في لقاء حواري، ضمن برنامج "مناظرات حوار الثقافات"، الذي يتضمن حلقات حول "القضايا المجتمعية العربية والإسلامية"، استعرض الدكتور فريد بلقاسم، مُقدم البرنامج، مع الدكتور عبد العزيز الكحلاوي، أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الزيتونة، والدكتورة زينب التيجاني، أستاذ الحضارة بجامعة منوبة، مفهوم "عدّة المرأة"، والموقف من هذا المفهوم.
وإلي ما دار في هذا اللقاء الذي بدأه الدكتور فريد بلقاسم بقوله:
- مرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "مناظرات حوار الثقافات". موضوع حلقتنا اليوم يتعلق بـ"الموقف من العدّة"، لا سيما في ضوء مطالبات الحركات النسوية بإلغاء حكم العدّة، الذي يعتبرونه تمييزاً ضد المرأة..
- من أجل البحث في هذه القضية وما تثيره من جدال، نستضيف لكم الدكتور عبد العزيز الكحلاوي من جامعة الزيتونة، أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الزيتونة، والدكتورة زينب التيجاني، أستاذ الحضارة بجامعة منوبة..
- شكراً لضيفيَّ الكريمين على قبول الدعوة.
- لو بدأنا دكتور عبد العزيز بالآيات المتفرقة لموضوع العدة في القرآن الكريم، سنرى أن هذه الآيات تتعلق بجملة من الأحكام بحسب وضعية المرأة. كيف تقرأون دكتور هذه الآيات واختلاف أحكامها، ثم اختلاف قراءات الفقهاء وأقوال الفقهاء حولها (؟).
- نعم، بسم الله الرحمن الرحيم.. في البداية أشكركم على هذه الدعوة الكريمة التي تعبّر عن إدارة حوار وحراك فكري وثقافي واعد، حتى يزيل الغموض حول جملة من المعطيات التي يبني عليها التشريع الإسلامي جملة من الأحكام ضمن مدونة الأحوال الشخصية..
- فالعدة، في أصلها، تعبّر عن رؤية الإسلام لطرق تنظيم الأحوال الشخصية، فيما يتعلق بالمـرأة في علاقتها بمؤسسة الزواج، وعلاقتها بمؤسسة الحقوق، وفي علاقتها بالدينامية الاجتماعية والتكافل الاجتماعي الذي يفرضه المجتمع في منظومته التشريعية، وحراكه المتواصل نحو إدارة الفواعل الاجتماعية.
- العدة ليست واحدة، بل العدة أنواع داخل جنس الواحد، وتعدد أنواع العدة يخفي حكمة أو مجموعة من الحكم المرفوقة بالأحكام. وهذا التعدد ضرورة تستوقف الباحث الحصيف، لماذا هذا التنوع بين عدة بشهرين، عدة بثلاثة أشهر، عدة بأربعة أشهر (؟)..
- عندما نظر الفقهاء ومختصو الأحوال الشخصية إلى العدّة، نظروا إليها على أنها جملة من التنظيم للعلاقات بمقتضى قوانين، وبمقتضى هذه القوانين المرفوقة بحِكم وفلسفات تشريعية، فهي ليست نشازاً وليست خاضعة لأمزجة الفقهاء ورأيهم، وإنما هي آيات محكمات.
- لو سمحت لي دكتور في هذا الإطار، يعني في إطار تبيّن وجه الحكمة من هذه الأحكام.. يعني لو أخذنا، مثلاً، عِدة المطلقة التي هي بـ"ثلاثة قروء"، نعم، وهناك اختلاف حول مصطلح "القروء" بين الحيض والطهر، نعم، الحنابلة والحنفية يذهبون إلى أنها ثلاث حيضات، في حين أن الشافعية والمالكية يذهبون إلى أنها ثلاثة طهرات. وعدة المتوفى عنها زوجها الأرملة، وهي بأربعة أشهر وعشرة أيام. يعني هذا الاختلاف ما هي الحكمة وراءه (؟).
- الحكمة في هذا التنوع، هناك حد أدنى من المتفق عليه وهو "براءة الرحم من الحمل".. نعم، وهو الذي يؤكده الطب الحديث في أن المطلقة، أو الأرملة، لا بد فيها من وجود مدة زمنية يتأكد المشرعون من خلوها من الحمل.
