حاول المفكر السوداني الراحل أبو القاسم حاج حمد، من خلال مقارباته المعرفية، أن يضع حداً لما يُسمى "تأصيل الحضارة"، وهي في ظنه عبارة عن طلاء خارجي بألوان حديثة، لمجتمع يعيش في غياهب الماضي، لافتاً إلى أن "تأصيل الحداثة يعني أن يكون المجتمع قد انتقل فعلاً إلى واقع الحداثة، وفق مستويات الحضارة العالمية الراهنة". ثم يبحث عن ذاته في أصوله مستخدماً ما توصل إليه من مناهج معرفية متقدمة بفضل طوره التحديثي(1).
هنا، يحاول المفكر الراحل تفكيك حالة الفصام بين المجتمعات التقليدية بلازمتها الأيديولوجية، ووعيها التاريخي في الزمن المعاصر؛ ويرجع حالة الفصام تلك إلى عدم قدرة مجتمعاتنا على اكتشاف شروط الوعي العالمي الجديد. فالقضية في رأيه هي "قضية تفهّم لمعنى المتغير الاجتماعي، ضمن شروط الوعي العالمي الجديد، وهو أمر لم تتكيف مجتمعاتنا معه بعد"(2).
النسيج الاجتماعي
ومن ثمّ، قاده هذا المدخل النظري إلى الاشتباك مع طبيعة النسيج الاجتماعي الموروث، عن طريق الدخول بشكل مباشر إلى حقل الدلالات القرآنية المؤطرة لهذا النسيج، وإعادة تقديم معاني جديدة، باعتبار أن مرجعية القرآن تتضمن دلالات لمعاني التوقيت والمكان، ليستدعي قاعدة تطور المعنى وقدرته على محاكاة التاريخ، رافضاً تقييد المعنى وتعيّنه بمكونات فترة التنزيل.
وعليه، يبدو القرآن في رأيه هو ذلك النص الذي يتقوّم "ككتاب للبشرية جمعاء، تحاور من خلاله موروثها؛ فإذا أمكن للمسلمين من دارسي هذا الكتاب إعادة اكتشاف تجارب النبوات، بالكيفية النقدية نفسها التي استرجع بها القرآن تلك التجارب، أمكن تحديد نمط علاقاتها مع الله ومع الكون ومع مجتمعاتها ومع نفسها"(3).
ولعل المفكر الراحل علي مبروك، في سعيه وراء "القرآن الحي"، انطلق من هذه الرؤية، في تأكيده أن الوعي بأن إنفاذ النص من عدمه، ليسا موقفين نهائيين أو مطلقين، بقدر ما يتحولان تبعاً لحركة الواقع خارج النص.. "ذلك أن التعويل على حركة الواقع في تحريك الدلالة القرآنية، وتحويلها، هو ممارسة تجد ما يؤسس لها في عمل الصحابة أنفسهم"(4).
تشريعات العائلة
ينطلق أبو القاسم حاج حمد من موقف نقدي للفلسفات الوضعية والمادية، محاولاً ضبط المفاهيم الأخلاقية عن طريق طرح مقاربة معاصرة، لا تقطع مع النص القرآني بل تستند إليه، في ضوء الاشتباك مع المتغيّرات الاجتماعية الطارئة، وإعادة موضعة المعنى في الواقع.
تبدأ مقدمات مشروع التجديد عند المفكر الراحل بالوقوف عند أزمة الحضارة المعاصرة، التي يصفها بـ"أزمة الفراغ الروحي"، التي نتجت في ظنه عن سيطرة الاتجاهات الوضعية، وأدّت إلى تراجع مقولات الوحي والدين لتحتل حيزاً تراثياً غير فاعل في توجيه حياة الإنسان المعاصر(5). ومن هنا تبدأ عملية استدعاء النص، وإعادة موضعته في الواقع، ليس كما تعاطى معه السلف، وإنّما بنهج جديد يتحرر فيه المعنى، ويصبح قادراً على ضبط المكون الأخلاقي، دون تصادم مع مفهوم الحرية الاجتماعية، وحق الاعتقاد.
ولعل "العائلة" بوصفها الحاضنة الأولى، والمكون الرئيس للبنية الذهنية لأفراد المجتمع، كانت نقطة انطلاق مركزية في مشروع حاج حمد؛ ذلك أن إعادة بناء تشريعات العائلة في الإسلام، وفق منظور تفسيري جديد، يقطع مع البنى الإرثوية، ويعيد إلى النص اعتباره في الواقع، وهو أمر بالغ الأهمية.
العقل التقليدي
يفكك أبو القاسم حاج حمد بنية العقل الفقهي التقليدي عن طريق الاسترجاع النقدي، باستخدام الأدوات المنهجية المعرفية، "كما فعل القرآن نفسه تجاه التراث الديني السابق عليه"(6)، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة تجاوز الدسّ عبر منحولات الأحاديث، التي قوّضت خصائص التخفيف والرحمة وحاكمية القرآن، المنطلقة من إدراك العقل البشري نفسه مضمون الكتاب(7). وعليه تبدو الحاكمية هنا مُرتهنة بوعي الإدراك القائم على الفهم المعاصر للنص.
ويؤكد حاج حمد أن الله ربط الشرعة والمنهاج بالواقع المتغير، على عكس الشريعة التوراتية، التي لا تخفيف فيها للقصاص، مؤكداً أن التخفيف هو سمة القرآن الفريدة. ويرى كذلك أن منع التبني يرتبط بتقييد التعدد، ولا يقول بمنع التعدد؛ فقد ربط القرآن، في رأيه، بين آيات في مواضع متفرقة، لتغطي رؤية منهجية عضوية واحدة، وهو هنا يربط بين سورة يوسف وسورة الأحزاب، وكذا سورة النساء.
