تديين البداوة:

إشكاليات تحري التراث الحديثي.. الشاطبي نموذجاً

مركز حوار الثقافات

28-10-2025

في لقاء حواري، ضمن برنامج "استنارة"، الذي يتضمن حلقات حول "النقاش العمومي والحوار الفكري والثقافي في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط"، استعرض الدكتور أحمد عصيد، مُقدم البرنامج، مع الأستاذ حسن علوي، الآليات العلمية الواجبة لتحري الحديث، باعتبارها من القضايا الفكرية المؤرقة للوعي الإسلامي المعاصر في المنطقة العربية، مع أخذ الإمام الشاطبي مثالاً.

والإمام الشاطبي، هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، عالم أندلسي درس ونشأ في غرناطة ومذهبه مالكي. وكان الشاطبي يأخذ بالدليل الأقوى ويذر ما سواه، ما لم يوجب ذلك حرجاً، وإلا كان يجمع بينهما، فيقدم الكتاب على السنة، والسنة على القياس، والقياس على قول الصحابي، وقول الصحابي على قول التابعي، والأثر على المعقول، وهكذا. 

وإلى ما دار في هذا اللقاء الذي بدأه أحمد عصيد بقوله: 

- السيدات والسادة المشاهدات المشاهدون الأعزاء، متابعي ومتابعات "النقاش العمومي والحوار الفكري والثقافي، في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط"؛ أحييكم وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج "استنارة"، من القضايا الفكرية المؤرقة للوعي الإسلامي المعاصر في منطقتنا.

- كيف نعيد قراءة التراث الفكري، الديني على الخصوص؛ جميع القراءات التي تمت بمناهج عصرية حديثة وبرؤية حداثية، تم رفضها من طرف الوعي المحافظ، ومن طرف التيار الفكري والسياسي المحافظ، واعتبرت أنها اتجاه تغريبي في قراءة وفهم التراث، ليبقى التحدي الأكبر هو كيف نقرأ التراث الفكري الإسلامي من داخل منظومته، عبر تفكيك آلياته ووضع اليد على نقاط ضعفه، ونقاط الخلل التي جعلتنا اليوم بلداناً نعاني من التأخر التاريخي، ونعجز عن تطوير الفكر، لكي يلتحق بالواقع ويلتحق بالعصر، ويلتحق بالعلم بمفهومه الحديث. 

هناك مفكرون ومثقفون تحلوا بالشجاعة الفكرية والمنهجية، لكي يخوضوا هذه التجربة الصعبة، وهي نقد المنظومة الفكرية الإسلامية من الداخل. ومن هؤلاء، ضيفنا اليوم الأستاذ حسن العلوي. 

- الأستاذ حسن، مرحباً أحييكم وأشكركم على تلبية دعوة البرنامج شكراً.. 

- مرحباً سي أحمد، وأنا أتشرف وأسعد باستضافتكم كذلك. 

- الأستاذ العلوي، درستم أو أصدرتم كتاباً حول الشاطبي، واستعملتم عبارة مهمة نريد تدقيقها في هذا البرنامج، وهي عبارة "تديين البداوة" (!)؛ بمعنى إلباس البداوة لبوساً دينياً سواء من الناحية الفكرية أو السلوكية، ماذا تقصدون بهذا التعبير؟ 

- شكراً مرة أخرى، هذا الكتاب في الحقيقة هو جزء واحد من مشروع كبير أشتغل عليه إلى اليوم؛ بدأت في الحقيقة بالدراسة النقدية التحليلية للمشروع الحديثي، وبدأته بأول عمل تحت عنوان "تمهيد لنقد التراث الحديثي". وهذا الكتاب، هو عبارة عن معجم مفهرس لنصوص عمل أهل الحديث، المصطلح عليه في الثقافة، بـ"علم الحديث"؛ وهو معجم مفهرس ليس للمفردات أو للكلمات أو للأحاديث، وإنما للنصوص؛ بحيث إنني استقصيت في جميع النصوص التي تتناول قضايا المحدثين، والقضايا التي اشتغل عليها ما يُسمى بعلم الحديث، من أول ما كتب في مجال علم الحديث، إلى آخر ما كتب في العصور ما قبل الأخيرة.

