني الحقيقي يجب أن يركز على جوهر الدين كرسالة إنسانية للحرية والعدل والرحمة، ويؤكد أن التجديد الديني الحقيقي يجب أن يبدأ بالتجديد الفكري والأخلاقي.
الحداثة العربية
يُميز النبواني بين الحداثة التي يرى أنها قيمة كونية إنسانية للحرية والعدالة والمعرفة والكرامة، لا تخص ثقافة دون أخرى؛ وبين الحداثة الغربية التي يذهب إلى أنها ارتبطت بسياق تاريخي محدد وتجربة تنموية معينة، تضمنت في كثير من جوانبها مشروع هيمنة ثقافية وسياسية واقتصادية. ويؤكد على أن الحداثة الحقيقية عملية تحرير للطاقات الكامنة في كل ثقافة، لمواجهة التحديات المعاصرة، ولا يجب أن تكون نسخة من النموذج الغربي، وينتقد ما يصفه بـ"المشروع التغريبي" العربي الذي يريد محاكاة النموذج الغربي دون مراعاة الخصوصيات الثقافية، كما ينتقد المشروع المحافظ الذي يرفض الحداثة جملة وتفصيلاً.
ويوضح أن تحقيق الحداثة في العالم العربي يتطلب شروطاً أساسية، أو بالأحرى يستند إلى أسسٍ، منها:
- تطوير العقل النقدي الذي يقبل بتنوع الآراء ويحترم الآخر؛ وإعادة قراءة التراث من خلال قراءة نقدية تاريخية، لاستنباط القيم التي يمكن أن تغذي المشروع الحداثي العربي.
- احترام الحريات وحقوق الإنسان وحماية الحريات الفردية والجماعية؛ وتحقيق العدالة الاجتماعية كشرط مسبق لأي حداثة حقيقية.
- تطوير التعليم، كأداة أساسية لتحرير الوعي وبناء المواطن المشارك؛ والاعتراف بالتنوع الثقافي والديني كثراء وليس كتهديد.
يقول النبواني، إن استيفاء هذه الشروط قادر على تحقيق حضارة عربية خاصة، تتوافق مع السياق العربي والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية، ما يؤدي إلى تجاوز القديم، ويحقق الانطلاق نحو أفق جديد يسمح بالتغيير والتطور والتقدم.
وختاماً، فإن المشروع الفكري للمفكر السوري خلدون النبواني، يهدف إلى تقديم رؤية لإعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر في الفكر العربي المعاصر، عبر تجاوز الثنائيات التقليدية، وتأكيد الخصوصية الثقافية والتطلع إلى قيم الحداثة الإنسانية الكونية، ويؤكد أن الحداثة لن تتحقق إلا عبر نقد التراث العربي الإسلامي لاستخلاص قيمه الجوهرية الإيجابية والتحرر من ترسبات الماضي، ونقد الحداثة الغربية لتجنب أخطائها.