ففي سورة "النساء" يطرح الله قضية القسط في اليتامى، والاعتناء الدقيق بهم، ويخص بالذكر يتامى الأرحام من ذوي القربى، وهو ما يتطلب وجود كافلهم مع أمهم في دار واحدة، وهنا يتقيد التعدد بشرط العناية اللازمة باليتامى من ذات الرحم(8).
وحول الضوابط الأخلاقية للعائلة، يطرح المفكر الراحل عدة مفاهيم، فهو يرى أن غض البصر لا يعني منع البصر، فللرجل أن ينظر بعينيه للمرأة دون استهواء، ليفرق بين البصر العيني الفطري، والبصر النفسي الممتزج بكيفية استهوائية. وكذلك يمضي ليحرر مفهوم حفظ الفرج، ليضم إلى العورة عفة الفم والأذن(9)، فلا يقول الإنسان ولا يسمع إلا الحسن من القول.
كذلك يفكك مفهوم زينة المرأة، وهي مواضع الإغراء في جسدها، التي ينطبق عليها شرطا الظهور والاهتزاز حين الضرب بالأرجل، كما يشتبك مع مفهوم ضرب الخمار على الحجاب، فالجيب في القرآن هو فتحة الإبط، مستشهداً بالآية "12" من سورة النمل، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ﴾ [النمل: 12].
وحدد الإبط بأنه ما بين الكتف وإلى المرفق من كل يد، والخمار هو الثوب المسدل، ولا يدخل في الجيب الوجه ولا الرقبة ولا اليدان من المرفقين إلى الكف، كما لا يدخل الشعر في الزينة(10)؛ وهي كلها مفاهيم تمنح المرأة حرية اجتماعية قيدها للأسف الفقه التقليدي، وحال دون تحققها.
الراعي والرعية
انطلق الإسلام في رأي أبو القاسم حاج حمد من موئل حضري (البلدة الحرام)، واتجه إلى مركز حضري آخر، هو المدينة المنورة، متوجهاً بالنقد لسلوكيات الراعي والرعية، وحياة البداوة بسلوكياتها وقيمها الاجتماعية؛ بل وحذّر الإسلام من استعمال مصطلح "راعنا"(11). وهو ينزع هنا إلى تكريس الحرية، وتفكيك بنى الرعوية الأبوية البدوية.
ولعل ذلك ينطلق من سؤال الحرية الذي شغله كثيراً؛ فيُعلن بوضوح عدم جدوى مواقف المقاربة أو المقارنة، التي تبلورت في كتابات عديدة عن موضوع الحرية، وأدّت إلى الارتباك الذي ظلّ سمة ملازمة لكثير من النصوص الفكرية التي تناولت موضوع الحرية، ممّا أدّى إلى نشأة الخصام ما بين فريق التجديد المقارب على المحايثة الليبرالية، وفريق المقارنات، وبينهما من يحاول إيجاد جسور للتفاهم، سرعان ما تنقطع وتنهار(12).
ورغم رفضه الهيمنة الأبوية، فإنّه يدلل بالمنطق وقبل الاستشهاد بالنص، على وجود العائلة الآدمية قبل خروج آدم من الجنة، وهي عائلة متكاملة العضوية (أب، أم، ذرية). فالأسماء التي عرفها آدم كانت موجودة كلها وجوداً عينياً، وإلّا لما أعلمه الله بها كلها. رافضاً القول بأنَّ آدم لحظة الهبوط لم يكن معه سوى زوجه، فالهبوط من الجنة في رأيه كان جماعياً(13). وبالتالي، كان الاجتماع سابقاً على وجود الإنسان في الأرض.
وضمن تشريعات العائلة الآدمية الأولى، تجلّت بواكير البنى السوسيو-ثقافية، قبل أن تتقلص في النص القرآني مساحات التحريم، لصالح حرية الإنسان ودفعه إلى الاستمتاع بزينة الحياة.
حدود الزينة
يتوقف أبو القاسم حاج حمد عند الآية "31" من سورة الأعراف، في قوله عزَّ وجل: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِد وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فزينة الإنسان هي القول الطيب والمظهر الطيب والأكل الطيب، وكل ما يتجمل به السلوك الإنساني، ويتزين به الإبداع البشري، وإخراج كمالاته، ضمن أقصى حالات العطاء والجمال والصدق.
وعليه، فإنّ الأمر بستر العورة وحفظ الفرج لا يعني الامتناع عن مباهج الحياة والتمتع بزينة الطبيعة، بل الاستمتاع الأقصى، بشكل مقيد فقط بعدم الانتهاء إلى الإباحة الجسدية، فعلى سبيل المثال: الموسيقى حلال ولا يمكن تحريمها، فقط ينبغي ألّا يكون موضعها مكاناً للعهر(14).
ويرى حاج حمد أنّ الله أطلق زينة الحياة كاملة للإنسان، وأبدع لها طعاماً مختلف الأشكال والألوان، وجعل الطبيعة كلها مسرحاً كونياً وتلاوين وظلالاً، "ثمّ أطلق الإنسان حراً كالطير في جو السماء، وجعل كل حالات الناس ومجالسهم الطاهرة (مساجد لله)"(15).
وختاماً، لعل تلك الرؤية الخاصّة بتحرير الإنسان ومنحه الحق في الحياة، دون تقييد إلا من الشرط الأخلاقي، تدعو إلى مزيد من الوقوف أمامها بالنظر والتحليل والبناء عليها، من أجل فاعل بشري حر، لا يقطع مع الدين، وإنما يستمد منه مقومات الحياة.