الجزء الثاني، خصصته للدراسة النقدية التحليلية لبعض النصوص؛ وأهم النصوص التي وردت في الجزء الأول، عنوان "عمل أهل الحديث وسؤال العلمية"، تناول مدى علمية هذا العمل؛ فهو يجيب في أحد أجزائه الثلاثة، عن سؤال: هل عمل أهل الحديث بقواعده بشروطه بإجراءاته السلوكية فعلاً، حتى يستحق أن يعتبر علماً قائماً تماماً. 

وقد خصصت فيه ثلاثة أقسام: الأول، لنقد الآليات المعتمدة في إنتاج الحديث، ما أسميته بـ"إنتاج الحديث في الثقافة"، والمصطلح عليها بالشروط التي اعتمدها المحدثون، في إفراز ما يسمونه بالروايات المقبولة وغير المقبولة، الصحيحة وغير الصحيحة، إلى غير ذلك.

برهنت في هذا الجزء، ومن داخل عمل أهل الحديث، علي ثلاثة قضايا أساسية: أولاً، البرهنة على أن عمل المحدثين، هل هو علم أم هو أيديولوجية؛ الأمر الثاني، برهنت فيه عن اختلال العمل بالشروط التي وضعها المحدثون، حيث إن الشروط التي وضعها المحدثون لم يلتزموا بها، هم أنفسهم لم يلتزموا بها، وأوضحت بالنصوص مظاهر الإخلال والتقنيات التي استعملت في الإخلال، وعلى رأسها التقنية المشهورة، وهي تعتبر تقريباً من الناحية العلمية هي أخطرها، وهي مصطلح عليها بـ"التدليس"، بحيث لو أنه حكمنا الأحكام والمواقف التي صدرت، أو قيّمت سلوك المحدثين الروائي وفق هذا المعيار أو هذا الخلل، سوف تكون نتائج بطبيعة الحال صادمة للكثيرين؛ أما الأمر الثالث، الذي برهنت عليه، فهو فشل هذا المنهج، الذي اصطلح على تسميته بالمنهج الإسنادي في إنتاج الرواية التي كان يرغب فيها المحدثون. 

- يعني: قُدم السند على أنه منهج صارم، وأنتم تبرزون العكس تماماً (؟!).

- أكثر من ذلك، هو أنه فشل في نهاية المطاف، إلى درجة أن من أسميهم في الكتاب بـ"المراجعين" القراء، أو المحدثين القراء، وصلوا إلى نتيجة مهمة تؤيد ما أشرت إليه قبل قليل، وهي قولهم أنه لا تلازم -وهذه عبارة حرفياً نقلتها من أحد هؤلاء– "لا تلازم بين السند والمتن"، بمعنى أنه قد يكون السند جيداً ومقبولاً وفق المعايير الموضوعة، ولكن المتن الذي رُكِّب عليه هو منكر.

ومن جملة ما يحضرني، تأكيداً لهذه الخلاصة وهذه النتيجة، هو قول أحد كبارهم الذي يعتبر عُمدة، وهو أحمد بن حنبل، قال تعقيباً على أحد الأحاديث: "الشيخ ثقة لكن المتن منكرٌ جداً، وفي نفسي منه شيء كثير". وحكم آخر بنفس الموقف، وهو قوله: "أما السند فجيد، لكن المتن منكر جداً"؛ وهذا أدى إلى تسويغ الكثير من الأخبار، التي لا يقبلها عقل ولا منطق ولا واقع.

- هل معنى ذلك أن هذا المنهج أدى إلى الفصل بين الشكل والمحتوى؟

- لم يستطيعوا هذا، ومثل هذه المواقف هي الخلاصة النهائية التي يمكن أن يستنتجها الدارس اليوم؛ أما هم لم يستطيعوا بطبيعة الحال أن يقفزوا هذه القفزة النوعية، وهذه هي ربما مهمتنا نحن الباحثين اليوم. 

والجزء الثالث في إطار هذا القسم الثاني، يجيب عن سؤال مركزي، وهو: هل متون الأحاديث التي تحملها بطون الكتب اليوم، ويرددها المسلمون ويتداولونها في خطبهم وفي المؤسسات التعليمية، إلى غير ذلك، هل تلك المتون هي فعلاً كلام النبي، ألفاظه وكلماته وعباراته؛ أم إنها مجرد ألفاظ أفهام الرواة (؟!)؛ هذا سؤال مركزي جيد.