- لو أخذنا هذه النقطة بالذات، معذرة دكتور، مع الدكتورة زينب التيجاني.. أنا لم أتم يعني في هذه النقطة..
- سأعطيك الفرصة، ولكن اسمح لي أن أوضح الفكرة حتى تكون الدكتورة زينب على دراية في تعاملها مع الفكرة التي أحاول أن أطرحها..
- تفضل..
- قلت إن الطب الحديث أكد ضرورة وجود هذه المدة الزمنية، للتأكد من براءة الرحم. وكل التشريعات السماوية والوضعية اعتبرت هذا الجانب، بما فيها التشريع الفرنسي، ولكن التشريع الفرنسي أدخل معطى التحليل الطبي المعتمد على الـ"بيتا هاش سي جي" (β-HCG) لبيان ثبات الحمل أو خلوه..
- استبراء الرحم.. يعني هذه الفكرة التي ذكرها الآن الدكتور عبد العزيز، أن الأمر يتعلق باستبراء الرحم. السؤال المطروح، هنا، دكتورة زينب التيجاني: لماذا استبراء رحم المطلقة بثلاثة قروء، واستبراء رحم الأرملة بأربعة أشهر وعشرة أيام؟ هذا الاختلاف كيف نفسره في علاقة بهذا المبرر "استبراء الرحم" (؟).
- شكراً لك يا أستاذ فريد. في الحقيقة لا يعودان إلى نفس البنية، يعني لا يعودان إلى نفس السبب.. نعم، وأنثروبولوجياً، الإحداد بعد القطيعة مع الزوج سواء بالطلاق أو بالموت، هو في الأصل في ثقافات متعددة، يطلب من المرأة أن تنتهي حياتها بعد انتهاء الزوج، سواء كان بالطلاق أو بالموت..
- بل نصل في بعض الثقافات حتى إلى وأدها، أو إلى دفنها مع زوجها، وإلى طلب أن تلبس الأسود وأن لا تخرج من البيت، مثلاً، بعد أن يتم تطليقها أو بعد أن تصبح أرملة.
- إذاً، لو نعود إلى التاريخ البشري، سنجد أن الأسباب العميقة لمسألة الإحداد، أو العدّة، تتجاوز البعد الديني والتنظيمي الاجتماعي.
- إذاً، يا دكتورة، هي مسألة مرتبطة بأنثروبولوجيا المجتمع وبمنزلة المرأة؛ وليست فقط ثقافة المجتمع.
- نعم، مرتبطة بالثقافة الأبوية وبتوزيع الأدوار، وبأن المرأة بعد زوجها، سواء بالطلاق أو بالموت، تنتهي حياتها..
- كأنك تقولين دكتورة أن النص القرآني في حكم العدّة هو نص متساوق إن شئنا مع الثقافة السائدة آنذاك، وحاول أن يعطي هذا البعد الديني للمسألة...(؟).
- في جزء منه لا يختلف.. نجد نفس الأحكام في "الهالاخاه" مثلاً عند اليهود، تقريباً نفس أحكام العدّة في الإسلام، بالطلاق أو بالموت، ونجد ذلك عند اليونان، وفي حضارات أفريقية قبلية نجد ذلك.. يعني مسألة العدّة موجودة في الأديان الكتابية وحتى السابقة. نجد ذلك حتى في التشريعات البابلية، نجد نفس النظام. يعني أنثروبولوجياً، أن جانباً اجتماعياً يتعلق فعلاً باستبراء الرحم؛ ولأن المجتمعات القبلية والمجتمع العربي يعني الأول هو مجتمع يتحدث عبر الأنساب، فكان من المهم مسألة النسب.
- طبعاً المجتمع الذكوري، لأنه عندما كان ينسب الأبناء للأم.. لم يكن هذا مطروحاً؛ ولكن عندما صرنا أمام مجتمع ذكوري، يعني النسب فيه للأب.. إذاً، يجب أن نحدد مسؤولية الإنفاق، الإنفاق، ومن سيتكفل بالإنفاق على هؤلاء، القوامة.. مسألة القوامة إلى درجة أن بعض الفقهاء اليوم، عندما تنصتون إلى الخطاب حول العدة، يعتبرون أن المرأة التي تنفق على الأبناء، بعد طلاقها أو وفاة زوجها، يعتبرون أنها تُحسن..
- هو من باب الصدقة والإحسان، وليس من باب الإلزام. ليس من باب الإلزام والمسؤولية. يعني العدة هذه فيها مسألة مسؤولية من سينفق.
