عن التحديث، وليس التجديد، يتناول المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي، في كتابه "تحديث الفكر الإسلامي"، الصادرة طبعته الأولى عام 2009م، عن دار المدار الإسلامي، رؤيتَه إيماناً منه بأن المسألة "ليست في الدعوة إلى الجديد وتفضيله على القديم، وفي الجري وراء التقليعات العابرة، فكم من قديم يتحدى الزمن بصلاحيته، وكم من جديد معاصر لا نفع فيه ولا فائدة".
الإسلام والفكر
يقول عبد المجيد الشرفي إنه لا بد من تمييز صارم بين الفكر الإسلامي من ناحية، والإسلام من ناحية ثانية؛ أو بمعنى آخر بين التديُّن والدِّين؛ فالدين لا يمكن أن نطالبه بأن يتطوّر أو يتغيّر، ولكنَّ فهمَنا له وتعاملنا معه يتغيّر ويتطور.
ولذا، يؤكد على الحديث عن الفكر الإسلامي، وعن الخطاب المتعلِّق بهذا الفكر؛ مُشيراً إلى استخدام إما مفهوم الفكر الإسلامي أو الخطاب الإسلامي، والأمران عنده يكادان يكونان مترادفَيْن، بمعنى أن الخطاب الإسلامي هو هذا الفكر.
ويوضح الشرفي أن الخطاب الإسلامي يتجلّى في العلوم الإسلامية المختلفة، بما فيها التفسير، والحديث، وعلم الكلام، والفقه، والأصول، وحتى التصوف والأخلاق؛ وأن هذا الفكر ليس بدوره فكراً مجرداً، وإنما هو فكر متجسم في هذه العلوم، وفي هذا الخطاب، الذي يشمل كل هذه الميادين.
ولذلك، فإن هذه الملاحظة ضرورية للتمييز بين الفكر الإسلامي والإسلام؛ إذ إنها تتعارض بوضوح مع الموقف الذي يقفه العلماء التقليديون الذين يقدمون ما يقولونه عن الإسلام على أنه "متطابق تطابقاً مطلقاً مع الدين"، وهذا ما يتعين إعادة النظر فيه، وأن هذا الذي يدَّعونه من تطابق بين الفكر الإسلامي والإسلام، ليس هو بالضرورة الإيمان الصحيح والسلوك المستقيم.
النص والإجماع
يقول الشرفي إنه إذا ما اتفقنا على هذه المقدمات، فإن النظر في الخطاب الإسلامي التقليدي يقتضي الوقوف عند الأمرين اللذين يُحتجُّ بهما على أحقيته في التعبير عن ما يجب اعتقاده، وما يجب فعله، وهذان الأمران هما: النص من ناحية، والإجماع من ناحية ثانية.
بالنسبة لـ"النص"، يوضح الشرفي أن هذا المفهوم قد وُظِّف توظيفات مختلفة، حتى إن هذا النص في كتب أصول الفقه يُستعمل في اتجاهات مختلفة ومتعارضة، وأحياناً متناقضة؛ فنفس النص يمكن أن يؤوَّل لفائدة الشيء ونقيضه، ذلك بأن الاحتجاج بالنص كان في كثير من الأحيان احتجاجاً بأجزاء من اﻵيات، لا بآيات كاملة؛ إذ إن آية من الآيات، أو نصاً من النصوص، يمكن أن يستجيب لوضع معين ولظرف محدد زمنياً دون آخر؛ ولكن الفقهاء والأصوليين اعتبروا أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، ولم يعتبروا أن ذلك النص يمكن أن يتعلق بحادثة ولا يتعلق بكل الحوادث الأخرى الممكنة أو المشابهة.
أما بالنسبة للحُجَّة الثانية، التي يستند إليها الفكر الإسلامي التقليدي، وهي حجة "الإجماع"، فقد استُعملت في الغالب لإقصاء المخالفين أكثر مما استُعملت لإيجاد ملاءمة بين الدين والحياة.
ويوضح الشرفي أن حُجية الإجماع، المبنية على نصوص القرآن، اعتبرت إجماع أمة المسلمين هو إجماع العلماء، بالإضافة إلى الصحابة، فوقع بذلك تقليص مفهوم الأمة إلى مفهوم هذه الفئة التي تتوارث تأويل النصوص؛ ولذا علينا أن نُعيد النظر في كثير مما يُقال ويُكتب في ما يتعلق بطبيعة المجتمعات الإسلامية، ودور النص القرآني، أو نص الحديث، أو النصوص الفقهية أو التفاسير، أو غير ذلك، في التكيف مع هذه المجتمعات.