وهذا يفتح لنا بطبيعة الحال أمراً آخر؛ إذا كان الجواب بأنه من الصعب، حتى لا أقول من المستحيل، أن تكون متون الأحاديث هي فعلاً من ألفاظ وكلمات النبي.. هنا يأتي السؤال: ما هي مكونات الحديث؟ 

ما يسمى بالحديث النبوي، هو، أي الحديث، يتكون من "أربعة" مصادر أساسية: المصدر الأول، هو ما يفترض أن يكون صحيحاً في نسبته إلى النبي، وإلى الزمن الإسلامي التأسيسي، أي الزمن الأول؛ المكون الثاني، أو المصدر الثاني، هو كلام المحدّثين أنفسهم، فكثير من الكلام الذي قاله المحدّثون اعتبر في النهاية "حديثاً"؛ والمصدر الثالث، هو كلام من يسمون بـ"السلف"، وهذا سأمهد فيه بطبيعة الحال، لأننا نحتاج إليه في الجواب عن السؤال المتعلق بـ"تديين البداوة". 

- هل معنى هذا، أن العنصر الثالث من مكونات أو من العناصر المكونة للحديث، أضفى نوعاً من القدسية على "السلف" حتى صاروا في مستوى الأصل أو النص الأصلي؟ 

- اعتبرت أقوالهم ومواقفهم وآراؤهم، التي تعكس فهمهم للوجود وللحياة، مصدراً من مصادر الدين. هذا هو العنصر الثالث من مكونات أو من المصادر المكونة للحديث. أما المصدر الرابع، هو ما استقاه واقتبسه المسلمون من المرجعيات الدينية والفكرية والقيمية للتراث القديم، خاصة التراث الديني منه؛ هذا مصدر كذلك من المصادر، أثبته في الكتاب انطلاقاً من ماذا؟ من أقوال ونصوص المحدثين أنفسهم. إن كثيراً مما اُقتبس في تلك المرجعيات رُكبت عليه الأسانيد ثم اُعتبر حديثاً، المصدر الأخير ربما الخامس، والأخير، هو "الأحاديث المكذوبة". 

وهذا موضوع واسع، وهذا أيضاً مجال واسع، لأن الأخبار التي تراكمت كانت بمئات الآلاف، مئات الآلاف، وخلقت مشكلاً حقيقياً؛ حتى إن الحياة الإسلامية أصبحت كلها قائمة اليوم، منذ الماضي، منذ أن اعتمدت السُّنة والحديث كمرجع أساسي، استطاع حتى أن يزيح النص التأسيسي الذي هو القرآن الكريم.

وهنا نشأت معضلة خطيرة، وهي جعل السنة أسبق من القرآن؛ منظومة السنة خلقت أزمة حقيقية بالنسبة لعبارة المحدثين. السُّنة تقول: السُّنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة. نعم، وفي رواية أخرى: القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن. 

- وهذا كله من عمل الفقهاء (؟). 

 - من عمل المحدثين بالخصوص، ولكن جاء الفقهاء بعد ذلك تبنوا هذه الأطروحة كلها، والشافعي خطير جداً ويستحق لوقفة قائمة بذاتها في العمل الذي قام به في التأسيس، لماذا؟ لمفهوم السنة بالمعنى الذي جاء في "الرسالة". هي عمل نوعي، وعمل خطير جداً. 

نأتي بعد ذلك، كتمهيد للجواب عن السؤال: "تديين البداوة"؛ فكرة تديين البداوة استقيتها من ماذا؟ من هذا السياق العام الذي دشنت فيه السُّنة حسب وجهة نظري لمسار ثان من مسارات تكوين الإسلام. 

عندي دراسة، ربما إن شاء الله تصدر قريباً، أتحدث فيها عن إسلامين وليس عن إسلام واحد: إسلام القرآن، وإسلام السنة؛ وهذا بطبيعة الحال أتقاطع فيه مع مفكرين كبيرين، أحدهما مغربي والآخر مشرقي. المفكر المغربي الذي خلص كذلك إلى هذه الخلاصة، هو عبد الله العروي، في الكتاب المشروع الذي هو "السنة والإصلاح". ثم عندنا المفكر الآخر، هو المرحوم جورج طرابيشي، بكتابه "إسلام القرآن وإسلام الحديث"، أنا سميته إسلام السنة بدل إسلام الحديث. أطروحته في هذا الكتاب الذي هو مخصص للدراسة النقدية من الداخل، لأحد أهم الفقهاء المؤثرين، ليس في الماضي في زمنه وإنما في حياتنا المعاصرة، وهو أبو إسحاق الشاطبي. أطروحة كتابه "الموافقات"، بفكرته التي تعتبر نوعية سواء لدى الفقهاء أو حتى لدى المفكرين، بمن فيهم المرحوم الجابري.