- لو طرحت عليكِ السؤال التالي: هل العدّة هي موجودة كـ"حكم" في النص القرآني؛ ولكن إذا فُهمت جيداً المقاربة التي تنطلقين منها دكتورة زينب لا تكتسي هذه القداسة المتعالية، وإنما النص القرآني تعامل معها على اعتبار أنه ينخرط في البنية الاجتماعية والثقافية السائدة، ويتساوق معها، ويحاول أن يضفي عليها هذا الطابع (؟).
- بالضبط. وعندما نعود إلى الآيات التي تخص العدّة في النص القرآني سنجد في أسباب النزول، طبعاً أنا لا أفترض أنها قد حدثت 100%، لكن لو نتتبع المنطق سنجد اختلاف الحالات. مثلاً عندنا حالة زوجات النبي، ليس مسموحاً لهن بالزواج بعده؛ إذاً ليس لهن عدة. زوجات النبي لا يعتددن، أي ولا يحددن أيضاً؛ لأنهن لا يتزوجن، ومقابل ذلك تمت تسميتهن "أمهات المؤمنين". نعم، إذاً هذا نظام وحده.
- وعندنا كذلك بعض الحالات الفردية؛ مثلاً في سورة الممتحنة، عندنا امرأة نزلت فيها بعض الآيات في قضية العدة. وعندنا أيضاً الأسلمية، كذلك هي حالة خاصة؛ لأنها كانت سَبِيَّة، ولذلك فقط عفواً كانت حامل، فيجب انتظار وضع الولد، وبقرء واحد (بطهر واحد) ثم تنتهي العدة. إذاً نحن لسنا أمام نظام ثابت واحد محكم كما نعتقد.
- إذاً الدكتورة زينب تقول نعم النص القرآني فيه أحكام للعدة، ولكن النص القرآني متساوق، أو جاء ليضفي هذا البعد الديني على ما هو أنثروبولوجي، وما هو ثقافي سائد في بنية المجتمع آنذاك. إذاً ليست لهذه الأحكام تلك القداسة المتعالية إن شئنا.. كيف تنظر دكتور عبد العزيز إلى هذا الأمر؟
- بداية، أستسمحك في بعض الوقت الذي يقتضي أن تتكامل الفكرة، يعني أنت قطعت عني فكرتي..
- معذرة، دكتور عبد العزيز، سأعطيك الآن الوقت الكافي لتعبر عن فكرتك.. تفضل دكتور..
- في البداية، القرآن لا يساوق أي وضع اجتماعي. إنما القرآن يعتبر من الحالة الاجتماعية ما يلائم "فطرة الإنسان"، لأن الفطرة هي الصانع والمحفّز والدافع للسلوك. فـأنت في هذا المكان تتصرف بجزء من الإنسانية، نعم، وهي المعبر عنها بالفطرة، وهو المعبر عنه عند علماء النفس بالـ"A-qui-li-li"، الذي يولد به الإنسان، فهو الفطرة، نعم، وهو البرمجة العصبية والذهنية والنفسية التي يولد بها الإنسان. فهذه يضعها الإسلام في اعتباره، ولا مجال لوضعها موضع قفز من أي تشريع، وكل تشريع يتجاوزها فهو يؤدي إلى قتل إنسانية الإنسان. ولعلكم تقرأون في مناهج اللسانيات الحديثة، التي قفزت على إنسانية الإنسان فأحدثت ردة فعل اجتماعية، نعم. ولعل ثورة الطلاب في فرنسا عام 68 ضد الوجودية خير دليل..
- هنا، أقول إن الإسلام عندما يعتبر من الواقع الاجتماعي ما يعبّر عن فطرة الإنسان، فلا غرابة أن يأتي الإسلام في تشريعاته فيستوعب ما هو فطري، ويضعه موضع تقنين وضبط وتوجيه. والنظريات الاجتماعية تقوم على الضبط الاجتماعي والمطالبة له بالتشريع.. أي إن كل شيء لا بد أن يسري بسرعة واضحة، وبنظام سلوكي، كما يعبّر عنه علماء الاجتماع كلهم، وأيضاً في التشريعات الوضعية والسماوية. نعم..