ضرورة التحديث
الفكر الإسلامي في مجمله، حسب رأي الشرفي، في حاجة إلى "تحديث"؛ لأن هذا التحديث له مشروعيته وضرورته؛ إذ تندرج ميادين كثيرة في نطاقه؛ والاهتمام بأصول الفقه من بين كل هذه الميادين له ما يبرره من وجوه عديدة.. فالمبرر الأول، بحسب الشرفي، أن ما يُخص به هذا الميدان في الدراسات الحديثة، لا يتجاوز في أغلب الأحيان التلخيص المشوّه لآراء القدماء، رغم كثرة هذه المحاولات وعشرات الكتب الحديثة المتعلقة بأصول الفقه، ولكنها تكرار لنفس المقولات، وأحياناً تسكت عن كثير من الآراء التي كان يتنافس فيها القدماء، وليس فيها أي محاولة حقيقية لاستنباط أصول لها صلة بالمعرفة الحديثة.
ويوضح أن أصول الفقه تُقدَّم عادة دون النظر إلى ما طرأ عليها من تطور، في الفترة التي كانت فيها المنتجات الفكرية تواكب حركة المجتمع، فنتج عن ذلك فصل بين اختلافات الفقهاء وسياقها التاريخي؛ ولهذا فما نجده في كتب الأصول هو محاولة إما للتوفيق وإما للترجيح، ولا تتعدى المحاولة ذلك، وما نلاحظه في المؤلفات الحديثة هو تغييب البُعد التاريخي تماماً عن هذه الأصول.
ويتحدث الشرفي عن المُصادَرات التي تقوم عليها أصول الفقه، وحصرها في "ست" مصادرات:
- المصادرة الأولى: هي أن جميع أعمال الإنسان ومؤسساته الاجتماعية، لا تجد مشروعيتها إلا في ما يُضفيه عليها الدين من معنى.
- المصادرة الثانية: هي وجود استمرارية بين سلوك الرسول وسلوك الأجيال المتعاقبة من المسلمين.
- المصادرة الثالثة: هي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويعتبر حكم النص مطلقاً دون الانتباه للظرف الخاص به.
- المصادرة الرابعة: التمييز بين مجال الفقه ومجال العقيدة.
- المصادرة الخامسة: الشرع يحكم بظاهر العبادات والمعاملات لا بمحتواها.
- المصادرة السادسة: إن ما يُستنبط من أحكام على أساس أصول الفقه ليس أحكاماً بشرية، وإنما هو حكم الله.
ويوضح الشرفي أن تحديث أصول الفقه، وإعادة النظر في منظومته، إنما يأتي على أساس العودة إلى مقتضيات الخطاب القرآني؛ لأن القرآن دائماً يخاطب المسلمين دون تمييز.
وضعية الفقه
حول الوضعية التي يبدو عليها الفقه الإسلامي، يطرح الشرفي تساؤلات مهمة، هي: ما منزلة الفقه في عصرنا؟ وهل له حظوظ في البقاء وحال القانون الوضعي يزاحمه مزاحمة شديدة؟
ويُسهب الشرفي في شرح الكيفية التي مثَّل فيها الفقه عبر التاريخ الإسلامي عنصراً من أهم عناصر توحيد الأمة الإسلامية، ورغم اختلاف المذاهب فإن هذه المنظومة كانت هي التي تجمع إلى حدٍّ ما هذه الشعوب وهذه الأمم التي تَدين بالإسلام، وكانت قبله تخضع لأنظمة سياسية مختلفة، ولإمارات متقلّبة ومتغيرة.
ويقول الشرفي إن إعادة النظر في المنظومة الفقهية لا تنسف رُكناً من أركان الدين، معتبراً أن الطريقة التي سنَّها الفقهاء هي طريقة كان لها ما يبررها، ولم يعد لها اليوم نفس هذه المبررات؛ إذ إن ما يقدمه الفقهاء هو اجتهاداتهم وتأويلاتهم واختلافاتهم، وليس ما يقتضيه النص القرآني.
ويخلص الشرفي إلى نتيجة أخرى، هي أننا يجب أن نعود إلى التاريخ لكي نستطيع أن نجدد النظر في هذه المنظومة الموروثة، ذلك أن التاريخ يعلّمنا كثيراً من الأشياء.
وختاماً، وحسب مفهوم الشرفي، فإنه يجب علينا إعادة النظر في المنظومة الفقهية الموروثة، واعتبار الفقه بناءً بشرياً تاريخياً، وأن لا نعتبر الأحكام الفقهية وصفات نهائية؛ وبما أن الفقه هو بناء بشري تاريخي، لذا يمكن لنا أن نراجع أحكامه، التي هي نتيجة الظروف التي عاشها المسلمون، والهدف من ذلك ينبغي أن يكون تربية الضمير المستقيم؛ لأن تربية الضمير المستقيم ليست موكولة إلى الدولة، ولا إلى الفقهاء، بل هي موكولة إلى الأمة الإسلامية، وعلى أساس الحرية الذاتية والمسؤولية الفردية، مع التفرقة بين التدين والدين نفسه.