إذا تذكرتم ما هو الموقف الذي أسسه، وأسسه على ماذا؟ على فكرة "المقاصد"، نعم وأطروحة فكر الشاطبي كلها اختزلها وأقربها للمشاهد الكريم، في قوله بأن "الشريعة كل الشريعة مفصلة على مقاس العربي، الإنسان العربي الأمي"؛ ونضع خطاً تحت كلمة الأمي.

- يعني في سياقه "السوسيوثقافي" والتاريخي لذلك الوقت (!!). 

- الغريب في الأمر هو أن "الأمية"، هنا، التي يجعلها ركيزة أو سمة بنيوية للشريعة، يقصد بها المعنى المعاصر للكلمة وليس "المعنى القرآني"؛ لا علاقة لها تماماً بالمعنى القرآني، فقد برهنت من خلال متن الشافعي ونصوصه، أنه يقصد الإعلان عن "جهل الأمية"، جهل القراءة والكتابة وعدم تعلم العلوم، وإلى غير ذلك. 

إذاً أطروحة الكتاب، هي أنني فككت فيه هذه الفكرة التي تعتبر أطروحة فكر الشاطبي كله، بجميع كتبه، والتي تقول بأن الشريعة تفصلت على مقاس الإنسان الأمي البدوي. عندما جعل الشاطبي الأمية سمة بنيوية للشريعة، تابعة في ذلك للإنسان البدوي العربي الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم، إلى آخره؛ انتهى إلى خلاصة خطيرة جداً، تقول بأن "استمرارية الشريعة"، هذه الشريعة الأمية، مشروطة ببقاء البداوة الأمية، لذا من هنا جاء عنواني تديين البداوة. 

- وهل هذه الخلاصة التي توصلتم إليها تفسر الكثير من الأشياء التي تحدث؟ يعني: كيف أن الأيديولوجيا الدينية تشيع البداوة والترييف، ترييف المدن، وترييف الحياة العصرية (؟). 

- هذه الخلاصة خطيرة جداً كما قلت، ربما لأن استمرارية الشريعة مشروطة بتأبيد الجهل؛ هذا الشق الثاني من عنوان "تديين البداوة وتأبيد الجهل". إذاً، تأبيد الجهل هو شرط ضروري للاستمرار، ربما قد يعترض البعض ممن يستمعون ويشاهدون الآن، يقولون أنت تتجنى على هذا الشخص، وأنا أحيلهم على الكتاب وقد وثقت فيه النصوص. 

وأشير فقط في هذا السياق إلى أمرين: الأمر الأول، وهو أن الشاطبي لكي يكرّس معنى تأبيد الجهل، عقد فصلاً قائماً بذاته في الكتاب في الموافقات للحديث عن ماذا؟ عن أنواع العلوم التي عرفها العرب، الذين جاءت الشريعة ففصّلت على مقاس حياتهم ووعيهم وفكرهم وعقلهم، حتى في المعنى، حتى في الأفكار، حتى في الأساليب واللغة؛ بما يعني أن الشريعة لا يمكن أن تخرج عن ذلك. 

إذاً الشاطبي عقد فصلاً لسرد أشكال الثقافة، أو الفكر السائد عند العربي البدوي الأمي؛ فبدأ يتحدث مثلاً على العيافة والقيافة والفراسة والحساب، يعني تقاليد ثقافية للعرب؛ ولكن الخلاصة التي يصل إليها هي التي تهمنا، والتي تؤكد ما أشرت إليه، الذي هو تأبيد الجهل؛ فخلص إلى أن كل علم، أي علم، وذكر بالاسم العلوم الطبيعية، أيضاً كل ما لم يعرفه العرب من هذه الأصناف من العلوم، فهي غير مقبولة بالشريعة، وذكر منها كما قلت العلوم الطبيعية بالاسم، والفلسفة، والمنطق، والرياضيات كعلم. 

