يُعد كتاب "الحاكمية" للمفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد، رحمه الله، الذي صدر عن دار الساقي في بيروت، في عام 2009، واحداً من أبرز الأعمال الفكرية التي تناولت قضايا الحكم في الإسلام، والتي نشرت بعد وفاته. قدم حاج حمد في هذا الكتاب رؤيته المتعمقة حول مفهوم الحاكمية كما طرحها بعض المفكرين الإسلاميين، وعلى رأسهم سيد قطب؛ وقام بتحليل نقدي شامل لهذا المفهوم من جوانب متعددة، مع تقديم بديل فكري يناسب تطورات العصر.
وقد استندت أطروحة حاج حمد إلى رفض الطرح التراثي "المؤدلج" لمفهوم الحاكمية، وسعى إلى تقديم طرح معاصر ينسجم مع المعطيات المعرفية المتطورة لمفاهيم الدولة والسلطة. وقد انطلق حاج حمد من رفض فكرة "المُقابلة بين الحاكمية الوضعية والحاكمية الإلهية السائدة في الأدبيات الإسلامية عموماً".
مراحل الحاكمية
يرى حاج حمد أن هناك "ثلاث" مراحل تسلسلية من الحاكمية، كل مرحلة منها تقدم فكرة عن الوعي الجمعي الذي كان سائداً فيها، حيث تمت هذه المراحل، حسب رؤيته، على النحو التالي: الحاكمية الإلهية، حاكمية الاستخلاف، وحاكمية الكتاب البشرية.
- مرحلة الحاكمية الإلهية:
وهي المرحلة الأولى من الحاكمية في تاريخ الإنسانية، تلك التي تجسدت فيها الحاكمية الإلهية؛ وحسب حاج حمد، تعني حكم الله المباشر والحصري للناس دون تدخل بشري. وقد تجلت هذه المرحلة بصورة واضحة في الحالة التاريخية الإسرائيلية، بوجود علاقة مباشرة بين الله وبني إسرائيل، استوجبت قيام "مملكة لله في الأرض". ولهذا، أسبغ الله سبحانه على الأرض التي اختيرت لهذا "الحكم الإلهي" المباشر صفة "التقديس"؛ كما أسبغ على القبائل الإسرائيلية صفة "التفضيل".
وبحسب حاج حمد، فإن الله سبحانه وتعالى خاطب موسى عليه السلام بهذه الصفة؛ وذلك في قوله سبحانه: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]. أما بالنسبة إلى بني إسرائيل، فيأتي قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 47].
ولذلك تميزت التجربة الإسرائيلية، بصفتين:
الأولى، الخوارق التي هيمن الله عزَّ وجل بها على الإنسان والطبيعة معاً؛ كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 50].
الثانية، نتيجة العطاء الإلهي الخارق، ورغد العيش الكريم، فقد كان الجزاء المقابل للانحراف عن "العهد" و"الميثاق" هو "شرعة الإصر والأغلال". ويبدو هذا الجزاء، أو العقاب، بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٭ فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 65-66].
- مرحلة حاكمية الاستخلاف:
في رؤية حاج حمد للحاكمية، تأتي مرحلة حاكمية الاستخلاف كمرحلة ثانية في تاريخ الإنسانية، وهي المرحلة التي تم فيها الانتقال من الحكم الإلهي إلى مرحلة جديدة، تم فيها السماح بالتدخل الإنساني في الحكم بشكل تدريجي. وقد بدأت هذه المرحلة، في رؤية حاج حمد، باختيار الله سبحانه طالوت ملكاً لبني إسرائيل، لأنهم تمردوا على الحاكمية الإلهية المباشرة، ومارس دوره عليهم "غيباً"، فوضعهم في أقسى الحالات؛ فابتلاهم بنهر منعهم من الشرب منه، وهم في طريقهم لقتال عدو شرس.
وهنا، يستشهد حاج حمد بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ...﴾ [البقرة: 249]. وقد حملت هذه المرحلة بدايات التعلق الغيبي بالله وفعله خارج دائرة المحسوسات والمنظورات.
وقد عرَّف حاج حمد حاكمية الاستخلاف بأن "يكون الخليفة موصولاً بالله عبر الإلهام والإيحاء، وأن تُسخر له الطبيعة والكائنات. وهذا ما كان مع داود وما كان مع سليمان؛ وهي تعني أن يختار الله –لا المجتمع البشري– هذا الخليفة، تماماً كما اختار طالوت، ثم داود، ثم سليمان".
- مرحلة حاكمية الكتاب البشرية:
في هذه المرحلة، كما يرى حاج حمد، عادت الحاكمية إلى الإنسان "خارج منهج الهيمنة الإلهية المباشرة على الطبيعة والبشر، كما كانت في مرحلة الحاكمية الإلهية؛ وكذلك خارج منطق الاختيار الإلهي والتسخير كما كانت في مرحلة حاكمية الاستخلاف". ويُشير إلى أن مرحلة حاكمية الكتاب البشرية "بدأت مع الرسول محمد (ص)، وهي مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وهي المرحلة التي تعطى فيها الأولوية للقدرات البشرية للتحكم في الطبيعة ولتسيير شؤونها".
