خالص جلبي:

التنوير وثلاثية النقد والعلم والإيمان 

مركز حوار الثقافات

04-12-2024

في مشروعه الحضاري يركز المفكر السوري، الحاصل على الجنسية الكندية، خالص جلبي (1945م)، على ثلاثية النقد العقلي والمواءمة بين الحالة الإيمانية والحالة العلمية، واعتماد السلمية ونبذ العنف في محاولات التغيير الاجتماعية والفكرية والثقافية والحضارية.
 "جلبي"، المتخرج في كلية الطب ثم كلية الشريعة الإسلامية، استطاع عبر مشروعه التنويري رصد عيوب العقلية الإسلامية والعربية، بتحليله العقل الإسلامي والعربي. 

من أهم تلك العيوب التي رصدها، التمسك بالأيديولوجيا الفكرية والجمود على الأفكار القديمة، وغياب العلم وتقديس التراث والسلف، والاعتقاد السائد بثبات الأحكام رغم التطور التاريخي والتغيرات الاجتماعية، وينطلق في هذا الرصد من اعتقاده بأن معرفة العيوب والآفات بداية الطريق نحو تفاديها وإصلاحها وتأسيس مشروع حضاري.

عرض "جلبي" مشروعه الفكري في العديد من كتبه مثل، "ظاهرة المحنة - محاولة لدراسة سننية"، و"في النقد الذاتي - ضرورة النقد الذاتي للحركات الإسلامية، و"عندما بزغت الشمس مرتين"، و"مخطط الانحدار وإعادة البناء"، و"سيكولوجية العنف واستراتيجية العمل السلمي"، و"أبحاث في العلم والسلم"، و"جدلية القوة والفكر والتاريخ"، و"كيف نقتحم متغيرات المستقبل من خلال ثوابت الماضي؟"، و"بناء ثقافة السلم"، و"قوانين التغيير"، و"النقد الذاتي"، وغيرها.. إضافة للعديد من الدراسات والمقالات المختلفة. 

التجديد الديني 

يرى "جلبي" أن فكرة التجديد الديني غير قاصرة على دين أو مذهب بعينه، بل هي ظاهرة عامة في كل الأديان والمذاهب، وتختلف من دين لآخر؛ وفي الإسلام، ينتشر القول بأن التجديد يحدث كل مائة عام استناداً إلى حديث نبوي، إلا أنه من الممكن أن يحدث التجديد الديني أبكر من ذلك؛ فالتجديد سمة دائمة للحياة والفكر، والحضارة التي لا تُجدد نفسها تهرم وتموت، حسب قوله.

ويؤكد "جلبي" أن الحضارات والدول تمر بتطور تاريخي حتمي، تتمثل في النشوء ثم القوة والانتشار والسيادة، ثم الضعف والتحلل، وهي دورة طبيعية مثل دورة الحياة والموت للإنسان؛ والعالم الإسلامي مر بالفترات السابقة، وهو حالياً في مرحلة الضعف، إلا أن عودة انبعاث الوعي التاريخي واستيقاظه والعمل على تجديد الحضارة الإسلامية، قد يؤدي إلى انبعاث جديد للحضارة الإسلامية.

ويقول "جلبي" إن الأمم تموت كما يموت الأفراد، ويستشهد على ذلك بالآية القرآنية: ﴿... لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ...﴾ [يونس: 49]، فتفنى الأمم وتنتهي الحضارات، ويختل التكوين المجتمعي، وتتحول الأنشطة الإنسانية إلى جهد يتسبب في تفكيك نسيج المجتمع، ولكن موت الحضارة أو المجتمعات لا يعني فناء أفرادها بالضرورة، حسب قوله.

إشكالية التجديد

إشكالية التجديد بشكل عام، والتجديد الديني في العالم الإسلامي، تتلخص في أنه حينما تظهر فكرة جديدة يتحمس لها بعض الناس أو معظمهم، وبعضهم يسعى لتحقيقها بشكل قوي، ومع مرور الزمن و"دورة التاريخ"، يتحول المتحمسون للتجديد إلى مؤمنين بما لديهم دون غيره، ويتحولون إلى رافضين لأي فكرة جديدة فيحاربون التجديد، الأمر الذي يتصف به العالم الإسلامي، ويسبب مشاكله، وفقاً لـ"جلبي".