- هذا معناه أن الشاطبي ساهم في إغلاق باب الفكر العلمي، والعقلاني، في الحضارة الإسلامية (؟!). 

- نعم تماماً؛ الأمر الثاني الذي يؤكد دائماً تأبيده للجهل هو أنه استعار، بل تبنى، كل الخلاصات أو كل المواقف التي وضعها المحدثون تحت عنوان "محاربة البدعة" التي هي منع السؤال، منع البحث العلمي، منع التعمق، منع المراجعات، الاستعانة بالعقل.. وهكذا بالاسم.

إذا أخذنا فقط هذين المعطيين، الموثقين بالنصوص من متن الشاطبي، نعم من حقي أنا كباحث أن أستخلص بأن هذا الرجل يعمل على تأبيد الجهل في الأمة الإسلامية، التي يبدُر لها، أو أن يقدم لها، مقاصد الشريعة. 

- وهذا يشرح مسألة مهمة جداً، وهي المعاناة التي نعانيها اليوم مع الفكر الفقهي الجامد، فيبدو أن الفكر الفقهي يحاول أن يحافظ على منظومة الشريعة بطبعها البدوي، رغم أن الحياة المعاصرة سياق مخالف تماماً؛ وهذا هو سبب التصادم بين الفكر الفقهي والدولة الحديثة.. الشاطبي، إذاً، يساهم في هذا في خلق هذا (؟).

- مساهمة كبيرة جداً، لأن العمل الذي قام به هو أنه يحاول أن يعيد صياغة السُّنَّة، أن يعيد صياغة السنة والسلفية، بما يجعلها تتمتع بنوع من المسحة النظرية إن شئنا أن نقول، وهذا الجانب النظري الذي قدم فيه، أو هذا القالب النظري الذي قدم فيه الشاطبي مشروعه، هو الذي أوقع كثيراً من المفكرين، وعلى رأسهم المرحوم الجابري، في البناء على هذا المنجز تلك الأحكام الكبيرة التي لا مصداقية لها إذا فككنا خطاب الشاطبي. 

- هذا معناه أن الشاطبي قُرئ جزئياً نوعاً ما؛ يعني مثل ما قرأه الجابري مثلاً هي قراءة جزئية.. يعني لم تأخذ بعين الاعتبار المنظومة بكاملها (؟). 

- أنا أذهب أكثر من هذا؛ لم يقرأه جزئياً وإنما قرأه أيديولوجياً. وهي السبب الذي أسقطه في هذا، ليس لسبب معرفي أو عائق معرفي أو مانع معرفي، وإنما السبب يرجع بالإجمال، وبالدرجة الأولى، للتعريف بأن الجابري أورد هذا الموقف، من مشروع الشاطبي، في سياق انتفاء للمعضلة التي وقع فيها، وهي وجود القطيعة الإبستمولوجية بين المدرسة المشرقية والمدرسة المغربية. ربما الاستعجال في اتخاذ هذا الموقف، أو في بناء هذا الموقف، هو الذي أوقعه في هذا الأمر. 

- أخيراً، أستاذ حسن العلوي، كيف يمكن الخروج من هذه البوتقة؟ بمعنى هل من الممكن إحداث ثورة من داخل المنظومة الحديثية، للتخلص من القواعد القديمة، مثل اعتبار سند أسبق من المضمون، أو اعتبار السنة أسبق من القرآن، إلى غير ذلك؛ من أجل خلق فكر إسلامي دينامي يواكب الحياة ويستجيب لحاجات المجتمع (؟). 

- هذا يقتضي بطبيعة الحال أن نتسلح بالعلم والمعرفة؛ العلم بمفهومه المعاصر، بما يتيح الاعتماد على الآليات العلمية وحدها في مقاربة المادة التراثية عامة، والمادة الدينية منها بصفة خاصة، وهذا وبشكل صارم بطبيعة الحال أن نبتعد عن ماذا؟ عن كل الأخطاء التي ارتكبت في السابق في إطار مشروع قراءة التراث؛ وأولها قراءة التراث من منظور أيديولوجي، لو قرأ المفكرون التراث بمنظور علمي، أنا عندي يقين بأن النتائج التي كانت ستكون مختلفة.