في هذا الإطار، يرى حاج حمد أن "الإسلام المحمدي" هو مقدمة البشرية "لتعرف طريقها إلى الله عبر التعامل مع السنن الوضعية، وتكتشف الله في المادة وفي الحركة دون حلولية ودون ارتداد إليه بمبدأ المادة الناقصة"، حسب قوله. بل ويؤكد أن هذه المرحلة، أي حاكمية الكتاب البشرية، "هي من أعظم المراحل وأغناها في التاريخ الإيماني للبشرية، وقد جاء افتتاحها بعبارة "اقرأ"، وانتهت إلى الجمع بين القراءتين، وهذا هو جوهر الحقيقة المحمدية"، حسب تعبيره.
تصور حضاري
في الكتاب، يؤكد حاج حمد أن سيد قطب قد حول مفهوم الحاكمية إلى أساس فكري للحكم الإسلامي، معتبراً أن كل الأنظمة السياسية غير المستندة إلى الشريعة الإسلامية هي "جاهلية" ولا تمثل الإسلام. من خلال هذا المفهوم، رأى قطب أن المجتمع الإسلامي الحقيقي هو ذلك الذي يُطبق الشريعة بالكامل، وأن الحاكم يجب أن يستمد سلطته من الله وحده، مستنداً إلى نصوص القرآن والسنة.
ويتعرض حاج حمد لهذا المفهوم بالنقد، ويعتبر أن هذا التفسير قد أدخل الإسلام في سياقات سياسية ضيقة وأيديولوجية متشددة؛ مؤكداً أن الحاكمية في الإسلام لا تعني بالضرورة إقامة دولة ثيوقراطية يحكم فيها رجال الدين باسم الله، بل هي مفهوم يشير إلى ضرورة إقامة مجتمع عادل، قائم على القيم الإسلامية التي ترتكز على العدل والمساواة والحرية.
ومن ثم، يرى حاج حمد أن "الحاكمية لله" ليست دعوة إلى نظام سياسي مغلق، بل هي مبدأ أخلاقي يُترجم إلى مبادئ دستورية وسياسية متعددة تتلاءم مع تطورات العصر. ويركز على أن التشريع الإسلامي هو اجتهاد بشري يمكن أن يتغير بتغير الظروف؛ وبالتالي، لا ينبغي أن يكون حكماً مطلقاً وثابتاً لكل زمان ومكان.
حاج حمد يقدم في هذا الكتاب تصوراً مختلفاً للإسلام يتجاوز الفهم التقليدي للحاكمية؛ فهو يرى أن الإسلام ليس ديناً يدعو إلى إقامة دولة دينية بالمعنى الحديث، بل يدعو إلى إقامة حضارة إنسانية عالمية تستند إلى القيم العليا مثل العدل والرحمة والكرامة الإنسانية.
الواقع المعاصر
ويناقش حاج حمد كيفية تطبيق مفهوم الحاكمية في العالم الإسلامي الحديث؛ حيث ينتقد بشدة الجماعات التي تسعى إلى فرض الشريعة الإسلامية بالقوة، أو عن طريق الانقلابات العسكرية، أو الثورات العنيفة. ويشير إلى أن هذه الجماعات فشلت في تحقيق مجتمع عادل، لأنها تركز فقط على تطبيق قوانين صارمة، دون اعتبار للسياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تعيش فيه المجتمعات الإسلامية.
ويرى حاج حمد أن التطبيق الصحيح للإسلام في السياسة يتطلب اجتهاداً مستمراً وتطوراً فكرياً يتماشى مع متغيرات العصر، وليس الالتزام بتفسيرات تقليدية جامدة؛ ويطالب بأن يكون هناك حوار بين الإسلاميين وغيرهم من التيارات الفكرية، للوصول إلى رؤية مشتركة تحقق العدالة والكرامة الإنسانية للجميع.
وختاماً، يعتبر كتاب "الحاكمية" للمفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد، رحمه الله، من الأعمال الفكرية التي أسهمت في إعادة النظر إلى مفهوم الحكم في الإسلام. وفي الوقت الذي انتقد فيه الكتاب التفسيرات التقليدية لمفهوم الحاكمية، فإنه قدم رؤية متجددة ومختلفة لكيفية تفاعل الإسلام مع السياسة في العصر الحديث.
رغم ذلك، فإن ثمة قضايا قد غابت عن حاج حمد، أو بالأصح غاب هو عن بحثها والاجتهاد فيها، مثل القضايا الأخرى التي تناولها؛ من هذه القضايا، كمثال، مسألة الاستخلاف.. حيث يرى أن الخليفة هو خليفة لله، بما في ذلك آدم وداود عليهما السلام؛ وهي رؤية غير صحيحة إذا ما تدبرنا هذه المسألة في كامل آيات التنزيل الحكيم. أيضاً، مسألة التسخير، كمثال آخر، فهو يرى أن التسخير يتعلق بمن يختاره المولى سبحانه للخلافة، وهذا غير صحيح في مجمله؛ لأن مفهوم التسخير يتعلق بالقوانين الكونية والطبيعية، أي بانضباط الكون والإنسان على قوانين موضوعية.