يوضح "جلبي" أنه مع نشوء أي تيار إصلاحي، وظهور أي محاولة تجديد، فإنها تقابل من المجتمع بالرفض والعداء، بسبب حالة الرضى الذاتي المنتشرة فيه، والعداء للإصلاح والتجديد سببه الرئيسي وجود تيار فكري تقليدي سائد في المجتمع، لا سيما بين فئاته المتحكمة فيه، يعتقد في نفسه احتكار النص الديني والقدرة على تفسيره وتأويله، وتملُّكه زمام الحقيقة المطلقة ووصايته على العقل المجتمعي، حسب قوله.

ويقول "جلبي" إن العالم الإسلامي في العصر الحاضر متوقف على خلافات فكرية وأيديولوجية ومذهبية، غير مسؤول عنها بشكل مباشر؛ لأنها خلافات تاريخية تراثية، وردت إليه فاتبعها، فسببت التفرق فيه، وظهرت الأزمة في العالم الإسلامي، مع انتشار الحداثة في الحضارة الغربية التي بينت الوضع المتردي للعالم الإسلامي، حسب قوله.

ويذهب "جلبي" إلى أن سبب سيطرة التراث على الفكر الإسلامي حالياً هو أنه في الفترات التراثية تظهر الحقيقة الملائمة للمجتمع آنذاك، ويتمسك بها المجتمع وفئاته، وحينما تغادر الحقيقة روحها، بمرور التاريخ، يظل المجتمع متمسكاً بالحقيقة الماضية، باعتبار أن ما أصلحته الحقيقة في الماضي قادرة على إصلاح المستقبل، دون اعتبار لتغير الزمان ودورة التاريخ والمستجدات والطوارئ التي تتصف بها كل حقبة زمنية، حسب قوله.

الانقطاع المعرفي

يُعلل "جلبي" فشل مشروعات النهضة، بداية من المشاريع الإصلاحية على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، بوجود أزمة الانقطاع المعرفي في العالم الإسلامي، وهذه الأزمة لم تجد لها المشاريع النهضوية حلاً؛ وبعض المفكرين، مثل المفكر الباكستاني محمد إقبال، تعامل مع حل هذه الأزمة وتعامل مع الفكر الغربي الحديث ليعطي تجربته الروحية جوانب معرفية، دون العمل على نشرها مادياً ومجتمعياً خارج الهند، حسب قوله.

ويرصد "جلبي" أهم آفات العالم العربي، في عدم تأسيس المنهج النقدي العقلي في المجتمع العربي بشكل فردي أو جماعي، وغياب هذا المنهج عن المجتمع الإسلامي في فترات تراثية مختلفة، إضافة لعدم تمكين العقل الفردي من زيادة المساحة النقدية في العمل وفقاً لها، وما تترتب عليه من أفكار جديدة، سواء في فكرة التلقي التراثي الحادث، أو في إبداع أفكار تجديدية جديدة.

يرى "جلبي" أن الحضارة الأوروبية قبل عصر النهضة والتنوير مرت بعصور مظلمة "سوداء" وفقاً لقوله، وبعدها بدأ عصر التنوير والحداثة الأوروبية. والعالم العربي يخوض مثل هذا العصر الآن، الذي سيزول حتماً؛ إذ ليست الإشكالية في زواله، بل في المدة التي سيستمر فيها قبل أن يزول.

يقول "جلبي"، إن هذه الفترة من الممكن أن تستمر قروناً أخرى، يختفي خلالها العالم العربي من مجرى التاريخ، ويبقى قوة غير حضارية، والأمثلة التاريخية على اختفاء حضارات قديمة ماثلة، ويمكن أن لا تطول هذه الفترة "الغيابية" عن الحضارة العربية إذا ما التزم العالم العربي بقوانين التغيير، فإنه من الممكن أن تنتهي هذه المرحلة خلال جيل أو جيلين بالكثير، حسب قوله.

القبلية الفكرية 

يوضح "جلبي" أن المجتمع العربي يعيش القبلية الفكرية لا الدولة القومية والأمة، ويضع خطوات للخروج من أزمة العالم العربي الحضارية في خطوات: 

- الوصف: ويعني به معرفة الحالة التي عليها العالم العربي ومجتمعاته، بكل ما يشملها من صفات وعيوب.

- التشخيص: ويهدف بها إلى تشخيص العيوب الفكرية والثقافية والعلمية في العالم العربي، وتحديدها.

- الإنذار: وهي تحديد طرق مواجهة العيوب الفكرية والثقافية والمجتمعية للعالم العربي، وإيقاظ المجتمع من خطورة هذه العيوب وتجاهلها.