لذلك، أنا حرصت كل الحرص بكل هذه الأعمال أن أكون لصيقاً بالنصوص، حتى يمكن مثلاً أن تجد في الورقة الواحدة داخل الكتاب الإحالة على ثلاثة أو أربعة نصوص، في كل صفحة تقريباً، لكي أبتعد كلية عن تلك المواقف المسبقة والأحكام المسبقة.

والمدخل إلى ذلك، هو أن نبدأ بماذا، بنقد الحديث؛ مبتدئين مما انتهى إليه النقاد المراجعون المحدثون، عند الذين ينتمي أغلبهم، أو ظهر أغلبهم ما نصطلح عليه بالعصور الوسطى؛ نعم فقد خلصوا إلى خلاصات مهمة جداً، منها مثلاً الخلاصة التي سبق وأشرت إليه عندما قالوا بأنه "لا تلازم بين النصين". 

- وهذه الخلاصات، لا تؤخذ بالاعتبار من طرف فقهاء اليوم، فهي تُغيّب كما لو أنها غير موجودة!

- لا يقرؤونها. أنا قدمت في الكتاب الثاني، الذي هو عمل أهل الحديث والعلمية، أشرت فيه إلى الطريق، أو إلى المدارس التي تتناول المادة الحديثية الآن؛ مثلاً في الجامعات، وفي المعاهد، وقسمتها إلى قراءتين: قراءة أسميتها بـ"القراءات التعلمية"، وهي التي يتلقاها الطلاب من طرف أساتذتهم وشيوخهم إلى غير ذلك؛ ثم، "الطريقة التعليمية"، وهي التي يمتهنها إما رجل الدين على المنبر، أو مدرس مادة التربية الإسلامية في المعاهد وفي الجامعة إلى غير ذلك. 

وهم يشعرون أنهم متمكنون من المادة؛ لكن أقصى ما يمكن أن يصل إليه الأستاذ مثلاً، أن يطلع على أن هذا النص الحديثي موجود في كتاب فلان، أو كتاب فلان، أو إلى غير ذلك؛ وإذا ارتقى درجة إلى الأمام، يمكن أن يحكم على نص الحديث بأنه ضعيف، أو صحيح، أو إلى غير ذلك، اعتماداً على ما قاله القدماء. 

وأنا أطمح، ولا أزعم، في أن أقدم قراءة ثالثة، أسميتها بـ"القراءة النقدية"، التي تتجاوز كل هذا، ومن داخل المنظومة ومن خلال النصوص، فتقرأ الخلفيات الأساسية المتحكمة في ظهور السند. على سبيل المثال، أنا في الجزء الأول من كتاب أهل الحديث والعلم، وقفت عند الخلفيات والأسباب التي أدت إلى ظهور السند والمنهج الإسنادي، هل هي أسباب علمية؛ بمعنى أسباب تتصل بأن يكون هدف المحدث في إنتاج هذه الشروط، أو في اشتراط السند الكشف عن سند الرواية؛ هل كان هدفه هو توثيق التجربة النبوية الإسلامية، وهذا هدف علمي نبيل، أم أن الأهداف كانت غايات أخرى وأسباباً أخرى.

 - وهذا هو الأرجح يعني (؟!). 

- لا ليس الأرجح، هو بالنص هو المؤكد بالنص، أنا لا أقول من عندي مثلاً أشهر نص الذي هو ورد في كل الكتب الحديثية تقريباً؛ هو نص تنسبه الرواية الحديثية لابن سيرين، ماذا يقول هذا النص؟ يقول لم يكونوا يسألون عن الإسناد، لاحظ العبارة، لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فيُنظر، لاحظ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ويُنظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم. إذا أخذنا هذا النص نحاول أن نفككه، سيجيبنا عن الأسئلة اللي طرحناها قبل قليل، هل الخلفيات والأسباب هي علمية أم أيديولوجية. 

- في الختام، شكراً أستاذ حسن العلوي على إسهامكم في هذه الحلقة. السيدات والسادة، المشاهدات والمشاهدين الأعزاء، هكذا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

لقاءات خاصة

عامر الحافي: بعض المذاهب الإسلامية لم تشتهر رغم أنها أصوب من الرائج (الجزء الأول)

01-09-2024

ارسل بواسطة