- لذلك، أعود فأقول إن الإسلام عندما جاء أخذ اعتبارين: نعم، "الجانب البيولوجي"، وقد أُعيد التأكيد أن حتى التشريعات الوضعية وضعت اعتبار العدّة من زاوية بيولوجية موضعَ الاعتبار، لماذا (؟!).. لأنه لا يتعلق بها مسألة سوية، يتعلق بها حقوق. فالمواليد الذين يولدون لهم حقوق على آبائهم، ولذلك تأكيد النسب مهم جداً. أن أكون متزوجاً لامرأة وأطلقها ويُنسب الولد لغيري، فهذا اعتداء على هوية المولود واعتداء على حقه، من يتولى أمره (؟!).. وهنا، لا بد من "استبراء الرحم" للتأكد بنسبة الولد، وهي مسألة عقلانية صرف.
- أوضح فأقول.. اختلاف المدد، جزء منه الأصل فيه هو استبراء الرحم، وهو القاعدة المشتركة بين جميع أنواع العدّة. نعم. الجزء الثاني مربوط بـ"المعقول الاجتماعي"، وهو المطلقة عدتها قَلّت، لأن "مراعاة جانبها النفسي" يقتضي أن تقلص مدتها؛ في حين يراعى حق الطرف الآخر، وهو الرجل، الذي له حق مراجعة زوجته ولها الحق في العودة أو الرفض. فلذلك أسعف الطرف بما هو كفيل بـ"ترميم الخدوش النفسية".. نعم، وتعامل بعقلانية صارمة..
- المعطى الثاني: لماذا تطول عدة الأرملة (؟).. لماذا (؟).. لأن زوجها لم يطلقها، بل هو متوفى؛ ووفاته ستترك لوعة داخل أسرة الزوج وداخل نفسية المرأة الأرملة. وبالتالي، أعطيت مدة حتى تستطيع "ترميم الحالة النفسية" التي هي فيها، وهو معقول التشريع خاص بالتشريع الإسلامي. فمن شاء اتخذه ومن شاء رفضه. ولذلك، لا نستطيع أن نقول لتشريع: "كيف تبني هذا المعقول؟".. فـ"للتشريع الإسلامي" معقوله المبني على جملة من الحكم والأحكام والمقاربات والتصورات، وللتشريعات الأخرى حكمتها.
- بقي ما وقعت فيه الأستاذة زينب من خلط؛ فهي قالت أنثروبولوجياً هناك بعض التشريعات التي تحكم بالموت على الزوجة وتَماهى معها التشريع الإسلامي. لا.. صحيح في المجتمع الجاهلي العربي، كان يُحكم على المرأة من العدّة أن تموت مع زوجها..
جاء التشريع الإسلامي ليغيّر ذلك، ولا بد أن -حتى ولو اختلفنا- لا بد أن ننصص على هذه التباينات وهو جداً مهم، لأن المتلقي يجب أن يأخذ الفكرة واضحة. هناك مباينة واضحة بين التشريع الإسلامي أنثروبولوجياً وبين بقية التشريعات؛ بل بالعكس، إن التشريع الإسلامي في تصوّره للعدّة بمواضعاتها الجديدة، قد "أنصف المرأة" و"أخرجها من الملكية الفردية" الصارمة، التي كان يمارسها المجتمع.
- أنا أقول، لا أقول "مجتمع ذكوري" وإنما أقول "مجتمع سلطوي"، مجتمع السلطة القاتلة بيد القبيلة ممثلة في شكل المجتمعات كلها؛ كانت قبلية قاتلة، والمرأة مِلك لعائلة الزوج متى توفي الزوج، بما في ذلك تعدد الزوجات؛ وهو وضع من مظاهر الظلم الذي كانوا يلبسونه المجتمع العربي. فلما جاء الإسلام غيّر الأحوال الشخصية وأعاد بناءها وفق قوانين العلم، ومعقوله الاجتماعي في تصوّره لفلسفة المجتمع من حيث الاستقرار، ومن حيث حقوق الأطراف المكونة: الطفل والأسرة والزوج والزوجة..
- أرجو أن تكون بذلك قد بلغت فكرتك كما تراها دكتور عبد العزيز.. شكراً، ولكن لسيرورة الحصة لا بد من التوقف عند هذا الحد.. شكراً..
- في الختام..
شكراً الدكتور عبد العزيز الكحلاوي، وشكراً الدكتورة زينب التيجاني على إسهامكما في هذه الحلقة.. السيدات والسادة، هكذا نأتي إلى نهاية هذا الجزء.. إلى اللقاء في الجزء الثاني بإذن الله.