- العلاج: الذي يتمثل به تطبيق طرق التخلي عن العيوب السابقة، والتزام طُرق من شأنها تأسيس الوعي والتنوير والحضارة العربية.

الخطوات السابقة، وفقاً لـ"جلبي"، كافية لإخراج العالم العربي من العقلية القبلية، وتعيده من "خارج دورة الحضارة إلى قلبها"، حسب قوله.

ويوضح "جلبي" أن الدين الإسلامي لا يوجد به ما يُسمى رجال دين، ويفضل بتسميتهم "علماء"، يصابون كما يصاب المجتمع بأمراض مثل التزام الحقيقة التراثية التي لم تعد نافعة، ما يجعلهم حائلاً دون أي محاولة تجديد أو إصلاح ديني، بفرض سيطرتهم الدينية وحالة الجمود على التفاسير القرآنية، وتفضيل ما يرونه من آراء وأحكام وتسييدها على المجتمع، حسب قوله.

العقل الإسلامي

يحلل "جلبي" العقل الإسلامي، فيرى أنه تعرض للكثير من "الأمراض الفكرية المتوطنة"، وهي أمراض متحكمة في المجتمع الإسلامي، ويرصد منها: 

- احتقار العلم: ويوضحه غياب الإنتاج العلمي والاختراعات. 

- تبرئة الذات: ويمثلها عدم النظرة الصادقة بأن العالم العربي هو سبب مشكلاته. 

- تقديس السلف: الذين يجب احترامهم لا تقديسهم. 

- الاعتقاد بأن النص يغني عن الواقع، و"الظن بأن الأحكام الدينية لا تتغير بتغير الزمن"، وتجاهل التطورات الهائلة تاريخياً ومجتمعياً وعلمياً وفردياً، والتركيز على الجهاد دون معرفة شروطه وأحكامه القرآنية"، بحصره في القتال دون أوجه الحياة الأخرى، حسب قوله.

المشروع التنويري 

ينادي "جلبي" في مشروعه الفكري التنويري، بالاعتماد على ثلاثية الفكر النقدي في العقلية العربية الجماعية والفردية، والمواءمة بين العلم والمسألة الإيمانية، وتبني موقف اللاعنف تجاه التغيير الاجتماعي والفكري والثقافي؛ وهي مسائل ثلاث موجودة في القرآن وأمر بها وحض عليها.

ويؤكد "جلبي" إمكانية تغيير الواقع الحالي، فتغيير المجتمع والأفراد سهل عبر تبني الأفكار الجديدة النافعة الصالحة زمنياً ومجتمعياً، وتحمل المسؤولية التي نص عليها القرآن بتكليفه الإنسان وتحمله مسؤولية أفعاله، وأهمية معرفة الظروف الحادثة لأي ظاهرة مجتمعية حتى يمكن دراستها والسيطرة عليها وتغييرها، مع عدم استخدام العنف في أي مرحلة من مراحل التغيير المجتمعية والفكرية والعلمية.

ويطالب "جلبي" في مشروعه الفكري بطرح الخلافات المذهبية، وتسييد مبدأ الحوار الداخلي، وقبول الآخر المتعارض والاعتراف به وبحقه في الاختلاف، وإعادة فتح حوار مع التراث، لتقييمه وفق منهج عقلي نقدي، إضافة لفتح حوار مع الحضارات الأخرى، وعلى رأسها الحضارة الغربية، لأخذ ما يصلح للعالم الإسلامي، لا سيما العلوم الحديثة التقنية والإنسانية، حسب قوله.

وختاماً، بسبب خلفيته العلمية كطبيب، ارتكز مشروع "جلبي" الحضاري على منهج علمي يتشابه والمنهج الطبي، ويتمثل في مراحل خاصة بالعالم العربي، مثل مراحل الوصف، والتشخيص والإنذار والعلاج، مقدماً العديد من الحلول التي مثلت قمة مشروعه التنويري، وهي: طرح العقلية القبلية، والتأكيد على الانتماء للدولة القومية والأمة، وبناء العقلية النقدية في العالم العربي، والأخذ بالعلم الحديث على مستوى العلوم التقنية والإنسانية، ورفض سيطرة علماء الدين، لا سيما في فرض الأحكام الفقهية التراثية التي ادعوا أنها ثابتة تتجاوز التاريخ، مع التأكيد على ضرورة الحوار الداخلي والخارجي، وقبول الآخر المختلف، وتحمل تبعات الأخطاء التراثية والحالية دون إلقاء اللوم على الآخرين.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة